“قسد” لا تزال تحت تأثير الفكر الشيوعي
عنب بلدي -

مرح حوري

شهدت سوريا خلال عقود سابقة حالة من ضعف الثقة بين شريحة واسعة من المواطنين والسلطة الحاكمة. كثير من السوريين كانوا يرون أن إدارة الدولة لم تكن قائمة على مبدأ المساواة الكاملة بين المواطنين، بل تأثرت بالانتماءات الضيقة وشبكات الولاء. ورغم وجود مسؤولين من خلفيات مختلفة، بقي الاعتقاد سائدًا بأن النفوذ الحقيقي كان محصورًا في دائرة محددة. هذا الإحساس، سواء اتفق الجميع معه أم لا، ترك أثرًا عميقًا في نظرة الناس لمفهوم المواطنة والعدالة.

عندما يشعر المواطن أن الفرص لا توزع بشكل متساو، وأن الوصول إلى القرار أو الحماية أو الموارد مرتبط بالهوية، فإن ذلك يضعف فكرة الدولة الجامعة. القانون في أي دولة حديثة يفترض أن يعامل الأفراد على أساس صفتهم كمواطنين، لا على أساس انتماءاتهم. ولهذا فإن أي تجربة سابقة شعر فيها الناس بوجود تمييز تصبح مثالًا يُستحضر عند تقييم أي تجربة جديدة.

في المرحلة الأخيرة ظهرت إدارات محلية وقوى أمر واقع في عدة مناطق سورية. من بينها الجهة المعروفة باسم “قسد”، والتي تراجع نطاق سيطرتها وبات يتركز في أجزاء من محافظة الحسكة ومدينة القامشلي وبعض التجمعات الكردية. هذه الجهة تطرح حاليًا فكرة إدارة محلية ضمن إطار الدولة، مع صلاحيات خاصة بتلك المناطق. هنا بدأ نقاش قانوني وسياسي مهم: هل منح وضع إداري خاص لمنطقة أو مكون معين ينسجم مع مبدأ المساواة بين المواطنين أم لا؟

من حيث المبدأ، الإدارة المحلية ليست مخالفة للقانون أو لفكرة الدولة. كثير من الدول تعتمد نظام اللامركزية. هذا النظام يمنح صلاحيات أوسع للمناطق في إدارة شؤونها الخدمية والتنظيمية. لكن الشرط الأساسي لسلامة هذا النموذج هو أن يكون معيار التطبيق عامًا ومتاحًا لكل المناطق وفق ضوابط موحدة. أي أن الحق في الإدارة المحلية يجب أن يقوم على أسس إدارية وسكانية وخدمية، لا على أساس الانتماء القومي أو العرقي.

المشكلة تظهر عندما يُفهم الحكم المحلي كامتياز خاص لمكون واحد دون غيره. عندها يتحول من أداة تنظيم إداري إلى موضوع تمييز قانوني. إذا حصلت مجموعة محددة على صلاحيات لا يمكن لبقية المناطق المطالبة بها وفق نفس القواعد، فإن ذلك يخلق تفاوتًا في المركز القانوني بين المواطنين. وهذا يتعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون.

من جهة أخرى، لا يمكن إنكار أن بعض المكونات في سوريا تعرضت لسياسات قاسية في مراحل سابقة، وأن لها مطالب مشروعة تتعلق باللغة والثقافة والتمثيل المحلي. معالجة هذه القضايا مطلوبة قانونيًا وأخلاقيًا. لكن طريقة المعالجة يجب أن تكون عبر توسيع الحقوق للجميع، لا عبر إنشاء وضع خاص دائم لفئة واحدة. الحل القانوني السليم هو النص على حقوق ثقافية وإدارية عامة، يستفيد منها كل من تنطبق عليه الشروط، بغض النظر عن هويته.

هناك نقطة مهمة في النقاش العام، وهي الخلط بين الحقوق والامتيازات. الحق هو ما يمكن تعميمه وتبريره لكل مواطن في وضع مماثل. أما الامتياز فهو ما يُمنح لفئة محددة دون معيار عام. في بناء الدول، الحقوق تقوي الوحدة، بينما الامتيازات تفتح باب النزاع. لذلك تميل الدساتير الحديثة إلى استخدام عبارات عامة وشاملة، وتبتعد عن النصوص التي تعطي أفضلية دائمة لجماعة بعينها.

كما أن المواطنة ليست مجموعة حقوق فقط. هي أيضًا التزامات. من يطالب بصلاحيات أوسع لإدارة منطقته يجب أن يقبل في المقابل برقابة قانونية ومالية واضحة، وبقواعد شفافة في إدارة الموارد، وبضمان عدم التمييز داخل منطقته نفسها. لا يكفي طلب الصلاحيات، بل يجب أيضًا قبول الضوابط. هذا مبدأ أساسي في القانون.

التجارب على الأرض أظهرت أيضًا أن تقييم أي إدارة لا يكون بالشعارات فقط، بل بمستوى الخدمات. عندما تضعف الخدمات وتكثر الشكاوى من الفساد وسوء الإدارة، تتراجع الثقة الشعبية مهما كان الخطاب السياسي جذابًا. لذلك فإن أي طرح للإدارة المحلية يجب أن يرافقه برنامج واضح لتحسين الواقع الخدمي، وخطط معلنة للمحاسبة.

النقاش السوري اليوم يحتاج إلى لغة قانونية هادئة. لا يفيد وصف أي طرف بصفات قاسية، ولا يفيد أيضًا تجاهل مخاوف الناس. المطلوب هو طرح أسئلة واضحة: هل المقترح قابل للتعميم؟ هل يقوم على نص قانوني عام؟ هل يحفظ المساواة بين المواطنين؟ إذا كانت الإجابة نعم، يمكن مناقشته وتطويره. إذا كانت لا، فيجب تعديله.

الطريق الأكثر أمانًا لسوريا مستقبلًا هو بناء نظام يساوي بين المواطنين في المركز القانوني، مع الاعتراف بالتنوع الثقافي والإداري. لا مواطن درجة أولى ولا درجة ثانية. بل مواطن واحد، له نفس الحقوق وعليه نفس الواجبات. أي صيغة تقترب من هذا المبدأ تستحق الدراسة. وأي صيغة تبتعد عنه تحتاج إلى مراجعة.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد