عنب بلدي - 3/1/2026 10:46:05 PM - GMT (+2 )
وسيم العدوي | ركان الخضر | محمد جفال
تواجه سوريا اليوم أزمة حادة في موارد الطاقة، التي تشكّل عصب الاقتصاد الوطني، وتنعكس بشكل مباشر في قدرة الدولة السورية على تأمين الخدمات الأساسية، من الكهرباء والمياه والنقل، إلى تشغيل المصانع والمنشآت العامة.
ورغم التحسن النسبي في واقع التغذية الكهربائية خلال الأشهر الماضية، فإن رفع أسعار الكهرباء إلى مستويات تفوق قدرة معظم المواطنين، قياسًا بمستوى الدخل، أثار موجة من التساؤلات عن جدوى استعادة السيطرة على حقول النفط، وإنتاج هذه الحقول، والدور الحكومي في استخراج هذه المخزونات من النفط لتشغيل محطات توليد الطاقة الكهربائية، ومن سيتحمّل فاتورة عقود الاستثمار النفطية.
وقبل عام 2011، كان النفط أحد أبرز أعمدة الاقتصاد السوري، ومصدرًا رئيسًا للعملات الأجنبية، أما اليوم، وبعد أكثر من عقد من الحرب، تقف سوريا أمام واقع مختلف تمامًا يتمثل بإنتاج متراجع، وبنية تحتية متقادمة، وفجوة واسعة بين الاستهلاك والإنتاج، وملف استثمارات لا يزال في طور التشكّل.
ومع انتهاء الحرب، واستعادة الدولة معظم الحقول، والاتفاق مع “قسد”، تبدو استعادة مستويات الإنتاج السابقة مسألة دونها تحديات كبيرة، يتصدرها التقادم الفني لآبار النفط والغاز، والبنية التحتية التالفة التي تعوق دخول استثمارات أجنبية وتطوير التكنولوجيا المطلوبة.
ولم تكن أهمية النفط محصورة بالعائدات المباشرة، بل شملت تمويل الموازنة العامة، ودعم المحروقات والكهرباء، ودعم الليرة السورية عبر رفد المصرف المركزي بالقطع الأجنبي، وتمويل مشاريع البنية التحتية.
في هذا الملف، تناقش عنب بلدي أرقام النفط والغاز السوري قبل 2011 وخلال الحرب وبعد استعادة الدولة حقول النفط، وتبحث في أثر تراجع الإنتاج على الاقتصاد، وفاتورة الاستيراد، وأهم الحقول وحجم إنتاجها، والشركات المحلية والأجنبية العاملة أو المهتمة بالاستثمار، إضافة إلى التحديات التقنية والمالية والسياسية التي تحيط بمستقبل هذا القطاع.
مع اندلاع الحرب في سوريا، وخروج معظم الحقول عن سيطرة الحكومة بين عامي 2012 و2013، بدأ إنتاج الحقول النفطية التي تتركز في شمال شرقي سوريا بالتراجع الحاد، وترافق بوجود جهات مختلفة مسيطرة، منها “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، مع ضعف اهتمام بتأهيل وصيانة المعدات، وعدم وجود عمليات استكشاف، مع خضوع البلاد لعقوبات صارمة، أهمها قانون “قيصر”.
وتقدّر الاحتياطيات النفطية المؤكدة لسوريا بنحو 2.5 مليار برميل ما يضعها في المركز 32 عالميًا بين أكبر الدول في احتياطيات النفط، وذلك حسب بيانات منصة الطاقة.
تجمع حقول تشرين النفطية بريف محافظة الحسكة شرقي سوريا – 21 كانون الثاني 2025 (عنب بلدي/مروان المضحي)
تغيب الأرقام الدقيقة عن كمية إنتاج حقول النفط في سوريا، نتيجة غياب الشفافية عن هذا القطاع الذي أحاطت به السرية طوال العقود الماضية على اختلاف الأطراف التي سيطرت عليه من نظام الأسد وصولًا إلى “قسد”، وتضارب تصريحات المسؤولين السوريين حاليًا.
وتبيّن أغلب التقارير الاقتصادية، ومنها بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ومزود المعلومات والبيانات والتحليلات لأسواق الطاقة التي تشمل النفط والغاز “ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس” أن إنتاج النفط في سوريا كان يبلغ 385 ألف برميل يوميًا قبل اندلاع الثورة السورية في عام 2011، تستهلك السوق المحلية 200 ألف منها، بينما تتجه الكمية المتبقية للتصدير.
وأشار المحلل الاقتصادي والسياسي في شؤون الشرق الأوسط، الأكاديمي محمد الفتيح، في حديث إلى عنب بلدي، إلى أن تصريحات مسؤولي قطاع النفط في عهد النظام السابق كانت تذكر رقم 80 ألف برميل يوميًا من النفط، إلا أن هذا الرقم كان يشمل إنتاج مناطق شمال شرقي سوريا التي كانت تسيطر عليها “قسد”، في حين لم تكن بقية المناطق تنتج سوى ما بين 5000 و10000 برميل يوميًا.
أهم الحقول وحجم إنتاجها قبل 2011الإنتاج منذ بدء الحرب حتى الآن“رميلان” بالحسكة: 116 ألف برميل يوميًا.
“السويدية”: 116 ألف برميل يوميًا.
“العمر” في دير الزور: 80 ألف برميل يوميًا.
“التنك”: 40 ألف برميل يوميًا من النفط الخفيف نسبيًا.
“الورد” و”التيم”، خمسة آلاف برميل يوميًا (انخفض تصنيفهما من حقول إلى محطات بسبب النضوب).
حقل “كونيكو” للغاز في دير الزور: 13 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يوميًا.
“الشاعر” حوالي سبعة ملايين متر مكعب من الغاز يوميًا.
حقل “جحار” في بادية تدمر: ثلاثة ملايين متر مكعب في اليوم.
حقل “سعيدة” بالحسكة: ما بين سبعة آلاف وعشرة آلاف برميل يوميًا.
حقل “تشرين” بالحسكة: ما بين ألفين وأربعة آلاف برميل يوميًا.
حقل “قونة”: ما بين أربعة آلاف وستة آلاف برميل يوميًا.
الحقول الكبرى: انهيار في الطاقة الإنتاجيةحقل “رميلان”: كان ينتج 116 ألف برميل يوميًا، لكنه تراجع إلى 10–20 ألف برميل فقط، إلا أن مدير الحقول لدى “قسد”، أحمد إبراهيم، ذكر أن الإنتاج في هذا الحقل انخفض من 110 آلاف إلى 70–80 ألف برميل بسبب “الظروف الطارئة”، ما يعكس تضاربًا كبيرًا في الأرقام.
حقل “السويدية”: تراجع من 116 ألف برميل إلى سبعة آلاف برميل يوميًا.
حقل “العمر”: انخفض من 80 ألف برميل إلى 20 ألف برميل يوميًا.
حقل “التنك”: تراجع من 40 ألف برميل إلى نحو ألف برميل فقط.
حقلا “الورد” و”التيم”: انخفض إنتاج “الورد” إلى خمسة آلاف برميل، و”التيم” إلى 2500 برميل يوميًا.
حقل “كونيكو” للغاز: توقف بالكامل عن الإنتاج بعد أن كان ينتج 13 مليون متر مكعب يوميًا قبل 2011.
حقلا “الشاعر” و”جحار”: تراجع الإنتاج فيهما بسبب الأعمال العسكرية، مع غياب أرقام دقيقة حول الوضع الحالي.
حقل “سعيدة”: بعد 2013 انخفض الإنتاج إلى ما بين ألفين وثلاثة آلاف برميل يوميًا، مع تهالك الآبار وغياب تقنيات الرفع الاصطناعي.
حقل “تشرين”: تراجع إلى مستوى ألف إلى 1500 برميل يوميًا بسبب الأعطال الميكانيكية ونقص قطع الغيار.
حقل “قونة”: بين 2016 و2025 انخفض الإنتاج إلى 1500–2500 برميل يوميًا، مع تشغيل محدود للآبار والاعتماد على “حراقات” بدائية لتكرير جزء من الإنتاج.
وفقًا لبيانات “ستاندرد آند بورز غلوبال كوموديتي إنسايتس”، وبيانات وإحصاءات “الإدارة الذاتية” أو مصادر إعلامية مقربة منها، تم تسجيل تراجع حاد في الإنتاج تحت سيطرة “قسد” منذ عامي 2012–2013.
ومع توسع سيطرة “قسد” على معظم حقول النفط والغاز شرق الفرات، بدأ الإنتاج بالانخفاض تدريجيًا قبل أن يتراجع إلى مستويات غير مسبوقة، وتشير البيانات المتاحة إلى أن التراجع تجاوز 80% مقارنة بما قبل الحرب، وسط غياب صيانة حقيقية واعتماد أساليب تشغيل بدائية.
الحكومة الحالية تزيد “الضبابية”في كانون الثاني الماضي، صرح وزير الطاقة السوري، محمد البشير، لإحدى القنوات التلفزيونية، أن إنتاج سوريا يبلغ نحو 100 ألف برميل يوميًا، موضحًا أن إنتاج مناطق شمال شرقي سوريا يتراوح بين 80 و110 آلاف برميل، بينما لا تنتج المناطق الواقعة تحت سيطرة الدولة سوى 15 ألف برميل.
لكن في منتصف شباط من العام نفسه، قال الوزير البشير في مؤتمر صحفي، إن سوريا لا تنتج سوى ربع حاجتها البالغة 150 ألف برميل يوميًا، أي ما يقارب 40 ألف برميل يوميًا، ما يعكس تضاربًا واضحًا في الأرقام الرسمية.
وبحسب ما قاله المحلل الاقتصادي محمد الفتيح، لعنب بلدي، فإنه حتى في حال صحة الرقم الأعلى (100 ألف برميل يوميًا)، فإن الإنتاج لن يغطي سوى ثلثي الاستهلاك الحالي المقدّر بنحو 120 ألف برميل يوميًا، وسيستمر بالتراجع طبيعيًا مع تقادم الآبار وارتفاع الطلب.
بينما يؤكد الأكاديمي السوري زياد عربش، أن أرقام الإنتاج قبل 2011 وخلال الحرب كانت محصورة بدائرة ضيقة، ما جعل الضبابية سمة أساسية للقطاع، وهو ذاته ما يشير إليه الفتيح بأن “قسد” لم تكن تعلن أرقامًا دقيقة، وأن التصريحات الحكومية الأخيرة زادت الغموض.
تناقض تصريحات وزير الطاقة السوري ناتج عن نقص المعلومات الدقيقة، وتعقيدات السيطرة على الحقول، إضافة إلى حساسية ملف النفط تاريخيًا.
زياد عربش
خبير أكاديمي سوري
ويرى الفتيح أن تناقض تصريحات وزير الطاقة السوري ناتج عن نقص المعلومات الدقيقة، وتعقيدات السيطرة على الحقول، إضافة إلى حساسية ملف النفط تاريخيًا، إذ تجنّب المسؤولون الاعتراف بتراجع الإنتاج منذ مطلع الألفية، واستشهد بتصريحات سابقة لوزير النفط عام 2004 بأن النفط سينضب بحلول 2020، ولرئيس الوزراء بأن سوريا ستصبح مستوردًا للنفط في 2015، قبل تراجعهما عنها.
لا ردود من وزارة الطاقةغرفة عمليات لاستمرار الإنتاج النفطيعنب بلدي تواصلت مع مدير العلاقات والإعلام في وزارة الطاقة، عبد الحميد سلات، وتوجهت إليه بعدد من الأسئلة والاستفسارات حول حقول النفط التي تم تسلّمها من قبل الوزارة في منطقة شمال شرقي سوريا، وما إذا كان هناك حقول لم يتم تسلمها، وما الأسباب، وخطة تطوير الإنتاج ومضاعفته، وواقع الحقول وكمية الإنتاج الحالي فيها، وكم يغطي الإنتاج من حاجة السوق المحلية السورية.
مدير دائرة الإعلام في وزارة الطاقة سلات، اعتذر عن عدم الإجابة عن التساؤلات المشار إليها، وطلب من الجريدة التواصل مع الشركة السورية للبترول (التابعة لإدارة النفط والثروة المعدنية في وزارة الطاقة)، ولكن الشركة أيضًا لم تجب عن أي من الأسئلة والاستفسارات.
أعلنت الحكومة السورية، في 5 من شباط الماضي، البدء رسميًا بإجراءات تسلّم أكبر حقلي نفط في شمال شرقي سوريا، وهما “رميلان” و”السويدية” في محافظة الحسكة، كجزء من اتفاق مع “قسد” يقضي بإعادة الموارد إلى سيطرة الدولة المركزية.
وبدأت الحكومة السورية خطوات عملية لتقييم واقع هذه المنشآت النفطية بهدف الاطلاع على الجاهزية الفنية لأكبر الحقول، وذلك في إطار تنفيذ اتفاق نهاية كانون الثاني الماضي مع “قسد”، ووصل ممثلون فنيون عن الشركة السورية للبترول إلى حقول “رميلان” في الحسكة كجولة استكشافية، تهدف إلى تقييم وضع الحقول النفطية والمنشآت الحيوية في المنطقة.
كما أجرت الشركة السورية للبترول جولة في وقت سابق من كانون الثاني الماضي على حقل “العمر” في محافظة دير الزور، وأعلنت تسلّم حقلي “الرصافة” و”صفيان” ومجمع “الثورة” النفطي الاستراتيجي، مع إطلاق غرفة عمليات طارئة لضمان استمرار الإنتاج وحماية البنية التحتية.
وتفقد فريق فني من وزارة الطاقة السورية، في كانون الثاني الماضي، الواقع الفني لحقول “التنك” ومحطاته، و”الجيدو” و”المالح” و”الأزرق” و”الغلبان”، إضافة إلى حقل “العمر” والمنشآت المرتبطة به بهدف تحديد متطلبات إعادة التأهيل.
المدى الزمني لتأهيل الحقولتكشف المعاينات الأولية للشركة السورية للبترول أن الحقول المستعادة تعاني تراجعًا كبيرًا وأضرارًا واسعة في البنية التحتية نتيجة التشغيل غير المنهجي.
وقال مدير إدارة تنظيم الحقول، موسى الجبارة، في بيان نشرته وزارة الطاقة السورية في شباط الماضي، إن إعادة الحقول إلى وضعها الطبيعي قد تتطلب ثلاث سنوات، داعيًا إلى غرفة طوارئ لتسريع العمل، بينما أكدت وزارة الطاقة تفعيل غرفة عمليات طارئة لمتابعة تسلّم المواقع وتنسيق الجهود الميدانية بين الفرق الفنية، لضمان استمرارية العمل.
التأهيل قد يستغرق سنة إلى سنتين لتحسين الإنتاج بنسبة 50–60%، بينما العودة إلى مستويات ما قبل الحرب تحتاج إلى أربع سنوات مع دخول شركات عالمية مثل “شل” و”شيفرون”.
فراس شعبو
خبير اقتصادي سوري
ويرى الخبير الاقتصادي فراس شعبو، في حديث إلى عنب بلدي، أن التأهيل قد يستغرق سنة إلى سنتين لتحسين الإنتاج بنسبة 50–60%، بينما العودة إلى مستويات ما قبل الحرب تحتاج إلى أربع سنوات مع دخول شركات عالمية مثل “شل” و”شيفرون”.
الصعوبات التي تعترض التأهيلذكر شعبو عدة تحديات رئيسة تتمثل في:
- نقص التمويل اللازم لصيانة الآبار.
- تضرر البنية التحتية من محطات الضخ والأنابيب.
- الحاجة إلى تقنيات حديثة لا تملكها الحكومة.
- استمرار المخاطر الأمنية في بعض المناطق.
وأضاف الخبير الاقتصادي أيمن الدسوقي، في حديث إلى عنب بلدي، صعوبات أخرى مثل:
- الوضع القانوني للآبار التي تمتلك شركات أجنبية حقوق استثمارها قبل 2011.
- ضعف جاذبية الاستثمار في ظل عدم الاستقرار الأمني.
- نقص الكوادر السورية المؤهلة.
- عامل الزمن، إذ يتطلب التأهيل بين عام وثلاثة أعوام.
- تكاليف مرتفعة وبيئة استثمارية ضعيفة.
وأشار الخبير شعبو إلى أن تقدير تكلفة التأهيل غير ممكن دون دراسة تفصيلية، لكن المؤكد أنها بمليارات الدولارات، وينطبق ذلك على حقول الغاز أيضًا، وأكد أن ضعف الثقة بالبيئة الاستثمارية وتراجع قيمة الليرة والسياسات المصرفية كلها عوامل تستدعي تحديثًا شاملًا لجذب الشركات العالمية.
ولكنه يرى أيضًا، أن رفع الإنتاج لتلبية حاجة السوق قد يتحقق خلال سنتين إلى ثلاث سنوات بعد التأهيل، ما يخفف فاتورة الاستيراد، بينما يؤكد الدسوقي أن غياب تقديرات دقيقة للتكلفة يعود إلى الحاجة لتقييم الأضرار والبنية التحتية وعوائد الاستثمار، لتجنب إنفاق أموال على آبار منخفضة الجدوى.
الشركات الاستثمارية قبل وبعدشهد القطاع النفطي في سوريا منذ بداياته، استثمارات من الشركة السورية للبترول وشركات عالمية، من أبرزها شركة “شل” التي تعتبر أكبر المستثمرين الأجانب، بالإضافة إلى “توتال إنيرجيز” و”غلف ساندز” البريطانيتين، و”إينا” الكرواتية و”تاف نفت” الروسية.
وتعمل حاليًا شركتان سعوديتان، وثلاث شركات تتخذ من الولايات المتحدة الأمريكية مقرًا لها، على تشكيل تحالف لاستكشاف وإنتاج النفط والغاز في شمال شرقي سوريا، حيث نقلت وكالة “رويترز” عن مصدرين مطلعين، في 10 من شباط الماضي، أن شركات “بيكر هيوز” و”هنت إنرجي” و”أرجنت” للغاز الطبيعي المسال، تعتزم إقامة مشروع للطاقة بالتعاون مع “أكوا باور” السعودية وشركة “طاقة”.
وعقد ممثلون عن معظم هذه الشركات اجتماعات في سوريا مع الشركة السورية للبترول في وقت سابق من شباط الماضي، وسيشمل المشروع، بحسب “رويترز”، أربعة إلى خمسة مواقع استكشافية في المنطقة الشمالية الشرقية، وتوقع الرئيس التنفيذي لشركة “أرجنت” للغاز الطبيعي المسال، جوناثان باس، أن يتم توقيع مذكرة تفاهم للمشروع خلال الأسابيع المقبلة.
المحلل الاقتصادي محمد الفتيح، تحدث عن أهمية دخول هذه الشركات، في حال تأكد بالفعل، في إنجاح عملية صيانة الحقول وإحياء آبار النفط، مشيرًا إلى أن سوريا بدأت منذ قرابة ثلاثة عقود بتطبيق عمليات حقن المياه المقطرة في بعض الحقول.
الاستكشاف في المياه السوريةوقعت الشركة السورية للبترول، في 4 من شباط الماضي، مذكرة تفاهم مع شركتي “شيفرون” الدولية و”باور إنترناشيونال” القابضة، لاستكشاف أول حقل نفط بحري في سوريا، بهدف فتح آفاق جديدة للاستكشاف البحري والتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، وتطوير القطاع النفطي وتعزيز أمن الطاقة الوطني، بحسب وزارة الطاقة السورية.
المكتب الإعلامي في الشركة السورية للبترول، قال لعنب بلدي حينها، إن المذكرة تتضمن قيام الشركتين الموقعتين مع الشركة السورية للبترول، بالاستكشاف والتنقيب عن حقل بحري في المياه السورية.
وفي ظل غياب أي أرقام رسمية حول الاحتياطيات السورية من النفط والغاز في البحر، أشار تقرير لمنصة “الطاقة” المتخصصة بمتابعة أسواق الطاقة، في 1 من حزيران 2025، إلى أن الاحتياطيات المثبتة القابلة للاستخراج من الغاز في سوريا تقدر بنحو 430 مليار متر مكعب.
المحلل الاقتصادي محمد الفتيح أكد عدم وجود أي تقديرات للاحتياطي المحتمل لسوريا من النفط أو الغاز في الساحل السوري، موضحًا أن تجربة لبنان مؤخرًا أظهرت أن الكميات المحتملة لا تحمل جدوى اقتصادية لاستخراجها، كما أن تجربة تركيا وقبرص الشمالية في الاستكشاف وصلت إلى نتائج مشابهة.
