ورشات الخياطة في اللاذقية تغلق أبوابها.. العمال أول الضحايا
عنب بلدي -

وجد “صافي” (اسم مستعار)، وهو “ريّس خياطة” في إحدى ورشات الألبسة باللاذقية، نفسه أمام واقع مختلف تمامًا، بعد سنوات من العمل في مهنة الخياطة.

دخل “صافي” الأسبوعي الذي كان يصل إلى مليون ليرة سورية، تراجع إلى نحو 400 ألف ليرة فقط، في ظل ما يصفه بكثرة العمالة المسرّحة التي أجبرت من بقي في العمل على القبول بأي أجر متاح.

​”صافي” (40 عامًا) ليس حالة فردية، فخلال العام الماضي، توقف عدد من ورشات الألبسة في مدينة اللاذقية عن العمل، في تراجع انعكس مباشرة على العمال الذين وجد كثير منهم أنفسهم بلا مصدر دخل، أو أمام أجور متدنية لا تتناسب مع سنوات خبرتهم.

​العمال أول المتضررين

مطلع عام 2025، أغلق محمد (42 عامًا) ورشة خياطة كان يديرها، وتؤمن عملًا لـ40 عاملًا، وتحرك معها قطاعات مرتبطة بها كالمطابع والتطريز.

يروي محمد أنه اتخذ القرار بعدما تراكمت الخسائر، ويصف وضع ورشته وقتها بالقول، “كنت أعتمد بشكل أساسي على السوق الخارجي، لكنني واجهت تكلفة إنتاج مرتفعة للقطعة الواحدة مقارنة بالمنتج التركي في أسواق الخليج، ما جعلني غير قادر على المنافسة، كما أن التصريف الداخلي كان ضعيفًا جدًا”.

​قرار الإغلاق، بحسب محمد، لم يكن يعني فقط تحوّله إلى تجارة السيارات، بل خروج عشرات العمال من سوق العمل.

وأضاف أن أصدقاءه من أصحاب الورشات الذين لا يزالون مستمرين يعانون من ضائقة مالية، ويرى أنهم مهددون بالإغلاق في أي وقت.

​الحال نفسه واجهه “مؤيد” (اسم مستعار)، إذ أغلق ورشته التي كانت تضم عشرة عمال قبل نحو خمسة أشهر، بعد عجزه عن تحمل خسائر الإنتاج وركود الأسواق.

توقف الماكينات ترافق مع تراكم الديون، ما دفع “مؤيد” (35 عامًا) لافتتاح “سوبر ماركت” صغير لتأمين لقمة العيش.

​يرى “مؤيد” أن الركود الحالي هو امتداد لأزمة بدأت قبل سقوط النظام وتفاقمت لاحقًا، ما دفع العديد من الورشات إلى الإغلاق منذ فترات متفاوتة دون قدرة على العودة، خاصة مع تراكم البضائع من مواسم سابقة في المستودعات نتيجة ضعف الإقبال.

​أجور متباينة في سوق مضغوط

في الورشات الكبيرة، تتراوح الرواتب بين 300 ألف ومليون ليرة سورية أسبوعيًا، بحسب إنتاجية العامل ونوع المنشأة.

​لكن هذا التفاوت لا يعكس استقرارًا، إذ قال “صافي” وهو “ريّس خياطة” في إحدى ورشات الألبسة باللاذقية، إن انخفاض عدد الورشات ووفرة العمالة المسرّحة خلقا ضغطًا على الأجور، أجبر كثيرين على القبول بمداخيل أقل بكثير من السابق.

​أما “أم حسن” (35 عامًا)، وهي أم لطفلين، ففقدت عملها قبل خمسة أشهر نتيجة إغلاق الورشة التي كانت تعمل بها.

وقالت “أم حسن”، إنها اضطرت لاستخدام ماكينة خياطة قديمة في منزلها لتأمين دخل لعائلتها، إلا أن العمل في إصلاح الملابس لا يضاهي العمل في الورشات، فدخلها بات غير مستقر، يتراوح بين 150 ألف ليرة سورية في بعض الأسابيع، وينعدم تمامًا في أسابيع أخرى.

أزمة مشاريع صغيرة

الخبير الاقتصادي عمار يوسف، يرى أن ما تشهده اللاذقية هو انعكاس لأزمة تستهدف قطاع المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر في عموم سوريا.

ويعزو الخبير أسباب التراجع إلى الرسوم الضريبية، وعدم قدرة المنتج المحلي على منافسة “البالة” والألبسة الصينية، خاصة في ظل راتب للمواطن لا يتجاوز 100 دولار.

​وشدد يوسف على أن النتيجة الأخطر لهذه الأزمة هي “تشرد العمال” وفقدانهم لمصدر دخلهم الوحيد، معتبرًا أن إغلاق الورشات لا يعني خسارة اقتصادية فحسب، بل هو كارثة اجتماعية تزيد من معدلات البطالة والفقر.

ويرى أن تحول أصحاب المعامل إلى مهن تجارية أخرى هو مؤشر على أزمة أعمق في بنية الاقتصاد، تتطلب تحسين المستوى المعيشي وتقديم دعم حقيقي لحماية المنتج الوطني.

مطالب الصناعيين

في 27 من أيلول 2025، عقدت غرفة تجارة وصناعة اللاذقية اجتماعًا موسعًا مع أصحاب مشاغل الألبسة و”البياضات”، نشرت تفاصيله عبر معرفاتها الرسمية، حيث تركزت المطالب حينها على ضبط التهريب و”البالة”، وإعفاء المواد الأولية من الرسوم الجمركية، وفك احتباس السيولة في البنوك.

​تواصلت عنب بلدي مع غرفة الصناعة والتجارة باللاذقية، لمعرفة خططها وتقييمها لواقع الورشات حاليًا، والأثر على العمال، وحتى لحظة تحرير هذا التقرير، لم يصل أي رد من الغرفة.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد