“الأرض المباركة”.. قراءة نفسية أخلاقية
عنب بلدي -

أحمد عسيلي

قام الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، الأسبوع الماضي، بزيارة رسمية إلى موسكو، هي الثانية له منذ تولّيه السلطة في دمشق، الزيارة، كما بدا من مخرجاتها العلنية، عكست مستوى من التقارب السياسي مع الدولة الروسية، التي كانت حتى وقت قريب تُصنَّف في وعي شريحة واسعة من السوريين كعدو مباشر، بحكم دورها العسكري في قصف المدن السورية ودعمها للنظام السابق، غير أن أكثر ما أثار الجدل لم يكن الزيارة بحد ذاتها، بل كلمة للرئيس السوري تحدّث فيها عن صعوبة احتلال موسكو عبر التاريخ، وعن بردها القارس، وتراجع الجيوش الغازية عنها، واصفًا إياها بـ”الأرض المباركة”، كلمات كهذه فجّرت موجة واسعة من الاستياء، تفاوتت ردود فعل السوريين حيالها بين السخرية والاتهام، أو بين التبرير أو التخوين، لا سيما أن الدولة التي قيلت فيها هذه العبارات كانت تقصف الشمال السوري منذ حوالي العام فقط.

هذا الجدل لا يمكن اختزاله بسوء اختيار كلمات أو برد فعل انفعالي، بل يطرح سؤالًا نفسيًا وفلسفيًا أعمق: كيف نحاكم خطاب السلطة؟ وهل يمكن تقييم تصرف المسؤول بالمعايير نفسها التي نستخدمها نحن كمواطنين؟ للإجابة عن هذا السؤال، قد يكون من المفيد مقاربته من زاويتين تحليليتين مختلفتين: الأولى نفسية، عبر استعارة فرويدية، والثانية اجتماعية، عبر التمييز الذي قدّمه ماكس فيبر بين أخلاقيات القناعة وأخلاقيات المسؤولية.

من زاوية قراءة فرويدية، لا بوصفها تطبيقًا حرفيًا صارمًا، بل كتشبيه استعاري، يمكن النظر إلى الدولة بوصفها جهازًا نفسيًا، في هذا الجهاز، يظهر “الهو” على شكل نزعات غرائزية جماعية تصيب العوام عادة، تتجلى في الدعوات إلى العنف، والحلول العسكرية، والقتل، وأحيانًا في الحنين إلى الدكتاتورية بوصفها طريقًا سريعًا للحسم، و هذا ما نعيشه بكثرة في هذه الأيام، في المقابل، يقوم المثقف، والناشط، والصحفي، والمواطن العادي، بوظيفة قريبة من “الأنا الأعلى”، أي الصوت الأخلاقي الذي يحتج، يرفض النسيان، يسخر، ويضع المعايير القيمية باستمرار، بين هذين القطبين، تقف الدولة في موقع “الأنا”، لا بوصفها ضميرًا أخلاقيًا، ولا بوصفها تعبيرًا عن الغرائز، بل كجهاز تنظيم وإدارة، الدولة، في هذا المعنى، لا تستطيع أن تنصت بالكامل إلى “الهو”، لأن نتائجه ستكون وبالًا عليها، ولا أن تتقمّص دور “الأنا الأعلى”، لأن تضخّم هذا الدور يقود، كما في التحليل النفسي، إلى الشلل أو العنف باسم الأخلاق، فوظيفة الدولة الأساسية هي احتواء التناقض، لا حسمه أخلاقيًا.

هذا الإطار النفسي يجد ما يقابله بوضوح في فكر ماكس فيبر، الذي ميّز بين نوعين من الأخلاق في العمل السياسي: “أخلاقيات القناعة” و”أخلاقيات المسؤولية”، الأولى تحكم مواقف من يتمسّك بالمبدأ بغض النظر عن النتائج، وهي أخلاقيات المثقف والناشط والمعارض، الذين يقولون: هذا خطأ، حتى لو لم يكن بالإمكان تغييره، أما أخلاقيات المسؤولية، فهي تلك التي تُلزم صاحب القرار بالنظر إلى عواقب أفعاله، وتحميله تبعاتها، حتى لو اضطر إلى اتخاذ قرارات لا تنسجم مع قناعاته الأخلاقية الصافية، فيبر لا يدين أيًا من الموقفين، لكنه يحذّر من الخلط بينهما أو مطالبة أحد الطرفين بالتصرف بمنطق الآخر.

في الحالة السورية، يبدو الجدل حول زيارة موسكو مثالًا حيًا على هذا الالتباس، من حق السوري العادي أن يرفض، ويسخر، ويتمسّك بسردية أخلاقية واضحة تجاه دولة شاركت في قتله أو تهجيره، هذا الحق لا ينبع من تفوق أخلاقي، بل من موقعه كغير مسؤول عن إدارة الدولة، وهو جزء أساسي من وظيفة المجتمع في حفظ الذاكرة ومنع تبييض الماضي، في المقابل، يقف المسؤول في موقع مختلف تمامًا، موقع لا يتيح له رفاهية الرفض المطلق، ولا يسمح له بإنكار واقع القواعد العسكرية أو تشابك المصالح الدولية.

المشكلة لا تكمن في هذا التباين بحد ذاته، بل في سوء فهمه، حين تطالب السلطة المجتمع بالصمت أو التماهي الأخلاقي معها، فهي تتجاوز دورها، وحين يطالب المجتمع المسؤول بأن يتصرّف كضمير أخلاقي صرف، فهو يتجاهل طبيعة الموقع الذي يشغله، الصدام هنا ليس بين وطنية وخيانة، بل بين وظائف مختلفة داخل الكيان نفسه.

سوريا اليوم مقبلة على مرحلة سياسية جديدة، مرحلة تتطلب قدرًا من النضج في فهم الأدوار لا في توحيد الأصوات، من حق المثقف والناشط والمعارض أن ينتقد، ويسخر، ويذكر السلبيات والإيجابيات بحرية كاملة، لأن هذه هي وظيفته داخل المجتمع، وفي المقابل، على المسؤول أن يدرك أن موقعه يفرض عليه أخلاقيات مختلفة، وأنه لا يمثل الضمير الجمعي بقدر ما يمثل إدارة الممكن، هذا الفهم المتبادل لا يلغي التناقض، لكنه يمنع تحوّله إلى صراع عقيم، فحتى المعارض والساخر هو جزء من الدولة، لا من موقع السلطة، بل من موقعه كحامل للذاكرة والضمير، وهي وظيفة لا تقل أهمية عن إدارة السياسة نفسها.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد