عنب بلدي - 2/9/2026 6:18:07 PM - GMT (+2 )
تحولت شوارع مدينة الحسكة وريفها الخاضع لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، إلى ساحات مهجورة يلفها صمت مطبق مع وصول عقارب الساعة إلى السادسة مساءً.
هذا الصمت لا يعكس حالة من السكينة، بل نتيجة حظر تجوال فرضته “قسد” وقوى الأمن الداخلي (الأسايش) التابعة لها، على خلفية التوترات العسكرية والأمنية الأخيرة في المنطقة.
ويمتد الحظر 12 ساعة يوميًا، من السادسة مساءً حتى السادسة صباحًا، ولم يقتصر أثره على تقييد حركة المدنيين، بل تحول إلى عبء يهدد حياة المرضى ويستنزف دخول الفئات الأشد فقرًا، في ظل غياب آليات واضحة للتعامل مع الحالات الإنسانية الطارئة، وارتفاع أسعار المواد الأساسية نتيجة الإغلاق المستمر وعدم استقرار خطوط التماس.
ليل الحسكة.. صراع بين المرض والحواجزيعيش أهالي الحسكة حالة قلق متواصلة مع اقتراب غروب الشمس، فالمخاوف لا تقتصر على احتمال اندلاع اشتباكات، بل تمتد إلى هاجس التعرض لحالة طبية طارئة في وقت يُمنع فيه التنقل.
مواطن من سكان حي العمران في مدينة الحسكة، قال لعنب بلدي إن ابنه أصيب الليلة الماضية بنوبة ضيق تنفس حادة، لكنه لم يتمكن من إسعافه.
“شعرت بالعجز التام، فالساعة كانت العاشرة ليلًا، والشوارع خالية تمامًا إلا من دوريات أسايش (الأمن الداخلي)”، قال المواطن، “لم نكن نعرف إن كنا سنخرج ونتعرض لإطلاق نار أو توقيف، أم ننتظر الصباح ونخاطر بحياة الطفل”.
وأضاف، “لا توجد توجيهات واضحة، فالحواجز لا تملك تعليمات محددة للتعامل مع الحالات الإسعافية. بعض العناصر يسمحون بالمرور بعد تفتيش واستجواب طويلين، بينما يرفض آخرون ذلك بشكل قاطع. نحن بحاجة إلى ممرات آمنة أو أرقام طوارئ فعالة تستجيب فورًا”.
ولا تقتصر هذه المعاناة على حالات فردية، بل تشمل مئات العائلات، ولا سيما المرضى المصابين بأمراض مزمنة، مثل الفشل الكلوي أو أمراض القلب، الذين قد يحتاجون إلى نقل عاجل إلى المستشفيات. وأسهم غياب التنسيق بين المراكز الطبية والقوى الأمنية المشرفة على الحظر في تعميق فجوة يدفع المدنيون ثمنها من صحتهم وسلامتهم.
غلاء فاحش وتجار “الأزمات”بالتوازي مع الأزمة الصحية، ألقى الحظر والتوتر العسكري بظلاله على الأسواق المحلية. فمدينة الحسكة، التي تعاني أصلًا من تراجع القدرة الشرائية، واجهت موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.
وتشتكي “أم خالد”، وهي ربة منزل من ريف الحسكة الشمالي، من الزيادة الكبيرة في أسعار الخضراوات والمواد الغذائية، قائلة لعنب بلدي:
“بمجرد إعلان الحظر وتصاعد التوتر مع قوات الحكومة، ارتفعت الأسعار فورًا. تضاعف سعر كيلو البندورة أو البطاطا خلال يومين، بحجة صعوبة وصول الشاحنات وإغلاق الطرق”.
وترى “أم خالد” أن غياب الرقابة التموينية من قبل “الإدارة الذاتية” أتاح لبعض التجار استغلال الظروف الراهنة، عبر تكديس البضائع ورفع أسعارها. وأضافت أن الإغلاق المبكر للمحال عند السادسة مساءً قلّص فرص التسوق، ورفع الضغط على الأسواق صباحًا، ما زاد الطلب ومنح التجار مبررًا إضافيًا لرفع الأسعار.
سياق التوتر.. خطوط تماس غير مستقرةتأتي هذه الإجراءات الأمنية في ظل واقع ميداني معقد تشهده محافظة الحسكة، إذ أدت الاشتباكات الأخيرة بين “قسد” وقوات الحكومة السورية، والتي توقفت قرب المدينة، إلى حالة استنفار أمني واسع، وسط تحركات عسكرية متبادلة على خطوط التماس.
ويأتي ذلك رغم الإعلان عن اتفاق في 30 من كانون الثاني بين الحكومة السورية و“قسد”، إلا أن الاضطراب الأمني دفع الأخيرة إلى فرض الحظر كإجراء احترازي لمنع أي اختراقات محتملة، بينما بدأ تطبيق بنود الاتفاق.
هذه الإجراءات، رغم دوافعها الأمنية، انعكست سلبًا على حياة الأهالي اليومية، إذ أدى الإغلاق المستمر للطرق والمنافذ التجارية إلى تعطل سلاسل التوريد، ما أثر مباشرة على توفر السلع الأساسية وأسعارها.
غياب “خطة طوارئ” إنسانيةيرى الحقوقي “ن.ص” من الحسكة، أن المشكلة لا تكمن في حظر التجوال بحد ذاته، بل في “عشوائية تطبيقه”.
وأوضح أن المناطق التي تفرض إجراءات مماثلة تعتمد عادة استثناء الأطقم الطبية، وتوفر سيارات إسعاف، وتحدد مسارات واضحة للحالات الحرجة.
لكن في الحسكة، طغى الهاجس الأمني على الاعتبارات الإنسانية، بحسب الحقوقي، إذ يفتقر الأهالي إلى تصاريح تنقل ليلية أو قنوات تواصل فعالة مع الحواجز المنتشرة في المدينة وريفها.
وأضاف أن امتداد الحظر 12 ساعة، بدءًا من السادسة مساء، يقطع الحركة الاجتماعية والتجارية في وقت لا يزال فيه كثير من العمال وأصحاب المهن في طريق عودتهم إلى منازلهم، ما يعرضهم لمضايقات أو توقيفات.
مطالب بإجراءات بديلةفي ظل هذه الأوضاع، تتزايد مطالب الأهالي في الحسكة بإعادة النظر في توقيت الحظر وآليات تطبيقه، وتشمل:
-
تأخير بدء الحظر لإتاحة هامش أوسع للحركة التجارية.
-
إصدار تعليمات واضحة للحواجز لتسهيل مرور الحالات الطبية الطارئة.
-
تفعيل الرقابة التموينية للحد من استغلال التجار وارتفاع الأسعار.
-
تأمين خطوط طوارئ تعمل على مدار الساعة لخدمة المدنيين في الحالات الحرجة.
وكانت الحكومة السورية و“قسد” قد أعلنتا، في 30 من كانون الثاني الماضي، التوصل إلى اتفاق يهدف إلى خفض التصعيد وتنظيم الجوانب الأمنية والإدارية في محافظة الحسكة، إلا أن الأوضاع الميدانية ما زالت تشهد توترًا متقطعًا في بعض المناطق.
Related
إقرأ المزيد


