عنب بلدي - 3/15/2026 10:45:15 AM - GMT (+2 )
عنب بلدي – ركان الخضر
الوقفة الاحتجاجية التي أقامها بعض السوريين أمام مقر اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع في منطقة المزة بدمشق، في كانون الثاني الماضي، احتجاجًا على التسوية المالية مع رجل الأعمال محمد حمشو، المقرب من نظام الأسد المخلوع، لم تمنع إتمام صفقات مماثلة مع رجال أعمال آخرين كان لهم دور بارز في الاقتصاد السوري أيام النظام السابق.
وكشف مصدر مسؤول في اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، لعنب بلدي، في 23 من شباط الماضي، عن إبرام تسوية مع رجلي الأعمال السوريين سامر الفوز وطريف الأخرس، المقربين من نظام الأسد المخلوع.
تسلط عنب بلدي الضوء على ملف التسويات المالية مع شخصيات كانت محسوبة على النظام السابق، للوقوف على مدى مشروعيتها من وجهة نظر قانونية، وما الحالات والشروط القانونية لها، وهل هناك تجارب سابقة مماثلة في بلدان أخرى.
أداة قانونية بشروط وضوابطقال مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، إن تحديد أي تسوية ممكنة يتطلب تحديد طبيعة الادعاءات الموجهة إلى الشخص المعني بدقة، فالأسماء المطروحة في هذه التسويات موجودة ضمن فئة “الميسرين الاقتصاديين” الذين شكّلت أدوارهم عنصرًا بنيويًا في دعم القاعدة المالية لنظام استبدادي، ما يوحي بدرجة من التواطؤ تتجاوز الدور التجاري المعتاد.
وأشار إلى أن مشروعية التسوية تتوقف على إطار صارم يميز بين ترتيبات مقبولة وبين إفلات مقنع من العقاب، كما أن التسوية تكتسب قابلية أكبر للدفاع عندما تُبنى بوصفها آلية مساءلة اقتصادية تتضمن استرداد الأصول، وكشف الحقيقة والتعاون من دون أن تعوق التحقيق أو الملاحقة القضائية في الجرائم الدولية الجسيمة.
من جهته، تحدث المحامي في القانون الجنائي الدولي المعتصم الكيلاني، لعنب بلدي، أن التسويات المالية ليست مخالفة للقانون بذاتها، بل هي أداة قانونية مستخدمة في العديد من الأنظمة القضائية بقضايا الفساد والجرائم الاقتصادية، خصوصًا عندما تهدف إلى استعادة الأموال العامة، موضحًا أن التسوية إذا كانت في إطار قانوني واضح وضمن إجراءات شفافة، تعتبر إجراء مشروعًا، منوهًا إلى أن الآليات السورية تفتقد المتطلبات السابقة.
وحذر من أن هذه الإجراءات قد تصبح متعارضة مع التزامات الدولة في مجال مكافحة الفساد وحماية حقوق الضحايا، إذا أدت إلى إسقاط المسؤولية الجنائية عن جرائم خطيرة أو إلى إغلاق التحقيقات مقابل تعويض مالي فقط.
وبيّن أن القانون الدولي لحقوق الإنسان يؤكد أن الجرائم الخطيرة والانتهاكات الجسيمة لا يجوز معالجتها بتسويات مالية فقط، لأن ذلك قد يرقى إلى شكل من أشكال الإفلات من العقاب.
لجنة الإفصاح عن الكسب غير المشروع تسوي أوضاع رجل الأعمال المرتبط بنظام الأسد المخلوع محمد حمشو – 6 كانون الثاني 2026 (محمد حمشو/ فيسبوك)
في حديث صحفي إلى مجلة “المجلة”، في 9 من آذار الحالي، أوضح رئيس لجنة الكسب غير المشروع، باسل سويدان، أن اللجنة تستند إلى عدة معايير في عملها، من بينها الانسجام التام مع المعايير الدولية، لا سيما المادة الـ20 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد.
وتؤكد المادة الـ20 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على تجريم “الإثراء غير المشروع”، المتمثل في الزيادة الكبيرة في أصول الموظف العمومي التي لا يستطيع تفسيرها بشكل معقول مقارنة بدخله المشروع.
المحامي المعتصم الكيلاني، قال إن مبادئ العدالة الانتقالية التي طورتها الأمم المتحدة، تؤكد أن معالجة إرث الانتهاكات يجب أن تشمل أربعة عناصر رئيسة، تتمثل في كشف الحقيقة والمساءلة القضائية وجبر الضرر للضحايا والإصلاح المؤسسي.
معالجة إرث الانتهاكات يجب أن تشمل أربعة عناصر رئيسة، هي كشف الحقيقة والمساءلة القضائية وجبر الضرر للضحايا والإصلاح المؤسسي، والتسويات المالية يمكن أن تكون جزءًا من عملية أوسع لاسترداد الأموال أو إصلاح الاقتصاد.
المعتصم الكيلاني
محامٍ في القانون الجنائي الدولي
لكن التسويات المالية، بحسب الكيلاني، لا ينبغي أن تحل محل المساءلة القانونية، فالتجارب الدولية تظهر أن الاقتصار على التسويات الاقتصادية دون تحقيقات أو محاكمات، يمكن أن يقوض العدالة الانتقالية ويضعف الثقة في المؤسسات الجديدة.
وأوضح مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، أن شرعية التسويات مشروطة بالكامل بقيود صارمة، وشفافية عالية، واستبعاد صريح لأي تغطية تمس الجرائم الدولية.
شرعية التسويات مشروطة بالكامل بقيود صارمة، وشفافية عالية، واستبعاد صريح لأي تغطية تمس الجرائم الدولية.
فضل عبد الغني
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”
الشروط السابقة، وفق عبد الغني، تستلزم فحصًا دقيقًا لطبيعة الادعاءات الموجهة، وللحدود المفاهيمية لمعيار “الجريمة الكبرى” في العدالة الانتقالية، وللشروط التي قد تجعل التسويات قابلة للدفاع، والخطوط الحمراء التي تجعل أي ترتيب من هذا النوع غير مقبول قانونيًا ومعياريًا.
تجارب دولية مشابهةقال رئيس لجنة الكسب غير المشروع، باسل سويدان، في سياق حديثه مع “المجلة”، إن اعتماد مفهوم التسويات لم يكن خطوة ارتجالية، بل استند إلى دراسات وتجارب دولية مستخلصة من تجارب دول أخرى، ضاربًا بعض الأمثلة المشابهة.
وذكر سويدان تجربة هونغ كونغ في تأسيس “هيئة التحقيق المستقلة لمكافحة الفساد” التي جمعت بين التحقيق والوقاية والتوعية، وتجربة سنغافورة في “مكتب التحقيق في ممارسات الفساد”، الذي يتمتع بصلاحيات واسعة في تتبع تضخم الثروات المرتبطة بالوظيفة العامة.
وأشار سويدان إلى أن اللجنة السورية لم تستنسخ نماذج خارجية، بل حاولت استثمار تلك التجارب وبناء نموذج وطني على أساسها، يتلاءم مع خصوصية المرحلة السورية ومتطلباتها.
أكد المحامي الكيلاني أن تجارب دول عديدة تظهر أن الحكومات الانتقالية غالبًا ما تلجأ إلى صيغ مختلفة من التسويات الاقتصادية مع النخب المرتبطة بالنظام السابق.
في تونس بعد الثورة عام 2011، طُرحت فكرة “المصالحة الاقتصادية”، التي واجهت انتقادات واسعة لأنها اعتُبرت إعادة دمج للنخب الاقتصادية القديمة دون مساءلة كافية.
وفي جنوب إفريقيا، اعتمدت لجنة الحقيقة والمصالحة بعد نهاية نظام الفصل العنصري، في تسعينيات القرن الماضي، نموذجًا مختلفًا، حيث أُتيح لبعض المتورطين الاعتراف بجرائمهم مقابل عفو محدود، لكن الجرائم الخطيرة بقيت خاضعة للمحاسبة.
من جانبه، أكد مدير “الشبكة السورية”، فضل عبد الغني، أن هناك تجارب انتقالية شهدت ترتيبات لإعادة الأصول والتعاون مع فاعلين اقتصاديين كانوا مرتبطين بالحقبة السابقة، إلا أن هذه الترتيبات لا تكتسب شرعية إلا إذا كانت مشروطة بإحكام وشفافية، وتستبعد الجرائم الدولية بصورة لا لبس فيها.
وبيّن عبد الغني أن السجل العام للأسماء المطروحة لإجراء التسوية في سوريا، يظهر أنهم كانوا يمثلون عامل تمكين اقتصادي أكثر من كونهم فاعلين مباشرين في الجرائم، بما يفتح المجال للنظر من حيث المبدأ في ترتيبات مشروطة إذا استوفت شروط الإفصاح واسترداد الأصول والتعاون القابل للتحقق.
غير أن الإطار القانوني، بحسب عبد الغني، لا يستوعب أي ترتيب يفضي إلى إفلات من العقاب أو إلى تغطية سلوك يرقى إلى جرائم دولية، وعليه يبقى الحد الفاصل بين هاتين الفئتين والذي تحسمه طبيعة الأدلة ومدى اتصالها بالجرائم الجسيمة.
تسويات تقتصر على عدم الملاحقة الماليةلم تمنح اللجنة، وفق مصدر مسؤول في اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع تحدث لعنب بلدي، أي ضمانات بعدم الملاحقة الجزائية لكل من الفوز والأخرس، بل اقتصر الأمر على عدم ملاحقتهما ماليًا تحديدًا في قضايا الكسب غير المشروع المرتكبة والمصرح عنها من قبلهما.
وأكد أن طبيعة وتفاصيل التسوية المبرمة مع رجل الأعمال طريف الأخرس تشابه تفاصيل التسوية مع رجل الأعمال الفوز، من حيث مصادرة 80% من الممتلكات العينية والأموال المنقولة وغير المنقولة العائدة له.
وأشار إلى أن القضايا التي تتابعها اللجنة، تشمل أيضًا سيدات أعمال، ولكن حجم ملفاتهن صغير نسبيًا وتابعة لملفات أكبر وأكثر تشعبًا.
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، ذكر أن السجل المتاح للعموم بشأن الشخصيات المذكورة في التسويات، يظهرهم بوصفهم داعمًا اقتصاديًا محوريًا وركيزة لشبكات محسوبية، إلا أن هذا المتاح لا يثبت أنهم ارتكبوا جرائم دولية، وهذا التمييز يترتب عليه أثر جوهري في تحديد نطاق المساءلة المشروعة.
فالفاعلون الاقتصاديون في نظام الأسد، وفق عبد الغني، يحتلون موقعًا مختلفًا ضمن سلم العدالة الانتقالية عن الذين لعبوا أدوارًا قيادية مباشرة في ارتكاب الفظائع، وهذا لا يقلل من خطورة التواطؤ الاقتصادي أخلاقيًا، لكنه يوضح الأدوات المؤسسية الأجدى والشروط التي يمكن بموجبها النظر في ترتيبات تفاوضية.
من جانبه، يرى المحامي المعتصم الكيلاني، أن تأثير التسويات على المرحلة الانتقالية يعتمد بشكل كبير على طبيعتها ومدى شفافيتها، فإذا كانت جزءًا من برنامج واضح لاسترداد الأموال المنهوبة وإصلاح الاقتصاد وإعادة توزيع الموارد لمصلحة المجتمع، فقد تسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي وتوفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار، بشرط عدم التدخل في مسار المساءلة الجنائية للمشتبه بهم، وعدم منحهم أي حصانات.
وبيّن الكيلاني أن الأدبيات الأكاديمية في مجال العدالة الانتقالية، تشير إلى أن تجاهل البعد الاقتصادي للانتهاكات أو التعامل معه من خلال تسويات محدودة فقط، قد يضعف عملية التحول الديمقراطي ويخلق شعورًا بالظلم لدى الضحايا والمجتمع.
Related
إقرأ المزيد


