عنب بلدي - 3/15/2026 12:09:18 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – وسيم العدوي
سجلت الموازنة العامة في سوريا خلال عام 2025 فائضًا ماليًا خلال الأشهر العشرة الأولى تجاوز نصف مليار دولار، وفق ما أعلن وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، في تصريحات لإحدى القنوات التلفزيونية في أيلول 2025، معتبرًا أن هذه النتيجة تعكس تحسنًا في إدارة المال العام نتيجة تشديد الرقابة على الإنفاق ومكافحة الفساد.
ويأتي هذا الإعلان في وقت تواجه فيه البلاد تحديات اقتصادية كبيرة بعد سنوات من الحرب والتراجع الحاد في النشاط الإنتاجي، فيما تواجه الحكومة السورية حاليًا تحديات عميقة في الإيرادات العامة، وانخفاض الصادرات، وسعر الصرف، وعملية استبدال العملة القديمة.
الوزير برنية، اعتبر في تصريحاته أن تحقيق فائض في موازنة الدولة لعام 2025، “دلالة على إدارة رشيدة ومكافحة فساد ناجعة”.
وزير المالية لعنب بلدي: البيانات بحاجة إلى تحديثردًا على تساؤلات لعنب بلدي، حول تصريحاته السابقة بشأن الفائض، قال وزير المالية السوري برنية، إن هذه البيانات الواردة فيها “تغيرت بشكل كبير حاليًا، وهي تحتاج إلى تحديث وتعديل”.
وفي تحليل لأحد الخبراء الاقتصاديين، أجرت معه عنب بلدي حوارًا، قال إن هناك إجماعًا على أن أي فائض مالي حقيقي يجب أن ينتج عن تنمية اقتصادية حقيقية وزيادة إنتاجية، وليس فقط من ترشيد الإنفاق أو تأجيل المشاريع.
أي فائض مالي حقيقي يجب أن ينتج عن تنمية اقتصادية حقيقية وزيادة إنتاجية، وليس فقط من ترشيد الإنفاق أو تأجيل المشاريع.
الدكتور محمد تسير الفقيه
خبير اقتصادي ومالي
المالية السورية: فائض ليس من المنحالفائض في عام 2025 بنتيجة تطبيق الموازنة الاثني عشرية خلال ذلك العام، تحقق دون الاعتماد على منح خارجية حتى نهاية تشرين الأول، وهذا يعكس، حسب الوزير برنية في تصريحاته، تأثيرًا إيجابيًا لسياسات ضبط الإنفاق ومكافحة الهدر المالي.
الموازنة السورية لعام 2025 مثّلت تحولًا في الأداء المالي للدولة، مقارنة بالأعوام التي سبقتها تحت حكم النظام السابق، حيث أكد وزير المالية السوري، أن هذا يظهر قدرات حكومية أعلى في إدارة المال العام ومكافحة الفساد.
ووفقًا لبيان نشره صندوق النقد الدولي مؤخرًا، فإن سوريا أنهت عام 2025 بواقع فائض طفيف في الموازنة بعد تشديد الإنفاق وتركيزه على الاحتياجات الأساسية، واتفق الخبراء الدوليون مع السلطات على برنامج للمساعدة والدعم الفني الإصلاحي.
ويشير البيان ذاته إلى أن هذا الفائض تحقق من خلال ضبط الإنفاق وامتناع وزارة المالية عن التمويل من المصرف المركزي، وهو ما اعتُبر “تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة”.
ويرى الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمد تيسير الفقيه، في حديث إلى عنب بلدي، أن الفائض الحقيقي يجب أن يتضمن نموًا في الإنتاج والاستثمار المستدام، وليس فقط نتيجة “ترشيد الإنفاق” أو السياسات التقشفية المؤقتة.
والفائض المحاسبي وحده، بحسب الفقيه، لا يكفي لتصنيف الأداء المالي كـ”صحيح ومستدام”، إذا لم يقترن بزيادة في الإنتاجية أو توسيع القاعدة الاقتصادية.
مكافحة الفساد والإدارة الرشيدةأكد وزير المالية أن تحقيق الفائض حدث “بفضل مكافحة الفساد”، معتبرًا أن غياب الصفقات الوهمية، والتعاقدات الخيالية، وصرف الأموال دون إنجاز أعمال حقيقية، كلها عوامل ساعدت في هذا التوجه.
وشهد النظام المالي السوري خلال السنوات الماضية تجاذبات كبيرة بين محاولات الإصلاح وواقع الاقتصاد الذي كان يعاني من ضعف في مؤسسات التحصيل والرقابة الفعلية، وإعداد الموازنات العامة للدولة.
وأسهم صندوق النقد الدولي في تقديم مساعدة فنية للمالية السورية لإعداد الموزانة العامة، وهو ما يعكس رغبة معلَنة من قبل الوزارة في تحسين الشفافية وإدارة المال العام.
وأكد الخبير الفقيه أن “الإدارة الرشيدة” تُقاس عبر مؤشرات موضوعية مثل:
- انخفاض نسبة العجز إلى الناتج المحلي.
- كفاءة التحصيل الضريبي.
- تنفيذ المشاريع.
- شفافية الإنفاق مع وجود رقابة مستقلة.
ولا يتم ذلك فقط عبر القرارات الإدارية بتجميد الإنفاق، وفقًا للخبير ذاته، وإلا فإن ما يحدث قد يكون مجرد خفض مؤقت للإنفاق، لا يعالج جذور الفساد أو يعزز النمو الاقتصادي.
ضبط الإنفاق الاستثماريأشار الوزير برنية إلى أن الوزارة طالبت الوزارات والجهات العامة بتقليص الإنفاق الاستثماري إلى “أضيق الحدود” خلال 2025، كإجراء لضبط الموازنة، في حين توقع زيادة النفقات الاستثمارية والاجتماعية في العام المقبل إذا تحسنت الإيرادات.
وسبق أن أعلن وزير المالية أيضًا أن الوزارة بدأت إعداد موازنة تكميلية لعام 2025 وموازنة عام 2026، بالتعاون مع خبراء من داخل الوزارة وخارجها بهدف تعزيز الشفافية ودقة الأرقام، كما تم الإعداد لمنصة إلكترونية للموازنة بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة الهدر.
وحذر الدكتور الفقيه من أن التشدد في خفض الإنفاق الاستثماري قد يؤدي إلى “تجميد مشاريع حيوية”، وقد يتحول الفائض إلى ما يشبه “وفرًا إداريًا” لا ينعكس على النشاط الاقتصادي الحقيقي أو جودة الخدمات، ما يفقده أثره التنموي.
المالية والمركزي وسلف العجزسددت وزارة المالية السورية منذ سقوط النظام السوري حتى آذار الحالي جميع السلف التي قدمها مصرف سوريا المركزي للحكومة بالكامل (التمويل بالعجز في موازنات النظام السابق)، وهو ما أكده الوزير برنية، موضحًا أن الحكومة لا تخطط للاعتماد على الاقتراض من المركزي حفاظًا على استقلاليته، وهو ما أسهم في الاستقرار النسبي لليرة السورية.
وتضمنت الزيارة الأخيرة لخبراء صندوق النقد الدولي إلى سوريا مناقشات مع مصرف سوريا المركزي ووزارة المالية، بشأن سياسات المالية العامة وتقييم الأوضاع الاقتصادية، في محاولة لإعادة بناء الثقة وتأسيس سياسات مالية ونقدية أكثر صلابة.
وفي هذا السياق، شدد الخبير الاقتصادي السوري على أن استقلال البنك المركزي السوري لا يعني فقط عدم الاقتراض منه، بل يتطلب سياسات نقدية متناسقة مع المالية العامة، وشفافية في الاحتياطيات، واستقلالية حقيقية في اتخاذ القرار، وهو ما يسهم في استقرار العملة وثقة المستثمرين بالاقتصاد السوري.
دَين خارجي بنحو 4.5 مليار دولارفي الوقت الذي أكدت فيه وزارة المالية السورية تسديد جميع قروضها من المركزي، وعدم وجود دَين عام قائم عليها، أشارت إلى أن هناك ديونًا خارجية لمؤسسات ودول مختلفة تقدر بنحو أربعة مليارات ونصف المليار دولار، وتعمل الحكومة على معالجتها، وقد تشمل برامج تخفيف أو إعادة جدولة.
وبحسب تصريحات صندوق النقد الدولي، فإن هناك اتفاقًا على برنامج للمساعدة المالية والفنية لسوريا، في إطار إصلاحات أوسع تشمل تحسين إدارة الدَّين، ودعم شبكة الأمان الاجتماعي، وتعزيز الشفافية.
وقال الخبير الاقتصادي والمالي محمد تيسير الفقيه، إن حجم الدَّين العام يجب أن يُقاس نسبة إلى الناتج المحلي، وليس فقط كرقم مطلق، وإن برنامج إدارة الدَّين يجب أن يشمل إصلاحات هيكلية تعزز النمو وتنظم التمويل، كي لا يتحول الدَّين إلى عبء مالي مستقبلي.
حجم الدَّين العام يجب أن يُقاس نسبة إلى الناتج المحلي، وليس فقط كرقم مطلق، وبرنامج إدارة الدَّين يجب أن يشمل إصلاحات هيكلية تعزز النمو وتنظم التمويل، كي لا يتحول الدَّين إلى عبء مالي مستقبلي.
الدكتور محمد تيسير الفقيه
خبير اقتصادي ومالي
ويعاني الاقتصاد السوري من تقلص حاد في الإنتاج والنشاط الاقتصادي العام بسبب سنوات الحرب والعقوبات، وشح الاستثمارات الخارجية في سوريا، على الرغم من الاتفاقيات الاستثمارية الكبيرة الموقعة مؤخرًا، وهو ما يؤثر سلبًا على الصادرات واحتياطيات النقد الأجنبي، وفقًا لما أكده صناعيون وتجار في حديث سابق لعنب بلدي.
ولهذا يؤكد الدكتور الفقيه أن أي فائض مالي يجب أن يُترجم إلى دعم القطاع الإنتاجي والزراعة والصناعة والتصدير، كي يعالج اختلالات الاقتصاد ويخلق وظائف وزيادة في الدخل، وإلا فإن الخزانة تمتلئ بتقليص الإنفاق فقط وليس عبر تنمية الإنتاج.
والسؤال الذي يبقى ماثلًا أمام الاقتصاديين والمحللين الماليين، وفقًا للفقيه، هو هل سيؤدي الفائض إلى نقلة اقتصادية حقيقية في سوريا؟ أم سينحصر في أرقام محاسبية لا تغير الواقع الاقتصادي المعيشي، وهو ما تحتاج الإجابة عنه إلى مزيد من الشفافية والبيانات الموضوعية والتقارير المالية المستقلة في المرحلة المقبلة.
Related
إقرأ المزيد


