خطيب بدلة
لا شك في أن “الذكورية” واحدة من المشكلات، بل المصائب، التي ترهق مجتمعنا، وتجعل خروجه من معضلة التخلف صعبًا.. لا ينحصر هذا الخطر في خروج الطاقة الإنتاجية للمرأة من ميدان العمل، بل يؤدي إلى اختلال البنية الأخلاقية للمجتمع.
لنخرج من ساحة الكلام النظري، الجاف، إلى عالم الأمثلة العامرة بالحياة، والحركة، وأهمها، بل أخطرها، أن ترى نساء كثيرات، منسجمات مع هذا الواقع المختل، يقبلن به، ويؤيدنه، مع أن الذكور يزدرونهن، ويعاملونهن، غالبًا، بالزجر، أو بالضرب، أو يقوم الذكر بإضافة امرأة، أو اثنتين، إلى خانته، على مرأى منها، وفي بعض الحالات، نكاية بها.
لا تتوقف، عزيزي القارئ، طويلًا، أمام المشهد الذي تراه في ملاعب كرة القدم، حينما يغضب ألوف المتفرجين من حكم الساحة، ومع ذلك، يتركونه بحاله، ويسبون شقيقته، التي لا ناقة لها في هذه المباراة ولا جمل! دع هذا أيضًا، واذهب إلى الشعراء، الذين يمثلون، نظريًا، نخبة المجتمع، لترى كيف يعتقد واحدهم، أن أكبر إهانة يمكنه أن يوجهها لخصمه، هي أن يقول كلامًا بذيئًا بحق والدته، وهذا ما برع فيه ابن الرومي، وشعراء النقائض، جرير والأخطل والفرزدق.. وقد انتقلت هذه العدوى إلى العصر الحديث، فحينما أراد مظفر النواب أن يهجو الحكام العرب، لتخاذلهم في الدفاع عن القدس، عروس عروبتهم، قال لهم: أبناء القحبة لا أستثني منكم أحدًا.
حصل، أكثر من مرة، في أثناء الثورة، أن سخر بعض الكتاب المعارضين، من سيدات كن مؤيدات لنظام الأسد، واستخدم معارضون آخرون السباب بحق نساء حافظ الأسد، وبشار، وهذا، برأيي، يدل على ضياع البوصلة، فلدى الزعيم الذي تخاصمه، وتريد أن تهجوه، عشرات الخصال السيئة، فكيف تترك كونه قاتلًا، مجرمًا، يساهم في تخريب البلاد، وتستلم والدته، أو شقيقته، أو زوجته، التي قد تكون بريئة من أي فعل يؤذي الآخرين؟
أذكر أنني، عندما تأملت في قصيدة مظفر النواب، قلت إن بعض أمهات الحكام العرب، اللواتي خصهن بالسباب، قد تكون متوفاة، منذ زمن بعيد، وأخرى قد تكون عاقلة، حبابة، لا علاقة لها بالسياسة، فلماذا نترك الحكام أنفسهم، وكل واحد منهم لديه سجل كبير في الإجرام، ونتنمر على نسائهم؟
يمكننا أن نسحب هذا الخط على طوله، ونعترف بأن ثقافتنا المجتمعية، التي انتقلت إلى عالم السياسة، تتأصل فيها فكرة تحميل وزر شخص لأشخاص من أقاربه، حتى ولو كانوا من الرجال. السبب: أن ثقافتنا قبلية، عشائرية، عائلية، لا تحمّل الفرد مسؤولية أفعاله، وحده، لأنها تعترف باستقلاليته.. ومن تجربتي الشخصية، خلال سنوات الثورة، أن بعض أقاربي الذين استمروا بالعيش في مناطق النظام، عندما يمر أحدهم بحاجز أمني، ويسأله العنصر: شو بيقرب لك خطيب بدلة؟ كان يضطر للقول إنها قرابة بعيدة، وإنه لا يعرفني عن قرب، ويتكرر السيناريو نفسه، الآن، إذ يذهب أحد طبالي السلطة إلى أحد أقاربي، ويقول له كلامًا غير مفهوم، مثلًا: يا أخي ليش خطيب عم يحكي “هيك”؟ والله ما له حق.
وما هو هذا الـ”هيك”؟ لا أحد يعرف!
Related


