عنب بلدي - 3/1/2026 6:52:22 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – الحسكة
أعلنت مؤسسة بريد الحسكة بدء تسليم رواتب المتقاعدين في مركز بريد ناحية العريشة، اعتبارًا من الأحد 22 من شباط، داعية المستفيدين إلى الحضور الشخصي لتسلم مستحقاتهم من مقر البلدة الواقعة جنوبي مدينة الحسكة بنحو 25 كيلومترًا، في خطوة تأتي في سياق التغيرات الإدارية التي شهدتها المحافظة خلال الأشهر الأخيرة.
وبحسب الإعلان، فإن عملية الصرف حُصرت في مركز العريشة، ما يعني انتقال آلاف المتقاعدين من مدن الحسكة والقامشلي ومناطق أخرى إلى الريف الجنوبي لتسلم رواتبهم، في ظل استمرار إغلاق الدوائر الحكومية داخل المدن التي لا تزال تخضع لسيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وأبرزها الحسكة والقامشلي.
حضور شخصي ويومان في الأسبوعيأتي قرار تحويل صرف الرواتب إلى ناحية العريشة بعد مرحلة انتقالية شهدت نقل عملية التسليم بين عدة نقاط داخل وخارج المحافظة، فمنذ سقوط النظام وتسلم “قسد” المربعات الأمنية في الحسكة والقامشلي، في 8 من كانون الأول 2024، اضطر المتقاعدون إلى التوجه نحو دير الزور لتسلم رواتبهم من فروع البريد هناك، ما شكّل عبئًا ماديًا وجسديًا عليهم.
لاحقًا، جرى اعتماد آلية تحويل الرواتب عبر تطبيق “شام كاش”، ليتمكن المتقاعد من تسلم مستحقاته من مراكز “الهرم” و”الفؤاد” داخل الحسكة، إلا أن هذه المراكز شهدت ازدحامًا شديدًا، بحسب إفادات متقاعدين، مع شكاوى متكررة من بطء الإجراءات ونقص السيولة أحيانًا.
ومع التطورات الأخيرة، وسيطرة الجيش السوري على مساحات من ريفي الحسكة الشرقي والجنوبي، وانحسار وجود “قسد” داخل مدن المحافظة، أعلنت مؤسسة البريد نقل عملية الصرف إلى مركز بريد العريشة، في خطوة قالت إنها تهدف إلى تنظيم العملية وضمان وصول الرواتب إلى مستحقيها.
غير أن القرار أثار موجة استياء بين المتقاعدين وأهاليهم، لا سيما مع اشتراط الحضور الشخصي، وحصر الصرف بيومي الأحد والاثنين، وما ترتب على ذلك من ازدحام كبير في محيط المركز.
وفاة متقاعد خلال توجهه لتسلم راتبهتزامن بدء صرف الرواتب في العريشة مع حادثة وفاة أثارت صدمة في أوساط الأهالي، إذ توفي المواطن عبد العيسى، في أثناء توجهه إلى البلدة لتسلم راتبه التقاعدي، إثر تعرضه لنوبة قلبية، وفق ما أفادت به مصادر محلية.
وأشارت المصادر إلى أن المتقاعد كان قد قطع مسافة طويلة للوصول إلى مركز الصرف، في ظل ازدحام شديد وفوضى تنظيمية، ما زاد من الضغوط الجسدية والنفسية على كبار السن المنتظرين لساعات.
الحادثة أعادت إلى الواجهة مطالبات متكررة بإيجاد آلية أكثر أمانًا ومرونة لصرف الرواتب، تراعي أوضاع المتقاعدين الصحية وقدرتهم المحدودة على التنقل لمسافات طويلة، خصوصًا في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
طرق التفافية وأجور مرتفعةيعاني المتقاعدون من صعوبات إضافية تتعلق بالوصول إلى ناحية العريشة، نتيجة إغلاق المدخل الجنوبي لمدينة الحسكة، ما يضطر وسائل النقل الجماعي (السرافيس) إلى سلوك طرق ترابية التفافية تمتد من شرق المدينة نحو جنوبها.
وقال حميد الداوود (67 عامًا)، وهو متقاعد من مدينة الحسكة، إنه اضطر لدفع 70 ألف ليرة سورية أجرة لـ”السرفيس” ذهابًا وإيابًا، مشيرًا إلى أن بعض السائقين تقاضوا مبالغ وصلت إلى 100 ألف ليرة في ظل الإقبال الكبير.
وأضاف حميد لعنب بلدي، “راتبي التقاعدي بالكاد يكفيني لأيام قليلة، وعندما أدفع هذا المبلغ للمواصلات أشعر أنني أتسلم الراتب لأعيده إلى الطريق. نحن كبار في السن، والرحلة متعبة وخطرة”.
من جهته، قال أحمد نجم (72 عامًا) من ريف القامشلي، إنه خرج من منزله قبل ساعات الفجر ليضمن مكانًا في وسيلة نقل، ووصل إلى العريشة بعد أكثر من أربع ساعات بسبب الطرق الوعرة والازدحام. وأضاف، “وقفنا ساعات في الطابور، وبعض الناس عادوا دون تسلم رواتبهم بسبب نفاد السيولة”.
وأشار إلى أن حصر الصرف بيومين فقط خلق حالة من الفوضى والضغط غير المبرر، مطالبًا بتمديد أيام التسليم أو إعادة فتح مراكز داخل المدن.
مواطنون يشعرون بالمهانةلا تقتصر معاناة المتقاعدين على المشقة الجسدية أو الأعباء المالية، بل تمتد، بحسب تعبير عدد منهم، إلى ما وصفوه بـ”المساس بالكرامة”.
فوزية حمد (65 عامًا)، أرملة متقاعد، قالت إنها اضطرت لمرافقة ابنها لها بسبب وضعها الصحي، ما ضاعف تكاليف الرحلة. وأضافت، “نقف في الطوابير في البرد، ننتظر لساعات، ثم يقال لنا عودوا غدًا. أليس من حقنا أن نتسلم رواتبنا بكرامة؟”.
وتابعت أن كبار السن يحتاجون إلى معاملة خاصة، سواء عبر تخصيص أيام لهم، أو إرسال لجان جوالة إلى الأحياء، أو تفعيل التحويلات المصرفية المباشرة، بدل إجبارهم على التنقل إلى الريف.
ويؤكد الأهالي أن الأزمة لم تعد مالية فحسب، بل تحولت إلى مسألة تتعلق بحق المتقاعدين في الوصول الآمن والمنظم إلى مستحقاتهم، دون تعريض حياتهم للخطر.
مطالب بحلول جذريةيطالب المتقاعدون الحكومة السورية بإيجاد حلول جذرية تضمن تسلم الرواتب في أماكن السكن، سواء عبر إعادة فتح فروع البريد داخل المدن، أو التنسيق لفتح ممرات آمنة، أو اعتماد آليات دفع إلكترونية أكثر مرونة.
ويرى متقاعدون أن تجربة التحويل عبر “شام كاش” يمكن تطويرها، بحيث يتمكن المستفيد من السحب من نقاط متعددة داخل مدينته، بدل حصر الصرف في مركز واحد أو اثنين.
كما اقترح آخرون تخصيص أيام لكل حي أو منطقة، لتخفيف الازدحام، أو تمديد فترة الصرف لأسبوع كامل بدل يومين، بما يتيح توزيع الأعداد وتجنب الفوضى.
يوسف حسين (70 عامًا) قال إن الحكومة مطالبة بمراعاة أوضاع كبار السن، مضيفًا، “خدمنا الدولة عشرات السنين، واليوم نريد فقط أن نتسلم راتبنا دون إذلال أو مخاطرة. الحلول موجودة إذا توفرت الإرادة”.
سياق إداري وأمني معقدتأتي أزمة صرف الرواتب في الحسكة ضمن سياق إداري وأمني معقد تعيشه المحافظة منذ أواخر عام 2024، وازداد مع تغيّر خرائط السيطرة بين القوات الحكومية و”قسد”، وما سبق ذلك من إغلاق عدد من المؤسسات الرسمية.
وأدى هذا الواقع إلى اضطرار آلاف الموظفين والمتقاعدين إلى التنقل بين مناطق مختلفة لإنجاز معاملاتهم أو تسلم مستحقاتهم، وسط تحديات تتعلق بالمواصلات والأمن والتكاليف.
وفي حين تؤكد الجهات المعنية أن نقل الصرف إلى العريشة يأتي في إطار إعادة تنظيم العمل وضمان وصول الرواتب، يرى متقاعدون أن الخطوة يجب أن تترافق مع إجراءات تخفف الأعباء عنهم، لا أن تزيدها.
بين التنظيم والمعاناةيقول متقاعدون إنهم يتفهمون صعوبة الظروف الراهنة، لكنهم يشددون على أن أي تنظيم إداري يجب أن يراعي الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسها كبار السن.
وفاة عبد العيسى تمثل جرس إنذار يستدعي مراجعة آلية الصرف الحالية، خصوصًا في ظل تكرار الشكاوى من الازدحام ونقص السيولة وارتفاع تكاليف النقل.
وفي انتظار حلول عملية، يواصل المتقاعدون رحلتهم الشهرية إلى العريشة، حاملين آمالهم بالحصول على رواتبهم دون تأجيل، ومطالبين بآلية تضمن لهم حقهم في تسلم مستحقاتهم داخل مدنهم بكرامة وأمان.
Related
إقرأ المزيد


