فلسفة السقوط.. حين يبتلع “الفرد” مفهوم “الدولة”
عنب بلدي -

خالد المطلق

في تاريخ السياسة والحضارات، ثمة حقيقة ثابتة لا تتغير وهي أن الدولة كائن ينمو بالمؤسسات ويموت بالأشخاص، وأن السلطة التي تُبنى حول الأفراد لا حول المؤسسة، وحول الأقوال لا الأفعال، وحول الرمز والمشهدية لا حول الشرعية، قد تستقر زمنًا بفعل القوة أو البروباغندا لكنها تظل سلطة “مؤقتة” وهشة، وفي نهاية المطاف يجد أصحابها أنفسهم عراة تمامًا أمام محكمة التاريخ الصارمة.

يكمن الفرق الجوهري بين نظام “الفرد” ونظام “المؤسسة” في مفهوم الاستمرارية والقدرة على التنبؤ، ففي نظام الفرد (سلطة الظل) تصبح الدولة “عقارًا” شخصيًا، والقوانين تُفصّل على مقاس الحاكم والقرارات تنبع من مزاجه الشخصي أو دائرة ضيقة من المحيطين به، وهنا ستكون المؤسسات ليست سوى “ديكورات” وظيفية هدفها تجميل القبح أو شرعنة الرغبات الشخصية، والخطر هنا بأن سقوط الفرد يعني بالضرورة انهيار الهيكل بالكامل لأن الدولة لم تُبنَ لتعيش دونه، أما في نظام المؤسسة (سلطة العقد) فتكون السلطة “وظيفة” لا “هبة”، والمؤسسة تعني القواعد والشفافية وتداول السلطة، وفي هذا النظام الدولة قوية لأنها لا تتأثر برحيل الأشخاص، فالماكينة تعمل وفق قوانين ثابتة والشرعية تُستمد من الإنجاز والرضا الشعبي لا من صورة الحاكم أو خطاباته.

تلجأ الأنظمة الفردية دومًا إلى “المشهدية” لتعويض غياب الشرعية الحقيقية، وعندما تعجز السلطة عن تقديم “الفعل “مثل التنمية والعدالة والحرية”، فإنها تفرط في تقديم “القول” و”الرمز” وهذا يسمى بلاغة السراب، وهنا يتحول الحاكم إلى “رمز مقدّس” لا يخطئ، وتصبح الاحتفالات والقصور والتماثيل هي الدليل الوحيد المدعى على العظمة، ويحل “الخطاب العاطفي” محل “الخطة الاستراتيجية”، لكن المشكلة في المشهدية أنها كالمخدر تحتاج إلى جرعات أكبر دائمًا لضمان المفعول، وفي اللحظة التي يواجه فيها النظام أزمة حقيقية “اقتصادية أو عسكرية” تتبخر الرموز وتظهر الدولة في حالتها البدائية مجرد أجهزة قمعية بلا روح وبلا ظهير شعبي.

وعندما نعود إلى تاريخ سقوط الأقنعة في الدول التي تعتبر المعمل الكبير الذي أثبت فشل الرهان فيها على الأفراد، ولننظر إلى نموذج لويس الرابع عشر في فرنسا الذي لخص فلسفة الفردية بقوله “أنا الدولة”، وجعل من قصر فرساي مسرحًا عالميًا لمشهدية الحكم لكنه عندما مات ترك فرنسا غارقة في الديون ومؤسساتها مشلولة، مما مهد الطريق لثورة أكلت الأخضر واليابس لأن “الدولة-الفرد” لم تترك مكانًا لـ”الدولة-المؤسسة”، أما نيكولا تشاوشيسكو في رومانيا فقد بنى “قصر الشعب” الذي يعد من أضخم مباني العالم وصورته كانت تملأ الأفق كقائد عبقري إلا أنه في عام 1989 وخلال خطابه في حشد “مؤيد” بلحظة واحدة تحولت الهتافات إلى صيحات استهجان وفي غضون أيام وجد نفسه وحيدًا بلا جيش يحميه ولا مؤسسات تدافع عنه وانتهى به الأمر أمام مفرزة إعدام ليثبت أن “المشهد” كان مجرد وهم، أما شاه إيران الذي أقام عام 1971″ احتفالية “ألفية فارس” الأسطورية ليثبت أنه وريث قوروش العظيم تجسيدًا للرمزية القصوى، وبينما كان ينفق الملايين على المشهد كانت شرعيته تتآكل في أزقة طهران، وعندما قامت الثورة غادر بـ”حفنة من تراب” ولم تشفع له كل تلك المشهدية في البقاء يومًا واحدًا إضافيًا، أما النموذج الماثل أمامنا اليوم هو حافظ الأسد الذي حول الدولة والشعب السوري إلى مزرعة يقودها بالبسطار العسكري، فصوره التي كانت تملأ الجدران، وفرض نفسه القائد الأوحد الذي يجب أن يسبح باسمه الجميع حتى أسماء الصروح الوطنية الثقافية والعلمية والتاريخية أطلق عليها اسمه او اسم أحد افراد عائلته مثل مكتبة “الأسد” ومستشفى “الأسد” ومعاهد “الأسد لتحفيظ القرآن” ومستشفى “الباسل” ومضمار “الباسل”، والشعارات التي ابتدعها لتأليه نفسه حيث كان يردد الجميع بعد ترديد الشعار الحزبي أوأي اجتماع عسكري أو مدني “قائدنا إلى الأبد الأمين حافظ الأسد”، ناهيك بإحكام قبضته على مفاصل الدولة ومؤسساتها والتحكم فيها بيد من حديد، لكن هذا كله لم ينفعه بعد أن سلّم الحكم لابنه المعتوه الذي كان سببًا رئيسًا في سقوط حكم آل الأسد إلى الأبد في مشهد سيسجله التاريخ كنموذج لحكم الفرد الدكتاتورالذي يتلاشى بسرعة البرق، وفي المقابل نجد نموذج جورج واشنطن الذي رفض “تأليه الفرد” بوضعه أسس المؤسسة وتخليه عن السلطة طواعية، وهو ما خلق دولة استمرت مئات السنين، فواشنطن لم يترك “صورًا” بل ترك “دستورًا”، لذا لم يقف يومًا عاريًا أمام التاريخ بل مكرمًا كبنّاء.

ختامًا، إن السلطة التي تفتقر للشرعية المؤسساتية هي سلطة “عارية” وإن لبست تيجان العالم، لأنها تعيش في حالة خوف دائم من “الحقيقة”، لذا تحيط نفسها بالأسوار والبروباغندا، لكن التاريخ يخبرنا أن لحظة الحقيقة آتية لا محالة، فإما أن تترك خلفك مؤسسات تحمي وطنك واسمك وإما أن تترك خلفك رمادًا وذكرى لنظام ظن أن الخطابات تبني دولًا وأن القمع يصنع ولاء، وفي نهاية المطاف يرحل الأشخاص وتصمت الأقوال وتتحطم التماثيل ولا يبقى واقفًا إلا ما بُني على أساس المؤسسة والعدل والشرعية الحقيقية، أما البقية فمصيرهم “عراء التاريخ”.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد