عنب بلدي - 3/3/2026 11:02:15 AM - GMT (+2 )
أدى تغيّر خريطة السيطرة في محافظة الحسكة، منتصف كانون الثاني الماضي، إلى تحولات عميقة في الواقع المعيشي والاقتصادي لسكان الأرياف الشرقية والجنوبية، بعد سيطرة الجيش السوري على تلك المناطق، وانحسار وجود “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) ضمن المدن الرئيسية، ولا سيما الحسكة والقامشلي وأريافهما القريبة.
ومع هذا التحول، وجد مئات العاملين في القطاعات العسكرية والأمنية والخدمية التابعة لـ“قسد” أنفسهم خارج وظائفهم، في ظل غموض يلف آليات الدمج أو التسوية الوظيفية في المناطق التي باتت تحت سيطرة الحكومة السورية، ما أطلق موجة بطالة واسعة طالت شبانًا وأرباب أسر ونساء، كانوا يعتمدون على تلك الرواتب كمصدر دخل أساسي.
وظائف مفقودة بين ليلة وضحاهافي بلدة الهول شرقي الحسكة، يقول أحمد ع (32 عامًا)، وهو عنصر سابق في إحدى المؤسسات الأمنية التابعة لـ“قسد”، إن قرار انسحاب القوات من الريف الشرقي “جاء مفاجئًا”، مضيفًا لعنب بلدي، “استيقظنا على واقع جديد. لم يعد لنا عمل، ولا نعرف إن كنا سنُستدعى للتسوية أو سنُعامل كمدنيين عاديين”.
ويضيف أحمد، وهو أب لثلاثة أطفال، أنه كان يتقاضى راتبًا شهريًا يعيل به أسرته، “اليوم أعيش على الدَّين. حاولت البحث عن عمل في البناء داخل مدينة الحسكة، لكنني لا أستطيع الدخول بسبب الحواجز والإجراءات الأمنية”.
وتشهد مدينة الحسكة، التي لا تزال تحت سيطرة “قسد”، إجراءات أمنية مشددة، تشمل تكثيف الحواجز والتدقيق على الهويات، ما يدفع كثيرين من أبناء الأرياف الخاضعة للحكومة إلى تجنب دخولها، خوفًا من المساءلة أو التوقيف.
نساء بلا موردلم تقتصر آثار البطالة على الرجال، إذ فقدت نساء كثيرات وظائفهن في مؤسسات خدمية وإدارية كانت تديرها “الإدارة الذاتية”.
في بلدة الشدادي جنوب الحسكة، تقول سعاد الخلف (41 عامًا)، وهي موظفة سابقة في إحدى الدوائر الخدمية، إنها كانت تعمل منذ خمس سنوات في قسم إداري، “كنا نتقاضى رواتبنا بانتظام نسبيًا، ومع أن المبلغ لم يكن كبيرًا، لكنه كان يكفينا لتأمين الأساسيات”.
وتتابع سعاد، وهي أم لأربعة أبناء، “منذ سيطرة الجيش السوري على البلدة، لم نتلقَّ أي توضيح بشأن مستقبلنا الوظيفي. راجعنا الجهات المعنية أكثر من مرة، لكن لا يوجد جواب حاسم”.
وتوضح أن زوجها يعمل في الزراعة، لكن المواسم الأخيرة لم تكن جيدة، ما جعل دخل الأسرة غير مستقر، “كنت أساعد في تغطية مصاريف المدرسة والطبابة. الآن عدنا إلى نقطة الصفر”.
حواجز وإغلاق.. عزل اقتصادييشير سكان من ريفي الحسكة الشرقي والجنوبي إلى أن سيطرة “قسد” على المدن الرئيسية، مع الإغلاق المتكرر لبعض الطرقات، خلق نوعًا من “العزل الاقتصادي” بين الريف والمدينة.
يقول محمود الناصر (27 عامًا) من ريف تل براك الشرقي، إنه حاول العمل في ورشات البناء بمدينة القامشلي، لكنه تراجع بعد تعرضه لتدقيق أمني مطول على أحد الحواجز، “سُئلت عن مكان إقامتي وسبب دخولي، وشعرت بأن الأمر قد يتطور إلى احتجاز، فقررت عدم المجازفة”.
ويضيف، “حتى إن لم أكن مطلوبًا لجهة ما، فالمخاوف موجودة. كثيرون من أبناء قريتنا يفضلون البقاء في الريف، رغم قلة فرص العمل، على المخاطرة بالدخول إلى المدينة”.
ويؤكد محمود أن هذه المخاوف، إلى جانب ارتفاع تكاليف النقل، جعلت العمل اليومي في المدن “شبه مستحيل” لكثير من أبناء الأرياف التي تبدلت السيطرة عليها.
غموض في إجراءات الدمجعقب سيطرة الجيش السوري على تلك الأرياف، تحدثت مصادر محلية عن نية لبحث ملفات العاملين السابقين في مؤسسات “قسد”، إلا أن خطوات عملية واضحة لم تُعلن حتى الآن.
يقول خالد المطر (38 عامًا) من ريف الشدادي الجنوبي، وهو عامل سابق في جهاز خدمي: “لا نعرف هل سيتم استيعابنا في مؤسسات الدولة، أم سيُطلب منا الانتظار، أم سنُترك دون عمل. هذا الغموض يزيد من معاناتنا”.
ويشير إلى أن كثيرين ممن فقدوا وظائفهم هم أرباب أسر كبيرة، “بعضهم كان يعيل خمسة أو ستة أشخاص، واليوم يعتمدون على مساعدات الأقارب أو بيع ما يملكونه من أثاث”.
تراجع قطاع الزراعةورغم أن الريفين الشرقي والجنوبي للحسكة يعتمدان تاريخيًا على الزراعة، فإن الظروف المناخية وارتفاع تكاليف الإنتاج حدّت من قدرة هذا القطاع على استيعاب اليد العاملة العاطلة.
يقول عبد الله الحميدي (45 عامًا) من ريف الهول، إنه عاد إلى أرضه بعد فقدان عمله في قطاع خدمي، “لكن الزراعة تحتاج إلى رأس مال، وأسعار الأسمدة والبذار مرتفعة. لا يمكن للجميع العودة إلى الأرض”.
ويضيف أن المساحات الزراعية تضررت خلال السنوات الماضية نتيجة نقص المياه وارتفاع تكاليف المحروقات، “لا توجد مشاريع ري كافية، ولا دعم حقيقي للفلاحين”.
قراءة اقتصاديةيرى المراقب الاقتصادي فادي العبد الله، وهو من أبناء ريف الحسكة الجنوبي، أن ما يحدث في المحافظة هو “نتيجة طبيعية لانتقال السيطرة دون وجود خطة اقتصادية انتقالية واضحة”.
ويقول لعنب بلدي، إن “فقدان الوظائف المرتبطة بهيكل إداري وعسكري معين، دون توفير بدائل مباشرة، يخلق فجوة في سوق العمل، خصوصًا في مناطق تعتمد على القطاع العام أو شبه العام كمصدر رئيسي للدخل”.
ويضيف أن الريفين الشرقي والجنوبي “لا يملكان قطاعًا خاصًا نشطًا قادرًا على امتصاص هذا العدد من العاطلين”، ما يعني أن البطالة قد تتحول إلى مشكلة طويلة الأمد، إذا لم تُعالج بسياسات تشغيل عاجلة.
ويقترح العبد الله إطلاق برامج تشغيل مؤقتة في مجالات إعادة تأهيل البنية التحتية، ودعم المشاريع الزراعية الصغيرة، إضافة إلى “وضع آلية شفافة وواضحة لدمج من تنطبق عليهم الشروط في مؤسسات الدولة”.
ويرى أن معالجة هذا الملف تتطلب تنسيقًا إداريًا وأمنيًا واقتصاديًا يراعي خصوصية المحافظة، ويأخذ في الحسبان هشاشة الوضع المعيشي، لتفادي تفاقم الأزمات الاجتماعية في منطقة أنهكتها سنوات الصراع وتبدل السلطات.
تداعيات اجتماعية مقلقةلا تقتصر آثار البطالة على الجانب الاقتصادي فحسب، إذ يحذر ناشطون محليون من انعكاساتها الاجتماعية.
تقول هناء السليمان (29 عامًا) من ريف الشدادي، إنها لاحظت زيادة في حالات التوتر الأسري نتيجة الضغوط المالية، “حين يفقد المعيل عمله، تتأثر الأسرة بأكملها. هناك قلق دائم من المستقبل”.
وتضيف أن بعض الشبان يفكرون بالهجرة إلى خارج البلاد أو الانتقال إلى محافظات أخرى بحثًا عن عمل، “لكن هذا الخيار مكلف ومحفوف بالمخاطر”.
بين واقعينيعيش أبناء الأرياف الشرقية والجنوبية للحسكة اليوم بين واقعين: واقع فقدان العمل في مؤسسات كانت تؤمن دخلًا ثابتًا، وواقع جديد لم تتضح فيه بعد ملامح البدائل.
وفي ظل استمرار سيطرة “قسد” على مدن رئيسية مثل الحسكة والقامشلي، تبقى حركة السكان بين الريف والمدينة مقيدة بعوامل أمنية وإجرائية، ما يحدّ من فرص البحث عن مصادر رزق بديلة.
ومع غياب إعلان رسمي واضح حول آليات الدمج أو التعويض أو إعادة التأهيل الوظيفي، تتسع دائرة القلق بين مئات الأسر التي وجدت نفسها فجأة خارج سوق العمل.
Related
إقرأ المزيد


