عنب بلدي - 3/15/2026 12:42:11 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – موفق الخوجة
تشغل قضية الباعة المتجولين وأصحاب “البسطات” حيزًا من النقاش المحلي الحلبي، خاصة بين أبناء هذه المهنة المنتشرة بين الشريحة المتوسطة والفقيرة، والتي تقصدها كل شرائح المجتمع، إذ ما زال الأخذ والرد حاضرًا، ما بين بائع يريد الحفاظ على مصدر رزقه، ومشترٍ يريد تحصيل خضراواته بأقل سعر، وآخر ينادي بتنظيمها.
وبعد عدة إجراءات اتخذتها محافظة حلب، ما زالت “البسطات” حاضرة في المناطق الشعبية، لا سيما في أحياء حلب الشرقية، مثل الشعار وطريق الباب والفردوس والصالحين وغيرها، بترتيبها العشوائي الذي لم يتزحزح.
نقل “البسطات” لم يرضِ الباعةأحدث الإجراءات، حتى لحظة تحرير التقرير، هو ما اتخذته إدارة الكتلة الثالثة في محافظة حلب، في 18 من كانون الثاني الماضي، المتمثل بنقل “البسطات” العشوائية ضمن حي طريق الباب إلى سوق “الحلوينية” المخصص للباعة المتجولين.
وسبق أن اتفقت إدارة الكتلة الثالثة مع أصحاب “البسطات” على الانتقال إلى السوق بعد تقسيمه وإجراء قرعة لتوزيع المساحة على البائعين.
عنب بلدي عاينت المشهد، ورصدت سوق “الحلوينية” خاليًا من الباعة والمشترين، سوى ثلاث “بسطات” ترامت على مساحة يفترض أن تضم عشرات البائعين.
حسين، هو أحد الباعة الثلاثة الذين قابلتهم عنب بلدي داخل السوق المخصص لهم، قال إن الموجود هو ثماني “بسطات”، كحد أقصى، ثم يغادر الجميع قبل الظهر، للانتشار مجددًا في الشوارع الرئيسة، لا سيما بالقرب من دوار “الحلوينية”.
ويعزو حسين مغادرتهم إلى خارج السوق بسبب عدم إقبال الناس، ولبيع بضاعتهم بشكل أسرع، وتفاديًا لكسادها.
وأضاف حسين أن الإقبال من المشترين ضعيف جدًا في السوق، إذ خسر خلال يومين 400,000 ليرة سورية، أي نحو 34 دولارًا، بسبب تلف بضاعته، نتيجة عدم إقبال الزبائن.
وفضّل البائع المتجول حسين، الذي عاد من تركيا مؤخرًا، البقاء داخل السوق وعدم عرض بضاعته خارجه، رغم خسارته، تفاديًا للاصطدام بدوريات البلدية، والتعرض لغرامة مالية أو مصادرة لبضاعته.
ويتمنى حسين عودة الباعة إلى السوق، حتى يزيد الإقبال من المشترين، وبالتالي يعم الربح على الجميع.
ويوافقه محمد حموش، أحد الباعة المتجولين الذين دخل اسمهم في القرعة، بأن البيع سيزداد للجميع في حال التزموا داخل الساحة.
محمد عاد للبيع على الدوار، بعد انتقاله للساحة، وقال إنه سيلتزم بالبقاء بالسوق حال تنفيذ القرار على كل “البسطات”.
وذكر محمد، خلال حديثه إلى عنب بلدي، أن العديد من المناطق القريبة من “الحلوينية” ما زالت تعج بـ”البسطات”، في حين أن الضابطة البلدية تركز عليهم فقط دون غيرهم.
بالمقابل، فإن بعض أصحاب “البسطات” حجزوا مكانًا داخل السوق المخصص لهم، إلا أنهم لا يذهبون إليه مطلقًا، وفق محمد، لأنهم غير مضطرين للذهاب إلى الساحة.
محمد، الذي يبيع الخضراوات على سيارة عند “الحلوينية” منذ ثماني سنوات، كان أحد الباعة داخل “السوق المغطى” منذ 20 عامًا، مستذكرًا تلك الأيام التي كانت تشهد ازدحامًا وبيعًا وفيرًا، بعكس الفترة الحالية.
“السوق المغطى”المشتري لا يدخل السوقسوق “الحلوينية” أو ما يُعرف عند أهل المنطقة بـ”السوق المغطى”، كان يضم عشرات البائعين، ضمن مساحة مخصصة لهم، ويقصدهم الناس نظرًا إلى انخفاض أسعار بضائعهم.
ومع دخول “الجيش السوري الحر” إلى المنطقة، بعد منتصف عام 2012، انحسر دور هذه المنطقة، ثم انتهى دورها تدريجيًا.
وبعد سقوط النظام، حاول بعض الناشطين، بالتعاون مع مجلس المدينة، ترميم المكان لإعادة استقبال البائعين، وإحياء السوق من جديد، إلا أن عملية انتقالهم تأخرت عدة أشهر، ما أدى إلى انتشار “البسطات” في الشوارع الرئيسة واعتياد الناس الذهاب إليهم.
لم يبع محمود حموش، خلال وجوده في الساحة المخصصة لـ”البسطات”، سوى بمبلغ 50,000 ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 4.2 دولار، بسبب الإقبال الضعيف على السوق.
وقال محمد لعنب بلدي، إن المشترين، خاصة في شهر رمضان، يفضلون الشراء من خارج السوق، بسبب بعده عن المارة.
ويرجح محمد أن تزداد الحركة بعد شهر رمضان، حيث يرغب المشترون بالمشي أكثر، ويمكنهم التوجه لأماكن أبعد.
من جانب آخر، يرى أن المساحة الممنوحة لأصحاب “البسطات” غير كافية، حيث منحتهم اللجنة المنظمة مساحة مترين عرضًا وثلاثة أمتار طولًا.
وحول طلب المزيد من المساحة، أشار محمد إلى أنهم طلبوا ذلك من اللجنة، والأخيرة وعدت بدراسة الأمر.
التقصير من البلديةمن جانبه، عزا مسؤول مكتب المتابعة بالكتلة الثالثة في محافظة حلب، عمر البيسكي، الإقبال الضعيف في سوق “الحلوينية” إلى تقصير الضابطة البلدية في مخالفة التعديات على الأرصفة من قبل المحال.
وقال عمر لعنب بلدي، إن مكتب المتابعة في الكتلة الثالثة يمنع، خلال جولاته، أصحاب المحال من التجاوز وعرض بضائعهم على الرصيف، والاكتفاء بعرضها داخل المحل، إلا أن البلدية لا تحرر المخالفات بحقهم.
وأكد عمر أن البلدية توجه إنذارات أو مخالفات بعد ضغط شديد عليهم لتحريرها.
ما آلية منح المساحةحول آلية منح المساحة داخل سوق “الحلوينية” لأصحاب “البسطات”، أوضح مسؤول مكتب المتابعة في الكتلة الثالثة، عمر البيسكي، أنهم اجتمعوا مع الباعة لاستعراض اقتراحاتهم.
وأشار إلى أن اللجنة خططت السوق وقسمته إلى أقسام، وسجّلت أسماء أصحاب “البسطات” ومنحتهم مساحات بناء على قرعة.
وبحسب البيسكي، قسمت الكتلة الثالثة السوق إلى 178 قطعة، بعد تخطيطه من إحدى المهندسات العاملات في الكتلة، في حين أن 98 شخصًا انتقلوا إلى السوق.
وبالتعاون من الضابطة المركزية، تجري الكتلة جولات شبه يومية لنقل المخالفين، مشيرًا في الوقت ذاته، إلى أنهم صادروا عددًا محدودًا من “البسطات”.
وتتمثل المرحلة المقبلة، وفق البيسكي، بإغلاق المحال المخالفة و”تشميعها”، ومصادرة “البسطات” التي لم تلتزم بالقرار.
ووفق أصحاب “بسطات” التقتهم عنب بلدي، فإن الكتلة والضابطة اتفقت معهم على منحهم مهلة للنقل بعد عيد الفطر المقبل.
وتضم الكتلة الثالثة الأحياء التالية: هنانو والنهضة والحلوينية وجورة عواد وضهرة عواد وكرم الجبل وقارلق وتربة لالا وكرم القاطرجي وكرم الميسر ودويرينة وجبرين والمالكية والنيرب.
حملات متكررةفي الأسبوع الأول من شباط الماضي، نظم عدد من أصحاب “البسطات” وسط مدينة حلب احتجاجات، اعتراضًا على حملات تنفذها البلدية لإزالتها، ودعوا إلى التراجع عما وصفوه بقطع أرزاقهم، مؤكدين أن هذه “البسطات” تمثل مصدر الدخل الأساسي لهم ولعائلاتهم، في ظل ظروف معيشية صعبة وغياب بدائل حقيقية للعمل.
أصحاب “بسطات”، أوضحوا لعنب بلدي في تقرير سابق، أن اللجوء إلى البيع عبر العربات أو “البسطات” جاء نتيجة البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرين أن العمل في الشارع ما هو سوى حل اضطراري لتأمين الحد الأدنى من الدخل.
ويرى عدد من سكان مدينة حلب، التقتهم عنب بلدي، أن انتشار “البسطات” والعربات الجوالة ينعكس سلبًا على حركة المرور والمشاة، خصوصًا في الشوارع الضيقة والمكتظة أصلًا.
وأشار بعض الأهالي إلى أن وجودها بشكل عشوائي يؤدي إلى ازدحام مروري، ويعوق وصول السيارات والمارة، فضلًا عن التأثير على المشهد العام للمدينة.
ورغم تفهم شريحة من الأهالي للظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها أصحاب “البسطات”، فإنهم أكدوا أهمية إيجاد حلول تنظيمية توازن بين حق العمل، والحفاظ على انسيابية الحركة في مركز المدينة، معتبرين أن المشكلة لا تكمن في وجود “البسطات” بحد ذاته، بل في غياب إطار واضح ينظم أماكنها وآلية عملها.
وفي 23 من شباط الماضي، عقد محافظ حلب، عزام الغريب، اجتماعًا، ضم مسؤولين في المحافظة إلى جانب معاون مدير الأمن الداخلي للشؤون الشرطية، ومسؤولي الكتل، لبحث تنظيم الأسواق و”البازارات” ومعالجة “البسطات” العشوائية.
وجرى خلال الاجتماع استعراض المواقع المقترحة لإقامة أسواق بديلة، مع التأكيد على تثبيت ملكية الأراضي، وإعداد مخططات تنظيمية واضحة، وإخلاء المواقع التي يتوفر لها بديل مناسب، وفق ما ذكرته المحافظة.
وناقش المجتمعون ضرورة إنجاز إحصاء شامل لـ”البسطات”، ووضع آلية واضحة لنقلها وتنظيمها، وبحث تشكيل جمعية تمثل الباعة الجوالين لتعزيز التواصل.
وأكد المحافظ، بحسب البيان، اعتماد مسار متدرج يجمع بين إحداث أسواق ثابتة وتنظيم “البازارات”، بما يسهم في الحد من انتشار “البسطات” العشوائية وتحسين الواقع الخدمي.
وخلص الاجتماع إلى تشكيل جمعية للباعة الجوالين، وإحداث لجان إدارية للأسواق لتنظيم توزيع المواقع والتنسيق، واختيار موقع سوق واحد على الأقل في كل كتلة والبدء تدريجيًا، وتكثيف ضبط “البسطات” خارج الأسواق المنظمة.
Related
إقرأ المزيد


