الدراما الرمضانية.. حين تتمسك الحياة بنفسها
عنب بلدي -

أحمد عسيلي

الحرب في المنطقة ما زالت مستمرة، إيران تضرب في كل مكان، وتحطم الصورة التي بُنيت في الخيال عن مدن الثراء، لبنان أيضًا يتعرض للقصف، كما تتعرض له أيضًا بعض المناطق السورية، عشرات الآلاف ينزحون إلى كل مكان، تل أبيب تشتعل، دول أوروبية تهدد بدخول الحرب، وأوضاع اقتصادية تزداد تأزمًا، ومع كل ذلك، لم تتأثر الدراما في موسمها الرمضاني هذا، فالناس ما زالوا يشاهدون المسلسلات ويعلقون عليها، يحاولون التكهن بسير الأحداث للحلقات المقبلة، يسخرون من أداء بعض الممثلين، ويبدون إعجابهم بآخرين، فارس الحلو عاد إلى الشاشة بقوة، تيم حسن أصبح “تريند”، مي عمر تكرر نفسها كالعادة، و تتربع على عرش المشاهدات أيضًا كالعادة.

قد يبدو هذا الأمر غريبًا للبعض، كيف يمكن للناس أن يتابعوا المسلسلات ويتحدثوا عنها بينما تعيش المنطقة كل هذا التوتر؟ لكن الحقيقة أن هذا الأمر ليست استثناء، بل ربما هي الحالة الأكثر طبيعية، فهذه الظاهرة انتبه إليها علماء النفس منذ زمن طويل، منذ سيغموند فرويد، مؤسس التحليل النفسي، الذي كتب عن هذه المسألة نصًا شهيرًا عنوانه “أفكار حول زمن الحرب والموت”، نشره خلال الحرب العالمية الأولى، يلاحظ فرويد أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وهو يضع فكرة الموت في مركز وعيه طوال الوقت (أليس هذا ما نفعله في حياتنا اليومية)، لأن النفس البشرية تحتاج دومًا إلى نوع من النسيان العملي لفنائها، بل يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول، إن في اللاوعي لدى كل واحد منا قناعة ما بأنه خالد، ليس بمعنى أننا نعتقد فعلًا أننا لن نموت، بل لأن النفس لا تستطيع أن تنظم حياتها اليومية على أساس حضور الموت الدائم.

لقد اختبر السوريون أيضًا هذه الحقيقة خلال سنوات الحرب الطويلة، وربما لهذا تبدو هذه المفارقة أقل غرابة لمن عاش تجربة الحرب عن قرب، هنا يجب أن أشير إلى كتاب مهم أعدّه كقارئ من أبرز الوثائق التي سجلت الحياة في أوقات الحصار، وهو كتاب “حمص.. الحصار العظيم” للكاتب وليد الفارس. يروي الفارس في هذا الكتاب تفاصيل الحياة في الأحياء المحاصَرة في حمص خلال 700 يوم، حيث كان الحصار خانقًا في مساحة جغرافية ضيقة، ومحاطة بعشرات الآلاف من مجرمي الأسد، ومع ذلك، يذكر الكاتب أن الحياة الطبيعية لم تتوقف، كانت تقام حفلات الأعراس، وتُعقد مناسبات عائلية، ويعيش الناس حياتهم بكل تفاصيلها اليومية.

ما يرويه الفارس في هذا الكتاب يشبه كثيرًا ما أخبرني به بشكل شخصي طبيب الأسنان ابن طرطوس سالم أبو النصر، الذي عاش فترة حصار حلب قبل أن يخرج مع كثير من سكانها نحو تركيا بعد سقوط المدينة بيد النظام السابق، روى لنا سالم تفاصيل تبدو بسيطة لكنها شديدة الدلالة، الناس كانوا يعالجون أسنانهم ويهتمون بصحتهم ومظهرهم، بل ويقرؤون الكتب ويتابعون صدور الروايات الجديدة، كل ذلك كان يحدث في مدينة كانت توصف آنذاك بأنها الأخطر في العالم، ومع ذلك لم تختفِ فيها مظاهر الحياة اليومية، وكأن المجتمع قادر على أن يحافظ على قدر من طبيعته حتى في قلب الخطر.

فرويد، تحدث عن صراع دائم في النفس البشرية بين غريزة الحياة وغريزة الموت، “الإيروس” التي تدفع الإنسان إلى الحب والارتباط والاستمرار، بينما النزعة التدميرية أو “الثاناتوس” تظهر في العنف والحروب، غير أن المفارقة التي لاحظها فرويد وغيره من الباحثين هي أن اشتداد حضور الموت لا يؤدي إلى اختفاء إرادة الحياة، بل يحدث غالبًا العكس تمامًا، كلما اقترب الموت أكثر، اشتدت أيضًا رغبة الإنسان في التمسك بالحياة، هل تتذكرون حديث الرسول بأنه “إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها”، أرى هذا المشهد تمامًا، وأعتقد أن آخر إنسان على وجه الأرض سيغرس فسيلة ما فعلًا، أعرف أن هذا خيال، لكنه مستمد من خبرتنا كسريريين يعرفون سر النفس البشرية و تمسكها بالحياة.

حتى بعد الحرب العالمية الأولى، الأكثر فتكًا، شهدت دول أوروبية كثيرة ارتفاعًا واضحًا في معدلات الولادات، وكأن المجتمعات كانت تحاول بصورة غير واعية أن تعيد تأكيد استمرارها بعد سنوات من الفناء، وفي الحرب العالمية الثانية أيضًا، وعلى الرغم من القصف الألماني العنيف الذي تعرضت له لندن، استمرت المسارح في العمل وأقيمت الحفلات الموسيقية، هل أزودكم بمثال أقرب؟ اقرؤوا “ويلات وطن” لروبرت فيسك، فقد ذكر فيه كيف كانت أمسيات بيروت تعج بالصخب والحياة، بينما سماؤها تتقاذفها الصواريخ بين الفصائل المتصارعة.

في مجتمعاتنا، كانت الدراما الرمضانية واحدة من أهم وأجمل عاداتنا، يتسمك بها الناس لأنهم، سواء عن وعي أو لاوعي، بحاجة للإحساس بطبيعية الحياة وروتينها، فهذا يحفظ توازنهم النفسي، ويزيد بهجة الحياة، هذا ليس انفصالًا عن الواقع، بل تمسك به وبقوة.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد