بسبب سيطرة “قسد” على المياه.. عطش يفتك بأرياف الحسكة
عنب بلدي -

لم تكن التغيرات الميدانية الأخيرة في محافظة الحسكة، التي أفضت إلى سيطرة الحكومة السورية على مساحات واسعة من ريفيها الشرقي والجنوبي، مجرد تبديل في السيطرة فحسب، بل حملت معها فصلاً جديداً وقاسياً من معاناة السكان مع “سلاح العطش”.

وبينما انحسر وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) نحو مركزي مدينتي الحسكة والقامشلي وجزء من أريافهما، وجد آلاف المدنيين في الأرياف البعيدة أنفسهم في مواجهة جفاف خانق، بعدما تقطعت بهم سبل الوصول إلى مصادر المياه التي بقيت، في مفارقة خدمية وجغرافية، تحت سيطرة “قسد”.
هذا الواقع الجديد، أدى إلى تفاقم أزمة مياه الشرب إلى مستويات غير مسبوقة، إذ بات تأمين “ليتر” واحد من الماء الصالح للشرب معركة يومية يخوضها سكان القرى والبلدات في الريف الشرقي الممتد نحو الحدود العراقية، والريف الجنوبي الواصل إلى حدود دير الزور.

خرائط السيطرة تحاصر “المناهل”

عقب المعارك الأخيرة، شهدت الخارطة العسكرية في الحسكة تحولاً جذرياً، إذ بسطت القوات الحكومية سيطرتها على قرى وبلدات شاسعة كانت لسنوات تحت إدارة “الإدارة الذاتية”.

ومع تراجع “قسد” إلى الجيوب المدنية الكبرى، بقيت معظم “المناهل” والآبار الارتوازية الكبرى التي تم تجهيزها خلال العقد الأخير بمعدات ضخ وتصفية حديثة، تقع ضمن مناطق نفوذ “قسد” أو على خطوط التماس المباشرة.
هذا الانقسام الجغرافي حال دون وصول صهاريج المياه التابعة للمؤسسات الحكومية أو الخاصة إلى تلك المناهل، ما حرم الريفين الشرقي والجنوبي من مصادر تغذيتهما الرئيسية.

وبحسب مصادر محلية، فإن الكثير من الآبار الصالحة للشرب التي نُصبت عليها محطات تعبئة (مناهل) بقيت خلف الخطوط الجديدة، ما جعل القرى الواقعة تحت سيطرة الحكومة تعتمد على آبار سطحية ذات ملوحة عالية أو مياه غير معالجة يتم جلبها من مسافات بعيدة بأسعار باهظة.
في السياق، ساهمت وزارة الدفاع السورية بخطوة محدودة، حيث زودت محطة تل أذان في ناحية تل براك بالوقود، ما أمّن عودتها للعمل، وأسهم في استئناف ضخّ المياه للمناهل، فيما تعمل الصهاريج الخاصة على نقل المياه وبيعها في الريف الشرقي للحسكة، امتداداً من بلدة الهول ووصولا إلى بلدة تل حميس.

إلا أن هذا التحرك يعد نقطة في بحر الاحتياج للمياه الذي يعاني منه الريف.

“علوك”.. الجرح النازف منذ سنوات

لا يمكن قراءة أزمة مياه الأرياف بمعزل عن الكارثة الكبرى التي تضرب مدينة الحسكة وضواحيها وتل تمر، والمتمثلة في توقف محطة “علوك” الواقعة في ريف رأس العين.

ومنذ سنوات، تعاني هذه المحطة، التي تعد المصدر الوحيد لنحو مليون إنسان، من انقطاعات متكررة وطويلة نتيجة الخلافات السياسية والعسكرية حول تزويدها بالكهرباء من مناطق “قسد” مقابل ضخ المياه.

الانقطاع المزمن، دفع بسكان المدن والبلدات القريبة للاعتماد الكلي على الصهاريج والآبار المحلية، ما زاد الضغط على الموارد المائية المتاحة في المحافظة بشكل عام.

ومع خسارة الأرياف الجنوبية والشرقية للوصول إلى مناهلها الخاصة بعد تبدل السيطرة، أصبح المشهد المائي في الحسكة عبارة عن بقع جغرافية معزولة ينهشها العطش، دون وجود حلول جذرية تلوح في الأفق.

جولات دولية لتقييم الضرر

في ظل هذا المشهد القاتم، تحاول المنظمات الدولية جس نبض الاحتياجات في المناطق التي باتت الوصول إليها ممكناً بعد استقرار الخطوط العسكرية.

وفي هذا السياق، أجرت بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، مؤخراً، جولة ميدانية إلى قرية “مسعدة” جنوب مدينة اليعربية في الريف الشرقي.

استهدفت الزيارة إجراء كشف فني على الآبار الارتوازية في القرية، والاطلاع على حالتها التشغيلية، وتقييم مدى قدرتها على سد رمق السكان.

ورصدت البعثة المعوقات التي تواجه قطاع المياه في تلك المنطقة، خاصة في القرى التي تعتمد كلياً على الآبار لتلبية احتياجاتها اليومية.

وتأتي هذه الخطوات لمحاولة دعم استدامة الموارد المائية المتبقية وتحسين البنية التحتية المتهالكة نتيجة سنوات الحرب والإهمال.

شهادات من قلب العطش

في ريف الحسكة الشرقي، يصف المواطن “أحمد جاسم” (55 عاماً) الوضع بقوله: “كنا نظن أن انتهاء المعارك سيجلب لنا الراحة، لكننا وجدنا أنفسنا أمام عدو أخطر وهو العطش.

“المناهل التي كنا نتزود منها تبعد عنا بضعة كيلومترات لكنها الآن خلف حواجز (قسد)، والصهاريج لا تستطيع العبور” يقول جاسم، مضيفًا: “نشتري خزان الماء الصغير بمبالغ تفوق قدرتنا، وغالباً ما تكون المياه مالحة وغير صالحة إلا للغسيل”.

أما في الريف الجنوبي، فتقول “سعدة خلف”، وهي نازحة عادت إلى قريتها مؤخراً: “الأطفال يصابون بأمراض معوية باستمرار بسبب شرب مياه الآبار السطحية الملوثة. ننتظر المنظمات لعلها تصلح بئراً أو تضع لنا محطة تصفية، فالحكومة لا تملك الإمكانيات حالياً، وقسد تمنع وصول المياه من المناطق التي تسيطر عليها”.

“تسييس” الموارد المائية

المشكلة تتجاوز نقص الأمطار أو جفاف الآبار، و”ما نراه اليوم هو تفتيت للبنية التحتية المائية بناءً على خرائط عسكرية. محطات الضخ والمناهل صُممت لتعمل كشبكة متصلة، وفصلها بين قوى مسيطرة مختلفة يعني توقفها عن العمل فعلياً”، حسب قول المهندس “أكرم العلي”، وهو خبير في الموارد المائية بريف الحسكة.

واضاف لعنب بلدي أن المشكلة في الريفين الشرقي والجنوبي تكمن في أن الآبار الارتوازية العميقة والمنظمة تتركز في مناطق جغرافية محددة، وبعد انسحاب “قسد” منها وبقائها في محيطها، “تحولت هذه الآبار إلى أداة ضغط سياسي وميداني”.

وتابع: “الحل لا يمكن أن يكون عبر مسكنات وتوزيع صهاريج من قبل المنظمات، بل يحتاج إلى اتفاقات لتحييد ملف المياه عن الصراع العسكري، وضمان وصول السكان في كافة مناطق السيطرة إلى المناهل دون عوائق”.

يبقى سكان أرياف الحسكة ضحية لواقع معقد، فمن جهة يواجهون تداعيات خروج محطة “علوك” عن الخدمة، ومن جهة أخرى يقعون ضحية لترسيم الحدود العسكرية الجديدة التي عزلتهم عن آبارهم. ومع استمرار تعثر الحلول السياسية بين الأطراف المتصارعة، تظل المبادرات الفردية والزيارات التقييمية للمنظمات الدولية هي الأمل الوحيد المتبقي للسكان، بانتظار مشاريع قد تعيد الحياة إلى عروق قرى الحسكة التي أضناها العطش.

Related



إقرأ المزيد