الأيديولوجي الأممي واليوم الأخير
عنب بلدي -

مصطفى حسين بطيخة

في مقال سابق على “زمان الوصل” بعنوان “الأيديولوجيات الأممية وقتل الوطنية”، ناقشت الفرق بين الوطني والأيديولوجي الأممي، كيف أن الأول يؤمن بالاختلاف والتشاركية والمساواة تحت سقف القانون لجميع من ضمته حدود الوطن، في حين أن النقيض الأيديولوجي الأممي يلغي الحدود ويعترف بسلط وعصبيات تاريخية قبل مفهوم الدولة والوطن (عن العصبيات راجع مقالي على زمان الوصل بعنوان: الاستبداد والعصبيات- قصة سورية)، ومن انتمائه لهذه العصبيات ينشأ التمايز لديه، فالمجتمع لديه عبارة عن مجموعة عصبيات وليس كيانًا وجسدًا واحدًا لكل أبنائه، وعصبيته وحدها هي الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فينشأ لديه الاستبداد المطلق وأي استبداد.

في ذلك المقال تحدثت ببعض التفصيل عن أنواع الأمميات القومية منها أو الدينية بأنواعها وآخرها الجهادية. سأتحدث في هذا المقال عن نماذج شهيرة في عالم الأممية الأيديولوجية وكيف أن هذه الأسماء لم تحمل معها إلا الاستبداد، وكيف أن “اليوم الأخير” للأيديولوجي الأممي هو سقوط مفاجئ ولحظي لا يتوقعه أتباعه الذين عميت أبصارهم فلايرون فيه إلا الرب الجبار (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ)، ومع هذا السقوط يشهد الأتباع الأيديولوجيون سقوط أيديولوجيتهم وزيف التفوق الذي تدعيه، ولكن الخراب الذي يلحق بوطن الأيديولوجي الأممي في (يوم السقوط الأخير) عظيم.

أحد الأسماء الشهيرة هو الأيديولوجي الأممي هتلر، وهو العصبوي القومي المنادي بالصفاء العرقي ومصنف البشرية حسب اقترابها أو ابتعادها عن العرق الآري الجرماني. لقد انتهز هذا العصبوي أزمة الكساد الكبير العالمية في العام 1929، حيث انتشرت البطالة والفقر وتشردت العائلات، فجاء هتلر مستشارًا لألمانيا في العام 1933 بالوسائل الديمقراطية الألمانية، فلم يلبث أن ألغاها بقرار برلماني معلنًا نفسه وحزبه النازي حاكمًا مطلقًا لألمانيا، كما شكل هتلر قوات أمن خاصة له (وحدات إس إس) ومستقلة عن الدولة. لقد كان اليوم الأخير لهتلر الأيديولوجي القومي منتحرًا في العام 1945 بعد أكثر من 15 محاولة انقلاب وطنية ألمانية عليه خلال الحرب العالمية الثانية. لقد كلف هذا الأيديولوجي العالم أكثر من 75 مليون قتيل، وألمانيا وحدها حوالي 8 ملايين قتيل، والتي تقاسمتها الدول بعد الحرب بين غربية وشرقية، ألمانيا المدمرة كليًا مع نساء ألمانيات مغتصبات بحوالي مليوني امرأة. لقد أقسم العالم ألا يعيد إنتاج مثل هذا النوع القاتل من الأيديولوجيين، النوع القاتل للعالم وللوطن معًا.

من الأيديولوجي القومي ننتقل للأيديولوجي الشيوعي الصيني، ماوتسي تونغ، الذي استفاد من المظاهرات الفلاحية الصينية العام 1925، ليقود الحزب الشيوعي الصيني الذي سيصبح الوحيد في الصين بعد قضائه على القوميين الصينيين الذين تحالف معهم في أثناء الحرب العالمية الثانية. يعد ماوتسي صاحب النظريات التجريبية في الشعب. لقد أدت تجربته الاقتصادية بهدف تحويل الصين من زراعية لصناعية ما بين العامين 1958 و1962 إلى أشد المجاعات البشرية فتكًا، التي راح ضحيتها بما يتجاوز 30 مليون صيني ماتوا جوعًا، ولدرجة أن الأم قبل أن تموت كانت توصي أبناءها أن يأكلوا أجزاء من جسدها، أما ثورته الثقافية ما بين 1966 و1976، فلم تهدف للتنمية، وإنما إلى إحياء الفكر الشيوعي بعد أن شعر بأفوله، وتطهير البلاد من البورجوازيين، مطلقًا المسعورين من الطلاب والحرس الأحمر والمتهيئين للقتل، حتى وصل عدد الضحايا لحوالي 20 مليون صيني. لقد مات هذا الأيديولوجي الشيوعي المستبد بعد أن كلف الصين الكثير من الضحايا (أكثر من ضعف القتلى الصينيين في الحرب العالمية الثانية) والتجارب الفاشلة، وإن الازدهار الاقتصادي الصيني الحالي لم يحدث إلا عندما أعلنت الصين الانقطاع التام والفوري عن هذا الأيديولوجي القاتل.

ومن ماوتسي ننتقل للأيديولوجي الأممي، الخميني، صاحب نظرية الأممية الدينية الشيعية، والذي صار حاكم إيران بعد أن استفاد من المظاهرات والإضرابات المدنية ضد الشاه في العام 1978 نتيجة السياسات الاقتصادية والفساد وقمع (السافاك) الأمني. لقد ادعى الخميني الإصلاح من خلال تعيين حكومة إصلاحية ديمقراطية، بينما كان ينشئ الحرس الثوري الخاص به والخلايا والمحاكم الثورية، التي ستحاكم فيما بعد شركاءه في الثورة الإيرانية من الماركسيين والليبراليين الدستوريين وكثير منهم كانوا من الإسلاميين الديمقراطيين. بعدها سيؤسس الخميني أول دولة لـ”المشايخ” عرفها التاريخ ويعلن نفسه حاكمًا أبديًا ومرشدًا عامًا للثورة، ومن ثم سيقوم بتطوير نظرية “الولي الفقيه” ليخدم هدفه في تصدير أيديولوجيته الشيعية إلى خارج الحدود. قام الخميني بتوزيع الأدوار الشيطانية، ولكن ذلك لم يمنعه من أن يمد يده للشياطين، فكانت فضيحة “إيران-كونترا”، والتي اشترت في أثنائها إيران في العام 1985 من الشيطان الأكبر (أمريكا) صواريخ للحرب ضد العراق، وتم إرسال هذه الصواريخ من إسرائيل. لن نستغرب ذلك إذا فهمنا أن إيران الوظيفية كانت مهمتها صناعة الفوضى في المنطقة، وإشعال السعار العصبوي الشيعي السني فقط (للمزيد يمكن العودة لمقالي في زمان الوصل: سوريا الوظيفية والحدث المادوري).

كل هذه التحالفات الشيطانية مع الأيديولوجي الخميني لم تجعله يفكر بالصلح مع العراق حتى اضطر للاستسلام لها في العام 1988، بعد مليون قتيل ومثلهم من الجرحى، واصفًا قرار قبول الاستسلام بقوله “ويل لي أنا الذي مازلت على قيد الحياة، أتجرّع كأس السُّم بقبول القرار”. يبدو أن الخميني قد تجرع السم حقًا في هذا “اليوم الأخير”، يوم الاستسلام، فمات العام الذي يليه (1989)، بعد أن ترك لنا مجموعة من الأيديولوجيين الأممين من أمثال خامنئي وسليماني وحسن نصر الله، من ألحقتهم صواريخ الشياطين بمثواهم الأخير، بعد أن تركوا دولهم ودول محاورهم الوهمية من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن مدمرة تحكمها الميلشيات. لقد حولت الأيديولوجية الدينية الخمينية إيران العائمة على بحر من النفط، إلى دولة دخل الفرد المتوسط فيها منخفض، حسب تصنيف البنك الدولي، حوالي 350 دولار شهريًا، وبمعدل نصف الدخل قبل استلام الخميني (حوالي 650 دولار شهريًا العام 1976)، مقارنة بالإمارات الآن (حوالي 4000 دولار شهريًا) أو السعودية (3000 دولار شهريًا) أو الصين (1200 دولار شهريًا) أو تركيا (1400 دولار) أو إسرائيل (4500 دولار). لاعجب أن أبناء هذه الدولة الأيديولوجية وعلماءها يحاولون دائمًا الهرب من هذه الدولة النفطية الغنية. واليوم إيران وبعد أن تم قطع محاورها القاتلة في المنطقة، ليست إلا كمن قطعت شرايينه وترك ينزف، فلابد له أن ينتفض قليلًا، كما تفعل الآن بإطلاق صواريخها، وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة.

في مقابل الأممي الشيعي الخميني يظهر لنا شيخ الأممية السنية الجهادية أسامة بن لادن، والذي ترك عائلته السعودية المقدرة ثروتها بمليارات الدولارات، ليلتحق بحياة المغاور كما كل الجهاديين الأممين. كان خروجه إلى أفغانستان بتسهيل من الشيطان الأكبر (أمريكا) والأنظمة العربية التي وجدت فائدتين في ذلك، الأولى محاربة الاتحاد السوفيتي، والثانية إبعاد هذا النوع من الأيديولوجيين الأممين عن البلاد. وفي أفغانستان أسس ابن لادن القاعدة العام 1988. لم تقف أيديولوجية ابن لادن الجهادية عند السقوط الروسي، بل كان لا بد من تعميمها على العالم، كيف لا وهو أيديولوجي أممي عابر للقارات. تعتبر تفجيرات أيلول العام 2001 على أمريكا العنوان البارز لإنجازات بن لادن، والذي شاهدناه على شاشات التلفاز يقسم بالله أنه غير مسؤول عن ذلك، ليعود في العام 2004 ويعترف بمسؤولية القاعدة بعد صيام ثلاثة أيام لقاء حنثه بحلفان اليمين الأول. لقد أدى هذا التهور الأيديولوجي بالكوارث على العالم الإسلامي والمسلمين أينما وجدوا من خلال قوانين الإرهاب، فتم تدمير العراق العام 2003، وأعطيت الفرصة لشارون في تصفية المكاسب الدولية الفلسطينية بحجة “الإرهاب”. لقد شاهد العالم الرئيس الأمريكي، أوباما، وهو يشاهد عملية قتل ابن لادن في يومه الأخير بعد أن ترك خلفه العديد من الجهاديين الأممين الذين يجوبون العالم الآن وآخرهم “داعش”، ويترك لنا دولة “المشايخ” الثانية في التاريخ بعد إيران وهي أفغانستان، حيث يعيش فيها حوالي 50% من سكانها تحت خط الفقر، مع متوسط دخل فردي حوالي 35 دولارًا شهريًا.

هذه نماذج من الأيديولوجيين الأممين وكم هم كثر لاحصر لهم، إلا أن جميعهم ودون استثناء يتميزون بالصفات التالية: فجميعهم يستفيدون من لحظات ومطالب شعبية محقة معتمدين على أوجاع المجتمع، وجميعهم يأتون بقبول شعبي أو مجتمعي واعدين بالإصلاح، ولكنهم جميعهم يستبدون بالمجتمع بعد ذلك معلنين حكم العصبية الواحدة الأبدية بأفكارهم الأيديولوجية، فجميعهم يلغون التشاركية مع مكونات الوطن، وإن اليوم الأخير لهؤلاء الأيديولوجيين هو يوم كارثي، فيحل بالوطن الدمار، فالأيديولوجي الأممي لا يفارق عالمه إلا بعد أن يطبق في وطنه (وفي كثير من الأحيان يمتد خارج حدوده) سياسة الأرض المحروقة حتى بأتباعه، وجميعهم يخلفون بلادًا منهارة اقتصاديًا، فالأيديولوجية عدوة الاقتصاد والتنمية والتعليم، لأن الاقتصاد لاينمو مع الفساد الذي يؤسس له هذا الأيديولوجي ليبقى ويستبد، لذلك لن تجد أيديولوجيًا أمميًا واحدًا في الدول المتقدمة حيث التنمية، وجميعهم يعتمدون على طبولهم الإعلامية، عسى البطون تنسى جوعها وهي تحلم بانتصارات الأيديولوجي الوهمية، وفي النهاية فإن جميعهم يشكلون تنظيمات ميلشيوية لهم ومستقلة عن الدولة (وحدات إس إس النازية، الحرس الأحمر الصيني، الحرس الثوري الايراني)، هدفها مراقبة الجماهير وتنفيذ إرادة (الرب الأكبر) عند الإشارة، بما يتضمن القتل الجماعي والاغتيالات.

إن الأوطان لا أمل لها إلا بإعلان القطيعة التامة مع الأيديولوجي الأممي، والعودة لمفهوم الوطني بأفكاره، فالوطني يؤمن بالمساواة تحت سقف القانون لجميع من ضمته حدود الوطن، والوطني يؤمن بالاختلاف ويلغي العصبيات وكلمة “أقلوي” من قاموسه، والوطني يؤمن بالتشاركية المجتمعية ضمن آليات ديمقراطية حقيقية، والوطني يؤمن بحق المجتمع بالتنمية بجميع فروعها كبديل عن شعارات الأيديولوجي الزائفة، والتي تدعو المجتمع للصبر لحين تحقيق شعاراته الأبدية، والتي يخلقها لابتزاز المجتمع واستبداده.

إن الخيار الوطني هو مايجب أن يطالب به السوريون دون هوادة، قبل أن نذهب إلى تأسيس دولة “المشايخ” الثالثة في التاريخ بعد إيران وأفغانستان.


*الدكتور مصطفى حسين بطيخة أستاذ جامعي وكاتب سوري

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد