رواية “الهجران” للكاتب السوري سومر شحادة، تقدم سردية إنسانية تنشغل بأثر الفقد الطويل، بوصفه حالة مستمرة تعيد تشكيل حياة الأفراد وعلاقتهم بأنفسهم وبالعالم من حولهم.
تدور أحداث الرواية في اللاذقية، المدينة التي تظهر كفضاء ثقيل بالذكريات والتحولات، حيث لا يبدو الحاضر منفصلًا عن الماضي، بل امتدادًا له.
تتحرك الرواية بين زمنين متوازيين، يلتقيان في الأثر ولا يلتقيان في الحدث، ففي الزمن الأول، يُعتقل الأب ويُقتل على خلفية معارضته السياسية، في واقعة تترك أثرًا يتجاوز نهايتها الزمنية.
أما الزمن الثاني فينفتح على حياة الابن، “زياد”، بعد سنوات طويلة، حيث يحاول أن يعيش حياة تبدو عادية، لكنها مشروطة بغياب لم تتراجع حدته، وهنا لا يظهر الماضي كذكرى بعيدة، بل كقوة خفية تستمر في تشكيل الحاضر، وتنعكس على علاقات الابن وخياراته ونظرته إلى نفسه.
في هذا السياق، تتقاطع حياة “زياد” مع “جوري”، التي تحمل بدورها تعقيدات شخصية وعائلية، في علاقة تبدو كأنها محاولة مشتركة لفهم ما تعذّر فهمه سابقًا، ومع عودة “عادل”، الفنان الذي يغيب ثم يعود، تتسع شبكة العلاقات لتكشف هشاشة الروابط الإنسانية حين تتعرض لاختبارات الغياب الطويل.
ولا تقدم هذه العلاقات خلاصًا واضحًا، بل تظل معلقة بين الرغبة في البدء من جديد والعجز عن التحرر الكامل من أثر الماضي.
كما أن الهجران لا يظهر في الرواية بوصفه غيابًا جسديًا فقط، بل كحالة وجودية أوسع، تستهدف الإحساس بالاستقرار والانتماء، وتمتد إلى علاقة الشخصيات بذواتها، ليصبح الغياب جزءًا من تعريف الذات، وتتحول الحياة اليومية إلى محاولة مستمرة للتكيّف مع هذا النقص غير المرئي.
في هذا الإطار، تكتسب المدينة حضورًا يتجاوز دور المكان، لتغدو شاهدة على التحولات، ومرآة لما تبقى من حياة بعد أن تتغير معانيها.
يطرح شحادة الحب كاحتمال لمواجهة هذا الفراغ، لكن دون أن يكون حلًا نهائيًا له، فالعلاقات التي تنشأ بين الشخصيات تبدو أقرب إلى محاولة لتخفيف ثقل الذاكرة، أو لإيجاد معنى يمكن التمسك به، أكثر من كونها نهاية مستقرة لمسار الألم، فالحب هنا لا يمحو الفقد، لكنه يمنح الشخصيات قدرة مؤقتة على الاستمرار.
يعتمد الكاتب لغة تميل إلى الغوص في الذات الإنسانية، حيث تتقدّم الحالة النفسية على الحدث، وتروى التحولات الكبرى من خلال أثرها الشخصي، وبهذا السياق، تبدو الرواية أقرب إلى تأمل طويل في أثر الغياب، وكيف يمكن لحدث واحد أن يستمر في تشكيل حياة كاملة.
الروائي سومر شحادة، من مدينة اللاذقية، ولد عام 1989، وبرز اسمه في المشهد الأدبي مع صدور روايته الأولى “حقول الذرة”، التي نالت جائزة “الطيب صالح” العالمية للإبداع الكتابي عام 2016.
ولاحقًا، عزز حضوره الروائي عبر روايته “الهجران”، التي حازت جائزة “نجيب محفوظ” للرواية العربية عام 2021.
كما صدرت له عن دار “الكرمة” روايتا “منازل الأمس” عام 2023، و”الآن بدأت حياتي” عام 2024.
Related


