السويداء.. سيكولوجيا المناطق المغلقة
عنب بلدي -

أحمد عسيلي

خلال الأسبوع الماضي، جرى تبادل أسرى بين السلطة في دمشق وسلطة الشيخ حكمت الهجري في السويداء، جاءت هذه الخطوة بعد عدة أيام من انشقاق الأمير حسن الأطرش، وفي لحظة أخذ فيها المسار مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) شكلًا تفاوضيًا تصالحيًا يرضي الطرفين (باستثناء بعض معارضي الخارج)، كل ذلك أعاد السويداء إلى الواجهة، لا كمدينة تحتج فقط، بل ككيان سياسي يتشكل على نحو متسارع، وهنا تحديدًا تبرز المسؤولية الأخلاقية والفكرية: هل نحن أمام تجربة ثورية تسعى إلى صون كرامة أهلها، أم أمام بداية تشكل سلطة مغلقة قد تنتهي، دون قصد، إلى نموذج قاسٍ على أبنائها؟

هذا ليس سؤالًا عبثيًا أو سياسيًا، بل نطرحه من بوابة ذاكرتنا التاريخية وما تراكم لدينا من معارف في علم النفس السياسي والاجتماعي، ولأعترف أيضًا أن فيه جانبًا شخصيًا، فأنا أسكن في باريس، في حي ذي أغلبية سريلانكية، جميع المحال والمطاعم والمقاهي تقريبًا تعلق صورة قائد اسمه برابهاكاران، زعيم نمور التاميل، هذا القائد الكاريزمي، المصنف إرهابيًا حسب الاتحاد الأوربي لما ارتكبه من مجازر بحق أهله و أعدائه معًا، وعلى بعد نحو كيلومترين من هذا الحي، في ساحة الجمهورية الشهيرة، تُنظَّم بشكل شبه أسبوعي مظاهرات لمؤيدين أكراد يرفعون صور عبد الله أوجلان، لا أستحضر هذين المثالين لمساءلة مشاعر الشتات، ولا للتقليل من عدالة القضايا التي انطلقت منها تلك الحركات، بل لأنه لطالما كانت قصة ومسار هذين القائدين مصدر دراسة وبحث لي كطبيب نفسي عايش ويعيش التجربة السورية، ورأيت عن قرب كيف يمكن للقضايا المحقة أن تتحول مع الزمن إلى جحيم يحترق بها الضحايا أولًا.

في الحالتين (تاميل سريلانكا وأكراد تركيا) بدأت الحكاية بشعور جمعي بالاضطهاد، بتهديد وجودي حقيقي أو مُدرَك، وبحاجة إلى حماية الهوية والكرامة، في مثل هذه الظروف، تبيّن معظم الدراسات أن الجماعات تميل إلى التماسك الشديد، وإلى تقليص الخلافات الداخلية، والبحث عن قيادة قوية تختزل الإرادة العامة في شخص أو تنظيم، الخطر الخارجي يجعل الوحدة قيمة عليا، ويحوّل النقد الداخلي إلى شبهة، ومع الزمن، قد يتحول التمثيل إلى احتكار، والحماية إلى وصاية تامة.

التجربة السورية نفسها تقدّم شواهد عديدة، لا حاجة لذكر أسماء أو تفاصيل حساسة ما زالت عالقة في ذاكرتنا كسوريين، يكفي أن نتذكر كيف تحولت بعض “المناطق المحررة” مع الزمن إلى فضاءات ينخرها الفساد، والمحسوبيات، واقتتال الفصائل، وكيف صار أبناء البيئة ذاتها أول المتضررين، حتى الحالة الأكثر تطرفًا في منطقتنا، وهي تنظيم “داعش”، قدّمت نفسها بالبدايات كمدافع عن شريحة شعرت بالتهميش، ثم تحوّل التنظيم إلى آلة قمع كان أول ضحاياها من ادعى تمثيلهم، هنا لا يعود السؤال سياسيًا فقط، بل يتعلق بالبنية النفسية نفسها: كيف يتحول الشعور بالتهديد إلى ذريعة لإلغاء التعدد، وكيف تنتقل الجماعة من مقاومة السلطة إلى إعادة إنتاج سلطة جديدة أكثر قساوة؟

السويداء اليوم ظروفها العامة تكاد تتطابق مع شمال سريلانكا، مسارها يشبه ما حدث في جبل قنديل، وقريب نوعًا ما مع ما رأيناه في بعض مناطق المحرر، لكنها إلى اليوم تقف عند منعطف خطير جدًا، استمرار حالة الانغلاق، مهما كانت مبرراتها، يحمل في داخله احتمال تَشكُّل مركز قرار غير خاضع لمساءلة كافية، وتنامي نفوذ شبكات مصلحية تتغذى من الوضع الاستثنائي، خلال الأشهر الماضية شهدنا بالفعل تجاوزات خطيرة هنا وهناك، قد تبدو محدودة الآن، لكنها في بيئة مغلقة تميل إلى التعمق لا إلى الانحسار.

الخروج من هذا المسار لا يعني التراجع، ولا التخلي عن أشكال النضال المشروعة، بل يعني إدراك أن أفضل حماية لروح المدينة، يتحقق في الاندماج الكامل مع مجتمعها ومحيطها، مع الإصرار على إصلاحها وتحسين شروطها، فهذا أقل خطرًا بكثير من التحول إلى كيان شبه مستقل يعيش على منطق الحصار الدائم، فالتاريخ القريب، والبعيد، وجميع الدراسات الاجتماعية والنفسية، تعلّمنا أن المناطق التي تُغلق طويلًا باسم الحماية، قد تستيقظ يومًا لتجد أن السيف الذي رُفع دفاعًا عنها بات معلقًا فوق رقاب أبنائها.

لهذا تبدو الأولوية اليوم واضحة: إنهاء أي شكل من أشكال الحصار، سواء المفروض من سلطة شيخها الهجري أو من سلطة دمشق، وإعادة وصل المدينة بمحيطها الوطني، وإعطاء الحريات المدنية المكانة الأولى في أي ترتيب داخلي، فاستمرار الوضع الراهن، مهما بدا قابلًا للإدارة، يحمل في طياته خطرًا صامتًا يتعاظم مع الوقت، والتحذير هنا ليس موقفًا سياسيًا، بل قراءة نفسية محايدة، تستند إلى تجارب إنسانية كثيرة تقول ببساطة: الجرح إذا لم يتحول إلى عقد اجتماعي مفتوح، قد يتحول إلى سلطة مغلقة، والسلطة المغلقة نادرًا ما ترحم أبناءها.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد