الكاتب والصحافي شعبان عبود: الصحافة في سوريا كانت حقلاً للألغام.. والرواية ملاذي للبوح
زمان الوصل -
يُعَدّ الكاتب والصحافي السوري شعبان عبود من بين الأقلام المُلفِتة التي أثّثت المشهد الأدبي والصحافي في سوريا، وخرجت عن الثيمات السائدة، في وقتٍ هيمنت فيه أسماء محددة على ما يتلقاه القارئ السوري من إصدارات يومية.
ولد عبود في مدينة بنّش بمحافظة إدلب، وانطلق في شغفه بالكتابة ضمن بيئة حكواتية غنية صنعتها العائلة والعادات والتقاليد، إضافة إلى الزخم الثقافي للمنطقة، ما جعله ميالاً إلى التقاط الميثولوجيا والخرافة وتوظيفها في نصوصه الصحافية والأدبية.
في هذا الحوار مع صحيفة "زمان الوصل"، يتحدث شعبان عبود عن بداياته في "ارتكاب" العمل الصحافي، وتجربته مع صحيفة النهار اللبنانية، وربيع دمشق، والاعتقال، والسبق الصحفي، والعلاقة الشائكة بين الصحافة والرواية.
■ بدايةً، الكاتب والصحافي السوري شعبان عبود… كيف جاءت رغبتك في "ارتكاب" العمل الصحافي؟
عندما أراك تستخدم تعبير "ارتكاب العمل الصحافي"، فهذا يحيل إلى مصطلحات مثل "ارتكاب جريمة" أو "فعل شائن"، وشيء ما في داخلي يجعلني أتفق معك، خصوصاً بعد عقود طويلة من العمل الصحافي. هذه المهنة متعبة جداً، وأصعب ما فيها أنها تحرمك من حياة اجتماعية وعائلية طبيعية، وتضعك في حالة قلق وتوتر دائمين، وأحياناً خوف وتهديد.
عايشت هذه المشاعر خلال عملي مراسلاً لصحيفة النهار اللبنانية وككاتب مقالة رأي قبل نحو 25 عاماً، حيث تعرضت للسجن مرتين. متابعة الأخبار، السعي للسبق، المنافسة، الخوف من فوات المعلومة… كل ذلك يجعلك تخسر جزءاً كبيراً من حياتك الإنسانية.
لكن لو طُرح عليّ هذا السؤال في بداياتي، لكنت شعرت بالاستياء، لأن الطموح والحماس والرغبة في إثبات الذات تسيطر على الصحافي الشاب. أنا دخلت الصحافة من هذا المنطلق: أردت أن أقول شيئاً مختلفاً، وألا أكون شخصاً عادياً يشبه الآخرين.
كنت متفوقاً في الثانوية، وأرادني أبي أن أدرس الحقوق وألتحق بالشرطة، بينما أرادني أخي أستاذاً للأدب الإنكليزي. لم أجد نفسي في أي من الخيارين. كنت أميل للتمرد على سلطة الدولة والعائلة والمجتمع. القراءة المبكرة في الرواية والفلسفة والسياسة هي ما دفعني، ربما دون وعي، لاختيار الصحافة. هكذا بدأت قصة الحب مع هذه المهنة.
■ كنت من الأقلام القليلة التي كتبت خارج سطوة النظام وحكم الطائفة والبعث، كيف تنظر إلى تلك المرحلة؟
لكل اسم من تلك الأسماء تجربته المختلفة، لكن ما جمعنا هو عدم الرضى عن الواقع القائم، والسعي لقول ما لا يستطيع الآخرون قوله. كانت هناك درجات متفاوتة من الجرأة، وأدوات وأساليب مختلفة.
وضعي كان مختلفاً لأني كنت أكتب مقالة سياسية نقدية من داخل سوريا في صحيفة النهار اللبنانية، وهي صحيفة ممنوعة لكنها الأكثر تداولاً بين السوريين، حتى داخل مكاتب المسؤولين. استطعت مع الوقت توسيع هامش الكتابة مستفيداً من مناخ التغيير الذي رُوّج له مع وصول بشار الأسد، دون أن أكون مغامراً أو بطلاً.
لكن رغم ذلك، تعرضت للاستدعاء الأمني المتكرر والسجن مرتين. لم تكن التجربة سهلة أو خالية من الخوف.
■ كنت مراسلاً لـ"النهار" خلال ربيع دمشق، وأنت من أطلق المصطلح… كيف جاءت التسمية؟
بعد توريث السلطة، ساد تفاؤل عام، وظهرت المنتديات الحوارية. بحكم عملي، كنت قريباً من هذا الحراك. لاحقاً، وبعد تحذيرات رسمية من "جزأرة سوريا"، تلقيت استدعاءً من اللواء هشام الاختيار، الذي قال لي صراحة إن هذه الصفحة ستُغلق، وإن الاعتقالات قادمة.
عدت إلى منزلي وقررت كتابة مقالة تنعي تلك التجربة القصيرة، واخترت لها عنوان «عن ربيع دمشق القصير» في شباط 2001. لم أكن أعلم أن المصطلح سينتشر بهذه السرعة.
لاحقاً، تم استدعائي وسؤالي عن دلالات التسمية، لكن المصطلح كان قد أصبح شائعاً.
■ ما أصعب ما في أن تكون صحافياً؟
العمل الصحافي في بيئة قمعية أو زمن حرب أو دولة فاسدة هو عمل شديد الخطورة، يشبه السير في حقل ألغام. الصحافي أمام خيارين: إما احترام المهنة وتحمل المخاطر، أو التواطؤ مع السلطة لتحقيق مكاسب. من يريد الحقيقة عليه أن يكون مستعداً لدفع الثمن.
■ أهم سبق صحفي بقي عالقاً في ذاكرتك؟
الأول كان حواراً مع المراقب العام للإخوان المسلمين علي صدر الدين البيانوني عام 2001، وهي مغامرة كانت عقوبتها الإعدام. حصلت على ضوء أخضر غير مباشر لنشر رد أمني على وثيقتهم، ونُشر على صدر النهار، ما أدى إلى عاصفة استدعاءات.
السبق الثاني كان عام 2006، حين نشرت تفاصيل تنقلات وترفيعات كبار ضباط الأمن قبل إعلانها رسمياً، ما أدى إلى استدعائي واتهامي بالخيانة.
■ كيف تصف مشاعرك بعد سقوط نظام قمع حرية الرأي؟
للمرة الأولى شعرت أن سوريا بلدي وأنني أنتمي إليها فعلاً. قبل ذلك لم أعش هذا الإحساس أبداً.
■ من هم الصحافيون والكتاب الذين تأثرت بهم؟
أميل للصحافيين الذين يحترمون عقل القارئ، ويتكئون على المعطيات لا البلاغة. تأثرت بالمدرسة الصحافية الغربية، وبأسماء مثل توماس فريدمان وكريستيان أمانبور، وأحببت أسلوب جهاد الزين وبلال خبيز.
■ بين الصحافة والرواية، أين تجد نفسك؟
أنا صحافي أولاً، لكن الرواية كانت ملاذي حين عجزت الصحافة عن البوح. الخبر يتعامل مع الإنسان كرقم، أما الرواية فتمنحه اسماً وحكاية. حين قُتل ابنا أخي بقصف على بنّش، لم أستطع كصحافي سوى تحرير خبر بارد، لكن في الرواية أنصفتهما كإنسانين يستحقان الحياة.
أحمد صلال - زمان الوصل


إقرأ المزيد