تقرير حقوقي يحلل ظاهرة “الفروغ” بالعقارات التجارية في سوريا
عنب بلدي -

أصدرت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” اليوم، الثلاثاء 17 شباط، تقريرًا يتناول ظاهرة “الفروغ” في المحال والعقارات التجارية.

وأوضحت “الشبكة” أن الظاهرة تمثل نتيجة مباشرة لاختلال بنيوي في قوانين الإيجار الاستثنائية في سوريا منذ منتصف القرن الـ20، ولا سيما نظام التمديد الحكمي الذي جرّد المالك عمليًا من حق الاستعمال والاستغلال والتصرف، وحوّل عقد الإيجار إلى علاقة شبه دائمة ببدلات متدنية.

وحذر التقرير من أي معالجة متسرّعة قد تفضي إلى ظلم جديد بحق من دفعوا “فروغًا” مرتفعة اعتمادًا على استقرار قانوني سابق.

وأكد ضرورة إدماج القضية ضمن سياسة وطنية شاملة لحقوق السكن والملكية، تقوم على الاعتراف بوظيفة “الفروغ” التعويضية، واعتماد آليات مرنة للإثبات، وتحقيق التوازن دون إحداث صدمة قانونية أو اقتصادية.

وأشارت “الشبكة” إلى أنها اعتمدت منهجية مركّبة جمعت بين تحليل قانوني شامل لتشريعات الإيجار السورية منذ عام 1943، وعمل ميداني تشاوري شمل مقابلات مع تجار وشاغلين في عدة محافظات، مدعومًا ببيانات حقوقية ورصد إعلامي ومقارنة قانونية.

خصوصية المتاجر وموضع “الفروغ” في التشريع

أوضح التقرير خصوصية المتاجر في القانون السوري وعدم جواز مساواتها بسائر العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي، نظرًا لطبيعتها القانونية والاقتصادية المميزة.

وبيّن أن المتجر، وفق قانون التجارة، يعرف ككيان مستقل عن العقار يضم عناصر مادية ومعنوية، في مقدمتها حق الاستئجار والسمعة التجارية والزبائن، وقد تتجاوز قيمته الاقتصادية قيمة العقار ذاته.

ورغم إدخال تنظيم موسّع للمتجر في قانون التجارة رقم “33” لعام 2007 وإنشاء سجل للمتاجر، قالت “الشبكة”، إن تأخر التعليمات التنفيذية وضعف التطبيق حالا دون ترسيخ الفكرة عمليًا، ما أدى إلى استمرار الخلط بين ملكية المتجر والقيود الضريبية.

استنتاجات عامة

خلص التقرير إلى أن أصل إشكالية الفروغ يعود إلى منظومة الإيجارات الاستثنائية، ولا سيما التمديد الحكمي، الذي نشأ كتدبير مؤقت ثم تحوّل إلى قاعدة دائمة قيّدت حرية التعاقد وأضعفت حقوق المالك، ما أفضى إلى نشوء “الفروغ” كآلية تعويضية فرضها خلل تشريعي تتحمّل الدولة مسؤوليته.

ونوه التقرير إلى أن المعالجة السليمة تؤكد ضرورة اعتماد مبدأ التناسب عبر موازنة حقوق المالك مع حماية المستأجر الذي دفع “فروغًا” أو بنى استثماراته على الإيجار الدائم، وذلك من خلال حلول تدريجية مرنة تراعي اختلاف الحالات ووسائل الإثبات، وتتجنب المعالجات الموحدة الصارمة التي تنتج ظلمًا جديدًا واضطرابًا اقتصاديًا.

وأشارت “الشبكة” إلى أن قضية “الفروغ” تندرج ضمن المسار الأوسع لحقوق السكن والأرض والملكية، بما يقتضي ردّ الحق أو التعويض العادل دون تحميل الأفراد كلفة ثانية.

وأوضحت أنَّ مراجعة التشريعات، رغم أهميتها، تبقى غير كافية ما لم تقترن بضمانات سيادة القانون والمشاركة والشفافية، وبمقاربة منسجمة مع المعايير الدولية لجبر الضرر وضمان عدم التكرار.

توصيات

اقترحت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” عددًا من التوصيات الموجّهة إلى مختلف أصحاب المصلحة بما يخص مسألة “الفروغ” في المحال والعقارات التجارية شملت:

ـ  إقرار قانون خاص من قبل المجلس التشريعي لمعالجة آثار الإيجارات ذات التمديد الحكمي والمتاجر الخاضعة لـ”الفروغ”.

