التصعيد الإسرائيلي- الإيراني.. كيف توازن سوريا بين الحياد ودعم الخليج؟
عنب بلدي -

وسط التصعيد المتسارع بين إيران من جهة وإسرائيل وأمريكا من جهة أخرى، وما أعقبه من ضربات إيرانية استهدفت قواعد تابعة للولايات المتحدة في دول الخليج العربي، يبرز الموقف السوري كحالة سياسية مركّبة تجمع بين الحذر والرسائل الضمنية.

اختارت دمشق التزام الصمت حيال المواجهات المباشرة بين طرفي الصراع، مع الحرص في المقابل على إعلان دعمها لسيادة دول الخليج وأمنها في مواجهة أي انتهاك.

هذا التوازن بين الامتناع عن الانخراط في الصراع من جهة، والتأكيد على التضامن العربي من جهة أخرى، يعكس محاولة سورية لإدارة موقعها الإقليمي بحذر، بحيث تتفادى كلفة الاصطفاف في مواجهة مفتوحة، من دون أن تتخلّى عن محيطها العربي أو عن خطاب احترام سيادة الدول.

الصمت السوري.. حكمة سياسية؟

التصعيد المتواصل ليومه الخامس يطرح تساؤلات حول أبعاد الموقف السوري في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، وحدود تأثيره في معادلة الصراع الدائر، ومدى قدرته على الموازنة بين تحالفاته الإقليمية ومتطلبات التضامن العربي.

قال الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن، عمار جلو، إن موقف الحكومة السورية والذي تمثل بالصمت حيال طرفي الصراع، يُعد حكمة سياسية بحد ذاته، مشددًا على أن كلًا من إسرائيل وإيران تمثلان عدوًا للدولة السورية الجديدة.

وأوضح أن الألم السوري الذي تسبب به الدور الإيراني لا يعني الاصطفاف إلى جانب الموقف الإسرائيلي أو دعمه، محذرًا من الوقوع في هذا الخطأ الذي قد يرتكبه بعض السوريين بدافع رفضهم للسياسات الإيرانية في سوريا.

حساسية المشهد، وفقًا لجلو، تكمن في خطورة الانجرار إلى تأييد أحد طرفي الصراع، لأن نجاح أي منهما سيعيد إنتاج الهيمنة في المنطقة.

واعتبر أن تغلّب إسرائيل يعني تمرير مشروع أمريكي جديد في المنطقة يخدم الرؤية الإسرائيلية بالدرجة الأولى، فيما لا يخدم انتصار إيران مصالح السوريين أيضًا.

الأذرع الإيرانية في العراق ولبنان، ولا سيما “حزب الله”، قد تسعى إلى خلط الأوراق في الساحة السورية، وفق ما قاله جلو، مرجحًا أنه ما يفرض على سوريا الجديدة قطع هذه الأنشطة ومنع الإمدادات العملياتية عبر أراضيها

ويعتقد أن حسن إدارة هذا الملف قد يفتح الباب أمام دعم مالي وعسكري وأمني للدولة السورية الجديدة.

سوريا تبقى الحلقة الأضعف في هذا الصراع في ظل غياب منظومات دفاع جوي فاعلة، ما يجعل أجواءها مفتوحة أمام تبادل الرسائل العسكرية بين الأطراف، وهو ما يستدعي اتخاذ موقف يجنّبها الانخراط المباشر.

عمار جلو

باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن

إدراكًا بعدم فاعلية انخراطها بالصراع

من جانبه، يرى الكاتب السياسي درويش خليفة، أن صمت سوريا، في هذا السياق، لا يعني بالضرورة تخلّيًا عن عمقها العربي، بل يعكس إدراكًا بأن أي انخراط مباشر في الصراع، أيًا تكن الجهة المنتصرة، لن يصبّ في مصلحة استقرارها في هذه المرحلة الانتقالية الحساسة.

فالدولة التي تعيد بناء مؤسساتها وتبحث عن استعادة عافيتها الاقتصادية لا تملك ترف المغامرة أو القدرة على التأثير الإقليمي الوازن، بحسب تعبير خليفة.

وعليه، يبقى الدور السوري في المدى المنظور، محصورًا في إطار التضامن السياسي والدبلوماسي، دون القدرة على تقديم دعم عملي ذي أثر إقليمي، أضاف خليفة، مفسرًا ذلك إلى أن تستعيد سوريا توازنها الداخلي وتُعيد ترميم أدوات قوتها الوطنية.

رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، قد أطلق على الهجمات التي تشنها إسرائيل وأمريكا على إيران، اسم “زئير الأسد”، واصفًا إياها بأنها أقوى بكثير من العملية السابقة.

وأعلن الرئيس الأمريكي بدء “عمليات قتالية كبيرة” في إيران، في 28 من شباط الماضي، مضيفًا أن الهدف هو حماية الشعب الأمريكي من خلال القضاء على التهديدات الوشيكة التي يشكلها النظام الإيراني.

ترامب أكد أن العمليات ستبيد أسطول إيران البحري، ويجري التحقق من عدم امتلاك إيران لسلاح نووي.

دعم لسيادة الخليج.. دافع براغماتي أم سياسي

تشن إيران هجمات صاروخية على دول الخليج العربي، مستهدفة القواعد الأمريكية الموجودة فيها، وذلك منذ إعلان أمريكا وإسرائيل بدء هجمات واسعة على إيران.

الضربات الإيرانية، شملت كلًا من البحرين والسعودية وقطر والكويت والإمارات، باستثناء سلطنة عمان، في حين صرحت إيران بأن جميع الأصول والمصالح الأمريكية والإسرائيلية في الشرق الأوسط أصبحت هدفًا مشروعًا.

الرئيس السوري، أحمد الشرع، كثف اتصالاته الهاتفية مع عدد من قادة الخليج العرب، شملت قيادات الكويت والإمارات والبحرين وقطر والسعودية، مؤكدًا تضامن سوريا الكامل مع الدول الشقيقة في مواجهة أي اعتداءات تمس سيادتها وأمنها.

وشدد الشرع خلال هذه الاتصالات على رفض سوريا القاطع لأي انتهاك لسيادة الدول العربية أو زعزعة استقرارها، محذرًا من خطورة انزلاق المنطقة نحو مزيد من الفوضى والتصعيد.

وأكد في الوقت ذاته أهمية تعزيز التنسيق العربي المشترك واعتماد الحوار والدبلوماسية كخيار استراتيجي لمعالجة الأزمات الراهنة.

يمكن مقاربة الموقف السوري تجاه الدول العربية، ولا سيما الخليجية والأردن، من زاويتين: أخلاقية- سياسية، وبراغماتية- واقعية، بحسب قراءة الكاتب السياسي درويش خليفة:

من حيث الاعتبارات السياسية:

  •  يُفترض بسوريا أن تُظهر تضامنًا واضحًا مع دول الخليج والأردن في حال تعرضها لهجمات تنسب إلى إيران، فهذه الدول قدّمت دعمًا سياسيًا واقتصاديًا للشعب السوري خلال سنوات الثورة، ثم ساهمت بعد سقوط النظام في الدفع باتجاه استقرار سوريا وإعادة إدماجها عربيًا، وكان للدور السعودي أثرٌ في رفع العقوبات المفروضة على دمشق منذ ثمانينيات القرن الماضي.
  • في المقابل، ارتبط التدخل الإيراني في سوريا بدعم النظام السابق عسكريًا وأمنيًا، وما رافق ذلك من كلفة بشرية واقتصادية وأمنية باهظة ما تزال البلاد تتحمل تبعاتها.

أما فيما يتعلق بالواقعية السياسية:

  • هامش الحركة السوري لا يزال محدودًا، فسوريا تعاني هشاشة اقتصادية وبنيوية عميقة، وتواجه تحديات أمنية داخلية، ما يجعل قدرتها على الانخراط في اصطفافات إقليمية حادة محدودة للغاية.
  • لذلك يمكن فهم الحياد الذي تبنّته دمشق في التعاطي مع الضربات الإسرائيلية والأميركية ضد إيران منذ ما عُرف بحرب الـ12 يومًا، وصولًا إلى الجولة الحالية من التصعيد.
خيار استراتيجي

الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات” بواشنطن، عمار جلو، يرى أن عودة سوريا إلى محيطها العربي تمثل المسار الطبيعي بعد مرحلة استثنائية خلال حكم بشار الأسد، إذ تحولت سوريا حينها إلى ساحة نفوذ إيراني، بخلاف مرحلة حافظ الأسد التي حافظت، رغم تحالفها مع طهران، على حضورها العربي.

واعتبر أن التصريحات الرسمية بشأن العودة إلى الحضن العربي تعكس توجهًا طبيعيًا ينسجم مع موقع سوريا كدولة عربية فاعلة.

وأشار إلى أن الدول العربية، ولا سيما الخليجية، لعبت دورًا مهمًا في احتضان سوريا الجديدة ودعمها دبلوماسيًا وسياسيًا واقتصاديًا، ما أسهم في إعادة تموضعها إقليميًا وتعزيز الاستقرار فيها. مشددًا على أن أي اعتداء على الدول العربية يُعد مساسًا بسوريا أيضًا ضمن هذا الإطار.

وختم جلو بالتأكيد أن تمسك سوريا بهذا التوجه ليس مرتبطًا بتطورات ظرفية، بل يعكس خيارًا استراتيجيًا، فالإدارة الجديدة، وإن رأت مصلحة في تطوير علاقات مع روسيا بما يخدم الاستقرار، إلا أن باب الانفتاح على إيران يبقى مغلقًا بشكل كامل، في إطار رؤية تعتبر أن منع عودة النفوذ الإيراني أولوية ثابتة في السياسة السورية الجديدة.

احتواء خليجي لسوريا.. ملفات على الطاولة

Related



إقرأ المزيد