ونوه إلى أن الاحتياطيات المؤكدة في شرق المتوسط توجد في مثلث إسرائيل- مصر- قبرص اليونانية (قبرص الجنوبية).
أما المستشار الاقتصادي زياد عربش، فتحدث لعنب بلدي، عن أن الاستثمارات المعلنة ستسهم في زيادة الإنتاج، بما يكفي الاستهلاك المحلي تمامًا.
ويعتقد عربش أن سوريا لن تستورد إلا مشتقات قليلة لا تنتجها مصفاتا “حمص” و”بانياس” في غضون أشهر قليلة، على حد قوله.
حقول “البلوك 26″ و”Gulfsands” ومخلوفيقع “البلوك 26” في منطقة شمال شرقي سوريا، التي استعاد السيطرة عليها الجيش السوري مؤخرًا، وهي منطقة غنية بالموارد النفطية، ويغطي “البلوك” مساحة واسعة تقدر بنحو 5529 كيلومترًا مربعًا، وكان يُشغل سابقًا عبر شركة “غلف ساندز” (Gulfsands) البريطانية، ويضم مجموعة من الحقول مثل “شرق خربت” و”اليوسفية” و”الخيرات”.
الشركة البريطانية المذكورة حصلت على عقد حصري باستثمار “البلوك 26” بموجب المرسوم التشريعي رقم “43” لعام 2003، وذلك بعد دخول رجل الأعمال السوري رامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام السابق، بحصة في الشركة عبر مجموعة “صندوق المشرق”، وتوقفت عن العمل عام 2011، نتيجة العقوبات البريطانية ولاحقًا الأوروبية على النظام السوري السابق.
وسبق أن أجرى الرئيس التنفيذي لشركة “غلف ساندز”، جون بيل، مباحثات مع وزير الطاقة، محمد البشير، في آب 2025، حول إمكانية عودة عمل الشركة في مشاريع إعادة تأهيل وتطوير الحقول النفطية في سوريا، وفق ما أوردته الوكالة السورية للأنباء آنذاك.
ولمعرفة ما إذا كان سيتم توقيع عقود استكشاف مماثلة بين الشركة والحكومة السورية، وهل سيتم تعويضها عن الأضرار والخسائر التي تكبدتها بعد خروج الحقول من سيطرة الحكومة السورية منذ عام 2013 حتى تاريخه، وهل ستعود لاستخدام مراكز تجميع وضخ شركة “رميلان” الحكومية، توجهت عنب بلدي بمجموعة من الأسئلة لجون بيل عبر “لينكد إن”، ولم تتلقَّ ردًا حتى لحظة تحرير هذا الملف.
مدير في إدارة النفط والثروة المعدنية بوزارة الطاقة السورية، وافق على التحدث إلى عنب بلدي لكنه تحفظ على نشر اسمه (لأسباب إدارية)، كشف أن شركة “غلف ساندز” (التي يملك رامي مخلوف حصة فيها) هي الشريك لشركة “دجلة للبترول” (DPC) في استثمار حقول النفط بأقصى الشمال الشرقي من سوريا، لكن هاتين الشركتين لم تقلعا بالعمل مجددًا في الحقول.
ووصف المدير الرؤية لدى الحكومة السورية بشكل عام ووزارة الطاقة خاصة لقطاع النفط بـ”الضبابية”، مع محاولة الشركة السورية للبترول الانطلاق في العمل.
وقال المسؤول السوري، “لكن هذا يعتمد على إعادة الثقة بين الأهالي في مناطق الحقول والشركة، وإنجاز الهيكلية التنظيمية للشركة، واعتماد آلية عمل واضحة في التعامل مع الشركات العاملة مثل “الفرات” و”دجلة” و”دير الزور”، وتحديد ماهية الشركة الأجنبية التي ستدخل بشراكة مع الشركة السورية للبترول وكيف ستعالج أمور الشركات الدولية مثل “Gulfsands”، التي ما زالت تعتبر شريكًا لبعض الشركات مثل “إيبلا” و”دجلة” و”حيان”.
انسحاب “شل” والتكهنات والموقف الحكوميحول أسباب انسحاب شركة “شل” البريطانية، أشار المدير ذاته إلى وجود العديد من التكهنات في أوساط العاملين بالقطاع النفطي، حول كيفية قراءة خروجها من سوريا وعدم التجديد من قبلها.
وأضاف، “هل سبب ذلك أن الشركة تعلم صعوبة تحديث الآبار النفطية وزيادة الإشعاعات في التربة، وما يرافق ذلك من زيادة كبيرة في تكاليف الإنتاج، ورغبتها بالاستثمار في مواقع تعتبر “بكرًا وأكثر أمنًا”، ونظرًا لأن الكميات المتوقع استخراجها من حقولها السابقة لم تعد مجدية اقتصاديًا، في ظل إجراءات شركة “شل” الصارمة من ناحية الأمان والسلامة، كل ذلك ضمن التكهنات الدائرة بالأوساط النفطية، حسب المسؤول ذاته.
وقال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، قبلاوي، في 19 من كانون الثاني الماضي، إن شركة “شل” طلبت الانسحاب من حقل “العمر” النفطي ونقل حصتها إلى الحكومة السورية، موضحًا أن سوريا لا تزال تتفاوض مع الشركة بشأن بنود تسوية مالية تهدف إلى الحصول على الملكية الكاملة للحقل.
وفي المؤتمر الصحفي الذي عقدته الشركة السورية للبترول في حقل “العمر”، وحضرته عنب بلدي، أوضح قبلاوي أن الحقل كان يُدار سابقًا كشركة مشتركة بين الشركة السورية للبترول وشركة “شل” العالمية، مشيرًا إلى أن الأخيرة طلبت الانسحاب الكامل، وأنه يتم العمل على إنهاء تسوية مالية تمهيدًا لانتقال ملكية الحقل بالكامل إلى الدولة.
الصفحة الثالثة: (يمكن أن يكون الإنفوغراف في الصفحة الثالثة كونها أقل حجمًا)
الإنتاج السوري، حتى في أفضل التقديرات، لا يمكن أن يغطي أكثر من ثلثي الاستهلاك، وهو مرشح للتراجع مع الزمن مقابل نمو الطلب، وفق ما ذكره المحلل الاقتصادي محمد الفتيح، لعنب بلدي.
وذكّر الفتيح بأن استهلاك سوريا عام 2010، بلغ 250 ألف برميل يوميًا، ورغم أن الإنتاج كان أعلى، فإن البلاد كانت تستورد مشتقات تعادل 100 ألف برميل يوميًا بسبب ضعف التكرير.
الإنتاج السوري، حتى في أفضل التقديرات، لا يمكن أن يغطي أكثر من ثلثي الاستهلاك، وهو مرشح للتراجع مع الزمن مقابل نمو الطلب.
محمد الفتيح
محلل اقتصادي سوري
قال الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول، يوسف قبلاوي، في تصريحات صحفية في تشرين الثاني 2025، نقلتها منصة “الطاقة” المتخصصة، إن سوريا تحتاج شهريًا إلى نحو 2.5 مليون برميل من النفط الخفيف لتأمين احتياجات مصفاة “بانياس”.
وأشار إلى أن مصفاة بانياس التي استقبلت خزاناتها منحة النفط السعودية المقدّرة بـ1.65 مليون برميل تعمل حاليًا بـ95 ألف برميل يوميًا فقط بسبب تهالك أقسامها.
وكشف عن أن إجمالي طاقة المعالجة حاليًا من قبل مصفاتي “بانياس” و”حمص” يبلغ نحو 130 ألف برميل يوميًا (ما يشير إلى حجم استهلاك سوريا من النفط يوميًا).
ومع متوسط سعر عالمي للنفط يبلغ نحو 70 دولارًا للبرميل، وفي حال كانت سوريا تنتج ما يقارب 40 ألف برميل يوميًا، بحسب التصريح الثاني لوزير الطاقة، فإن العجز اليومي بالاحتياجات يصل إلى نحو 90 ألف برميل يوميًا، أي بفاتورة قد تصل إلى أكثر من ملياري دولار سنويًا.
أما إذا كانت سوريا تنتج نحو 100 ألف برميل يوميا (بحسب التصريح الأول للوزير البشير)، فقد يصل العجز السنوي الذي يجب تعويضه بالاستيراد إلى أكثر من 750 ألف دولار سنويا، وهو عبء ثقيل على اقتصاد ينهض من جديد بعد سنوات طويلة من الشلل.
ورغم أن الإنتاج قبل 2011 كان أعلى من الاستهلاك، فإن سوريا كانت تصدّر النفط الخام وتستورد مشتقات مكررة، خاصة المازوت، بما يعادل نحو 100 ألف برميل يوميًا من النفط المكافئ، نتيجة محدودية طاقة التكرير ونوعية الخام.
وهذا يعني أيضًا أن سوريا حتى في ذروة إنتاجها لم تكن مكتفية ذاتيًا بالكامل من المشتقات النفطية.
الأثر على المجتمع والاقتصاد
حذر المستشار الاقتصادي زياد عربش من احتمال ارتفاع أسعار المحروقات كما حدث في الكهرباء، في حال دخول استثمارات، موضحًا أن رفع أسعار الكهرباء، رغم وصفه بأنه غير عقلاني، رفع ساعات التغذية في دمشق إلى 22 ساعة يوميًا، لكنه أدى إلى فواتير تفوق قدرة المواطنين.
ويرى الخبير الاقتصادي السوري أن السيناريو ذاته قد يتكرر مع المحروقات إذا دخل الاستثمار الأجنبي.
وتكشف كل هذه المعطيات، أن قطاع النفط السوري يقف أمام مفترق طرق حقيقي، فبين تراجع الإنتاج، وتضارب الأرقام، وتهالك البنية التحتية، تبدو عملية إعادة الإحياء معقدة ومكلفة.
ومع ذلك، فإن دخول شركات أجنبية، إن تحقق، قد يفتح نافذة أمل لإعادة تشغيل الحقول ورفع الإنتاج، لكن ذلك سيأتي على الأرجح بتكلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة، وهنا يبقى السؤال الأهم: هل تمتلك سوريا القدرة على تحويل هذه الاستثمارات إلى فرصة حقيقية، أم أن القطاع النفطي سيبقى رهينة الظروف السياسية والاقتصادية.
دخول شركات أجنبية، إن تحقق، قد يفتح نافذة أمل لإعادة تشغيل الحقول ورفع الإنتاج، لكن ذلك سيأتي على الأرجح بتكلفة اقتصادية واجتماعية كبيرة.
زياد عربش
خبير اقتصادي سوري
إيقاف “الحراقات” وارتفاع أسعار الوقودإضافة إلى أثر ضعف موار الطاقة، وعدم وجود خطط واضحة لأسعار الكهرباء، هناك آثار أخرى على مستوى مختلف، مثل منع “الحراقات” في دير الزور ومناطق أخرى، باعتبارها كانت تؤمّن حاجة محلية، على الرغم من خطورتها، وآثارها البيئية المدمرة.
منع “الحراقات” أدى “إلى تململ شعبي واضح بين الأهالي، رغم أنها خطوة صحيحة”، بحسب المدير في إدارة النفط السورية، ولكن كان لا بد من إيجاد بدائل، إذ إن سعر ليتر المازوت كان 4000 ليرة سورية قبل التحرير، ليتفاجأ الأهالي بأنه قد أصبح بعد التحرير بالسعر الرسمي 8000 ليرة سورية، إضافة إلى تحول كل من كان يعمل بـ”الحراقات” وهم من الأغلبية إلى عاطلين عن العمل، كما أن توقف “الحراقات” أدى إلى حرق لبعض الحفر النفطية.
المسؤولون يتجنبون الاعتراف بضعف الموارد النفطية، لأن ذلك يستدعي تحركًا لا تملك الدولة خيارات واسعة لتنفيذه.
محمد الفتيح
خبير اقتصادي سوري
أوضح المحلل الاقتصادي محمد الفتيح، لعنب بلدي، أن المسؤولين يتجنبون الاعتراف بضعف الموارد النفطية، لأن ذلك يستدعي تحركًا لا تملك الدولة خيارات واسعة لتنفيذه، ويرى أن وزير الطاقة الحالي يواجه المشكلة ذاتها، في ظل غياب تصور استراتيجي للتعامل مع واقع أن النفط السوري، ما يعني احتمال عدم تغيير الوضع الاقتصادي جذريًا.
Related
إقرأ المزيد