ـ توسيع التمثيل داخل اللجنة المكلفة بدراسة عقود الإيجار، ليشمل ممثلي غرف التجارة، وممثلي المالكين، وممثلي المستأجرين أو ورثتهم، وخبراء السكن والأرض والملكية، مع نشر محاضر الجلسات وملخصات المداولات بصورة دورية التزامًا بالشفافية.

ـ تبني تفسير حقوقي لمبدأ حماية الثقة المشروعة عند النظر في الدعاوى من قبل القضاء، واعتبار أن استمرار العلاقة الإيجارية لعقود مع تداول المتجر، قرينة على وجود مقابل اقتصادي لا يجوز إهداره دفعة واحدة.

ـ مواءمة السجلات الضريبية مع سجل المتاجر والسجل العقاري، بحيث لا تبقى البيانات الضريبية المصدر الوحيد أو الرئيس لإثبات الملكية الاقتصادية للمتجر.

ـ إنشاء لجان مصالحات متخصّصة بملف “الفروغ” من قبل غرف التجارة والصناعة تعمل بآلية الوساطة السابقة على التقاضي، وتستند إلى جداول أسعار متّفق عليها في كل سوق بحسب خصوصيته وموقعه التاريخي.

ـ امتناع المالكين عن اتخاذ إجراءات إخلاء أحادية أو طرق أبواب القضاء بصورة متسرّعة استنادًا إلى شائعات إلغاء الفروغ، وانتظار صدور الإطار القانوني النهائي أو التعاميم الوزارية المنظمة.

– توثيق المستأجر أي مبالغ دُفعت أو ستُدفع، ولو بوسائل بسيطة مثل الشهود أو إقرار خطي من المالك أو تحويل مصرفي، لتقديمها لاحقًا أمام اللجنة أو أمام القضاء.

ـ تأسيس هيئة وطنية مستقلة من قبل الحكومة، لردّ المساكن والممتلكات وفضّ المنازعات العقارية، على أن تُدمج فيها ملفات الإيجارات القديمة و”الفروغ” والمزادات على أملاك المهجّرين والحجوزات الإدارية، وتُنظر فيها بمرجعية قانونية واحدة تمنع تضارب المعالجات القطاعية.

ـ دعم المنظمات الدولية والشركاء الأمميين للجهات الحكومية السورية في إعداد قاعدة بيانات وطنية عن الإيجارات القديمة و”الفروغ” وتمويل المسوحات الميدانية، باعتبار أن نقص البيانات أحد أسباب اللجوء إلى حلول تشريعية عاجلة وغير متوازنة.

لجنة لدراسة الصكوك العقارية

أعلنت وزارة العدل السورية تشكيل لجنة لدراسة الصكوك العقارية والتعليمات النافذة المتعلقة بعقود الإيجار، في 12 من حزيران 2025.

وترأس اللجنة رئيس محكمة النقض، القاضي أنس منصور السليمان، وتضمّنت سبعة أعضاء، منهم أربعة قضاة هم: محمد حاج حسن ومحمد جمال الدين الخطيب وعمار العاني وحسام شويكي.

كما تضمّنت اللجنة، أحمد سندة ممثلًا عن وزارة الإدارة المحلية والبيئة، ورئيس دائرة عقود الإيجارات في محافظة دمشق، محمد عقيد، وعضو مجلس نقابة المحاماة المركزي عبد العزيز بكري.

وأوكلت وزارة العدل إلى اللجنة دراسة الصكوك التشريعية والتعليمات النافذة المتعلقة بعقود الإيجار ذات التمديد الحكمي، سواء كانت العقارات مملوكة للأفراد أو للدولة، مؤجرة للأفراد أم للدولة.

وتتولى اللجنة تقديم مقترحات لحل الإشكاليات المرتبطة بالتمديد الحكمي للإيجار، مستندةً إلى طبيعة عقد الإيجار والأحكام التي تنظم العلاقة بين الأطراف، بما يضمن “تحقيق العدالة” بين أطراف العلاقة الإيجارية.

واشترطت الوزارة على اللجنة أن تنجز مهامها خلال شهر من تاريخ صدور القرار، ومنحتها حق الاستعانة بمن تراه مناسبًا من خارج اللجنة.

واحتج عدد من التجار في مدينتي حلب ودمشق على إعلان وزارة العدل حينها، معبرين عن مخاوفهم من تغييرات قانونية قد تمس عقودًا قديمة جرت بموجب فروغ أو هبة، أو تلزمهم بدفع بدلات رجعية لا تتناسب مع إمكانياتهم، فيما رأى أصحاب العقارات الخاضعة للتمديد الحكمي إمكانية أن تنصفهم اللجنة في رفع قيمة بدل الاستثمار السنوي.

تجار دمشق وحلب يحتجون على تشكيل لجنة “الفروغ”

Related



إقرأ المزيد