وزيرا الداخلية والعدل ينتهكان القانون.. النيابة في سبات
عنب بلدي -

عبد القادر العبيد

في المراحل الانتقالية التي تعقب النزاعات المسلحة، لا تُقاس شرعية السلطة الجديدة بقدرتها على ضبط الأمن فحسب، بل بمدى التزامها الصارم بقواعد العدالة الجنائية وسيادة القانون. فالعدالة في هذا السياق ليست ترفًا مؤسسيًا ولا بندًا مؤجلًا في جدول الأولويات، بل هي أداة تأسيس للاستقرار ومنع الانزلاق نحو الثأر الخاص والعنف المجتمعي. ومن هذا المنطلق، فإن الإفراج عن مشتبه بهم بارتكاب جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة بذريعة غياب الادعاء الشخصي لا يُعد خطأ إجرائيًا محدود الأثر، بل يكشف عن خلل عميق في التكييف القانوني، وفي فهم طبيعة الجريمة الجسيمة وحدود الاختصاص، ويضع وزارتي الداخلية والعدل أمام مسؤولية قانونية مباشرة، في وقت تبدو فيه النيابة العامة في حالة جمود تثير القلق المهني.

القاعدة المستقرة في النظرية الجنائية الحديثة تميز بوضوح بين الجرائم ذات الطابع الشخصي، التي قد يشترط القانون لتحريك الدعوى فيها شكوى من المتضرر، وبين الجرائم التي تمس النظام العام وتعتدي على السلم الاجتماعي. هذا التمييز ليس شكليًا، بل بنيوي. جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة والجرائم واسعة النطاق تندرج ضمن الفئة الثانية. فهي بطبيعتها اعتداء على المجتمع ككل، وعلى القيم الإنسانية الأساسية، ولا يجوز تعليق ملاحقتها على إرادة الأفراد. الدعوى في هذه الجرائم تتحرك بحكم القانون، لا بحكم الطلب. لذلك فإن ربط الملاحقة بوجود ادعاء شخصي في هذا السياق يمثل خطأ في التكييف قبل أن يكون خطأ في التطبيق.

ولتقريب المسألة من المنطق القانوني البسيط، إذا ضبطت جهة الضبط العدلي فاعلًا في جريمة اعتيادية واعترف وسمّى شريكًا له، فإن واجب السلطة لا يتوقف عند حدود المعترف، ولا يجوز قانونًا ترك الشريك طليقًا بحجة عدم وجود مدعٍ شخصي بحقه. تتحرك الملاحقة هنا بصورة تلقائية حماية للنظام العام. فإذا كان هذا المبدأ مستقرًا في الجرائم العادية، فإن تطبيقه في الجرائم الجسيمة يصبح أكثر إلزامًا، لا أقل. أما إطلاق مشتبهين بارتكاب جرائم خطيرة بذريعة شكلية، فهو انحراف عن المنطق القانوني السليم، ويستدعي مساءلة الجهة التنفيذية المختصة عن أساس قرارها.

هذا الانحراف يقود إلى نتيجة أكثر خطورة، إذ يتحول القرار من تنفيذ قاعدة قانونية آمرة إلى اجتهاد إداري في غير نطاقه. وهنا تتحدد المسؤولية المباشرة لوزيري الداخلية والعدل بوصفهما مرجعيتين في رسم السياسة التنفيذية والإجرائية. صلاحيات الوزيرين، مهما اتسعت، تبقى مقيدة بمبدأ المشروعية. لا يجوز استعمال السلطة التقديرية لتعطيل واجب الملاحقة في الجرائم الجسيمة، ولا إحلال التقدير الإداري محل التقييم القضائي. الإفراج في مثل هذه الحالات لا يكون مجرد إجراء قابل للنقاش، بل مخالفة لالتزام قانوني إيجابي يفرض متابعة الاتهام حتى يصدر الحكم القضائي المختص.

الأكثر إشكالية هو تبرير الإفراج تحت عنوان حماية السلم الأهلي أو تجنب التوتر المجتمعي. هذا التبرير يقوم على قلب لوظيفة العدالة. الدولة الحديثة احتكرت العقاب المشروع تحديدًا لمنع العدالة الفردية والانتقام الخاص. وعندما تتراجع عن هذا الدور في الجرائم الكبرى، فإنها تفتح المجال لعودة منطق الثأر خارج إطار القانون. الإفراج غير المؤسس قانونيًا عن متهمين بجرائم جسيمة لا يهدئ المجتمع، بل يزعزع ثقته بالمؤسسات، ويرسل رسالة خطيرة مفادها أن المساءلة قابلة للتعطيل بقرار إداري. وهذه الرسالة كفيلة بتغذية دوافع الانتقام وتقويض الاستقرار.

الاستناد إلى مفهوم المصلحة العليا لتبرير وقف الملاحقة لا يصمد أمام الفحص القانوني. المصلحة العليا تُعرّف داخل إطار القواعد القانونية، لا خارجها. ولا يجوز توظيفها لتبرير تعطيل قواعد آمرة تتعلق بالجرائم الخطيرة. المصلحة العامة الحقيقية تتحقق بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء، لا بإخراج بعض الفئات من نطاق المساءلة.

في هذا المشهد، تبرز النيابة العامة بوصفها الحلقة الأكثر إثارة للانتباه. فهي صاحبة الاختصاص الأصيل في تحريك الدعوى العامة، ولا يقتصر دورها على الاستجابة للشكاوى، بل يمتد إلى المبادرة كلما توافرت دلائل أولية أو معلومات موثوقة أو أنماط انتهاك متكررة. في الجرائم الجسيمة، وظيفة النيابة مبادرة لا انتظارية. جمودها أو إحجامها عن التحرك في هذا النوع من الملفات لا يمكن اعتباره حيادًا مؤسسيًا، بل يُعد تعطيلًا لوظيفة جوهرية في منظومة العدالة الجنائية.

لا يمكن أيضًا تجاهل البعد البنيوي المتعلق بالبنية المعرفية القانونية في سوريا. الإشكالية هنا ليست فردية بل هيكلية. قطاع واسع من التكوين القانوني التقليدي ما زال يستند إلى مناهج وتشريعات قديمة تعود إلى النصف الأول من القرن الماضي. ورغم قيمتها التاريخية، فإنها لا تكفي للتعامل مع الجرائم الجماعية المركبة، ولا مع قواعد المسؤولية عن الانتهاكات واسعة النطاق، ولا مع تقنيات الإثبات الحديثة في هذا المجال. نتيجة ذلك أن عددًا كبيرًا من القانونيين غير مؤهلين، بحكم تكوينهم الأصلي، لتقديم مشورة متخصصة في ملفات الجرائم الدولية دون تدريب وتأهيل إضافي عميق.

من هنا تبرز ضرورة إسناد القرار في هذا النوع من الملفات إلى مستشارين متخصصين في الجرائم الجسيمة والقانون الجنائي الدولي داخل دوائر صنع القرار في وزارتي الداخلية والعدل. الاستشارة المتخصصة هنا ليست ترفًا أكاديميًا، بل شرط لصحة القرار. غيابها يفسر الوقوع في أخطاء جسيمة في التكييف والتطبيق.

المبدأ الذي لا يقبل المساومة أن القانون الجنائي لا يعترف بالتصنيفات الطائفية أو القومية. المسؤولية الجنائية شخصية وفردية. لا تنتقل بالانتماء ولا تسقط به. محاسبة عدد كبير من الجناة المنتمين إلى جماعة واحدة ليست ظلمًا، بل تطبيق لمبدأ شخصية المسؤولية. وفي المقابل، فإن الإفراج عن مرتكب جريمة جسيمة ثابتة المعالم يمثل إخلالًا بالعدالة أيًا كان انتماؤه.

إن التساهل في الجرائم الجسيمة لا يبني سلمًا أهليًا، بل يؤسس لاضطراب مؤجل. الطريق المهني واضح. تكييف قانوني صحيح. احترام لاختصاص القضاء. نيابة فاعلة. وتأهيل معرفي حديث. ما دون ذلك يبقي العدالة معطلة، ويجعل القول بأن النيابة في سبات توصيفًا دقيقًا لا مبالغة فيه.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد