عنب بلدي - 3/15/2026 1:59:07 PM - GMT (+2 )
دمشق – غنى جبر
تعتبر منطقة برزة البلد في دمشق نموذجًا واضحًا للتحديات العمرانية والاجتماعية التي تواجه الأحياء العشوائية في العاصمة السورية.
شهدت المنطقة تزايدًا سكانيًا كبيرًا واكتظاظًا في السنوات الماضية، أدى إلى توسع غير مخطط له للمنازل السكنية وانتشار الأحياء بشكل عشوائي، ما انعكس على البنية التحتية ومستوى الخدمات الأساسية.
وتتشارك عدة عائلات في المبنى الواحد، كما يشهد الحي ضعفًا في شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي، بالإضافة إلى ضعف الطرق ومستوى النظافة العامة، وفق شهادات السكان.
وقد اتخذت الجهات المعنية في النظام السابق خطوات لإعادة تنظيم المنطقة، لاقت انتقادات وتشكيكًا، وتضمنت إخلاء بعض المباني وإزالة العشوائيات، بهدف توفير وحدات سكنية جديدة، وفق ما أعلن عنه سابقًا.
تنظيم الأحياء العشوائية بدل إخلائهاتواجه المناطق العشوائية مشكلات، منها عدم انتظام التغذية الكهربائية نتيجة الضغط المتزايد الذي لا يتناسب مع الحمولات المتاحة، والتوسع العمراني غير المدروس، وتدني مستوى النظافة العامة، بحسب وحيد سلمان، وهو مهندس ميكانيكي، وأحد سكان حي البيادر في برزة البلد منذ نحو 30 عامًا.
وحيد ذكر أن التعويض المالي لإخلاء الحي لا يمكّن العائلات من تأمين سكن بديل، وأن الخيار المفضل للسكان هو التنظيم في الموقع نفسه، لضمان الحفاظ على الروابط الاجتماعية ومساحات السكن التي تؤوي أحيانًا أكثر من عدة عائلات في المبنى الواحد.
ودعا وحيد إلى تبني حلول تنظيمية شاملة تحول هذه البقع العشوائية إلى مناطق حضارية، تتوفر فيها بنية تحتية متكاملة من شبكات صرف صحي وكهرباء ومياه تتناسب مع الكثافة السكانية الحالية.
مخاوف من الإخلاءمحمد، وهو أحد الشبان السوريين العائدين من الاغتراب للسكن مع عائلته في منطقة برزة البلد، أبدى تأييده لفكرة التنظيم العمراني كحل جذري لتحسين الواقع السكني، بشرط أن تضمن هذه المشاريع حقوق القاطنين.
وتحدث محمد عن حجم التحديات الاقتصادية والخدمية التي تواجه سكان هذه المناطق.
فيما أبدى “أبو أسامة”، وهو أحد سكان حي برزة البلد، وصاحب محل تجاري صغير، موقفًا حازمًا برفضه القاطع لأي قرار إخلاء يعتمد فقط على التعويض المالي أو الأسهم التنظيمية، ويرى أن البديل السكني الجاهز هو الشرط الوحيد لمغادرة منازلهم.
تحديات كثافة السكان والملكيةتتسبب العشوائيات في مناطق برزة البلد بصعوبة تطبيق المخططات التنظيمية، جراء الكثافة السكانية العالية واختلاف حقوق وأنواع الملكيات، وفق المهندسة المعمارية رهف جبر، وهي من سكان حي برزة البلد.
وقالت رهف لعنب بلدي، إن سكان هذه المناطق يعانون من ضعف البنية التحتية والخدمات، إضافة إلى سوء ربط المنطقة بالطرق، ما يزيد من صعوبة الوصول وارتفاع التكاليف اليومية.
وحول الحلول، قالت إنه يجب إعداد مخططات تنظيمية متكاملة تخدم السكان والمنطقة في آن واحد، مع تنفيذ سريع وتأمين سكن بديل قريب خلال فترة التنظيم لضمان سهولة الإخلاء والانتقال.
وعن إمكانية إزالة الأبنية، اقترحت إعادة تنظيم المنطقة مع استصلاح الأبنية الجيدة بدل الهدم الكامل، لما يترتب عليه من تكاليف اقتصادية عالية.
التعامل العلمي مع التعقيداتقال رئيس جمعية المعماريين السوريين، محمد عساف، إن تقييم المشاريع العمرانية الكبرى يجب أن يتم عبر لجان استشارية متخصصة في النقد المعماري، قادرة على تقييم الأعمال ووضع المعايير للوصول إلى أفضل الخيارات.
وأضاف عساف، في حديث إلى عنب بلدي، أن دمشق تحتاج إلى أفكار جديدة للتعامل مع المدينة، مشيرًا إلى أن حجم المشكلات العمرانية، اليوم، كبير، لكنه قابل للحصر والدراسة، وأن التعامل العلمي مع هذه التعقيدات يمكن أن يقود إلى حلول أكثر دقة وفاعلية.
ويرى عساف أن الوصول إلى الحل الأمثل يتطلب التعامل مع جميع الإشكاليات ضمن معادلة واحدة، بدلًا من معالجة كل مشكلة بشكل منفصل. فهذا يؤدي إلى تقليص الحلول، بحيث يبقى عدد محدود من البدائل التي يمكن المفاضلة بينها.
وتعد منهجية “نمذجة المشكلات” في التصميم، بحسب عساف، من الأساليب العلمية الأكثر دقة، إذ قد يعتقد البعض أن إدخال جميع المشكلات في عملية التحليل سيؤدي إلى تعقيد المسألة، إلا أن تعقيد المسألة وتحليلها بشكل شامل يقود في النهاية إلى تحديد الحل الأنسب بدقة.
وأضاف أن تصميم المدن الجديدة، يجب أن يأخذ بعين الاعتبار مختلف الإشكاليات المرتبطة بالمدينة، فالمسألة لا تتعلق فقط بتوفير السكن، بل ترتبط أيضًا بالبنية التحتية، والاستدامة، وتأمين الطاقة، واستخدام الموارد الطبيعية والبشرية وموارد الدولة بشكل متوازن.
ضيق المساحات العشوائيةوفيما يتعلق بضيق المساحات في المناطق العشوائية، أكد رئيس جمعية المعماريين السوريين، محمد عساف، أن العشوائيات ليست ظاهرة محلية بل موجودة في مختلف دول العالم، إلا أن طرق التعامل معها تختلف من بلد إلى آخر، فبعض الدول تلجأ إلى الإزالة القسرية، مثل السعودية، التي عملت على إزالة مناطق عشوائية بالكامل دون تعويض الأهالي.
وشدد عساف على أن تصميم المكان يؤثر في سلوك المجتمع، موضحًا أن الحلول الحديثة يجب أن تعتمد على مفاهيم الاستدامة والاستفادة من التقنيات المتطورة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، لتحليل البنية الاجتماعية للمناطق العشوائية وتحديد آليات إعادة تنظيمها بشكل يحافظ على الترابط الاجتماعي للسكان، مؤكدًا أن أي قرار غير مدروس قد يؤدي إلى تفاقم المشكلة بدلًا من حلها.
التقنيات الحديثة في تنظيم العشوائياتيمكن أن تلعب التقنيات الحديثة دورًا مهمًا في دعم التخطيط العمراني، مثل استخدام الاستبانات الإلكترونية لجمع بيانات دقيقة من السكان حول احتياجاتهم الاجتماعية والسكنية، بحسب عساف.
وأضاف أن تصميم هذه الاستبانات بطريقة علمية يسهّل تحليل البيانات واستخلاص النتائج.
كما لفت إلى إمكانية استخدام المسح ثلاثي الأبعاد عبر السيارات أو طائرات “الدرون”، لإنتاج نماذج رقمية دقيقة للمناطق المراد دراستها، ما يسرّع عملية إعداد المخططات العمرانية.
وأوضح أن الهدف من هذه الأدوات هو مساعدة المخططين على فهم الواقع بشكل أفضل، لأن بعض الحلول قد تكون موجودة ضمنيًا لدى السكان أنفسهم، لكنهم لا يملكون الوسائل للتعبير عنها.
خارطة استثماريةكشف المهندس محمد عساف، أنه سبق أن طرح أمام رئاسة الجمهورية، خلال المنتدى السعودي للاستثمار، فكرة إعداد خريطة استثمارية لمدينة دمشق، تقوم على شراكة بين الدولة والمستثمرين والسكان.
وأوضح أن هذه الخريطة تقوم على مبدأ العمل التشاركي، بحيث تُبنى العلاقة بين الأطراف الثلاثة بطريقة صحية ومتوازنة.
وقال إن الفكرة تعتمد على دراسة تجارب مدن مشابهة في العالم، ثم تطويرها بما يتناسب مع الواقع المحلي، وإن التخطيط لا يعني اختراع نماذج جديدة بالكامل، بل الاستفادة من الخبرات العالمية وتكييفها مع الظروف المحلية.
تشريعات عمرانية تسمح بالتمددوعن انتشار البناء العشوائي خلال السنوات الماضية، اعتبر المهندس عساف، أن ذلك يمثل سلوكًا طبيعيًا ناتجًا عن حاجة الناس إلى السكن وازدياد عدد السكان.
فغالبًا ما يلجأ الأفراد إلى البناء قرب عائلاتهم أو ضمن محيطهم الاجتماعي، لتقليل التكاليف.
وأوضح أن العشوائيات هي في جوهرها نتيجة خاطئة لطلب مشروع، وأن الحل يكمن في تطوير تشريعات عمرانية تسمح بتمدد سكني منظم، وتمنع تحول الحاجة الطبيعية إلى مخالفات عمرانية.
وفي تقييمه للواقع العمراني في منطقة برزة البلد بدمشق، أشار إلى أن للمنطقة خصوصية اجتماعية وعمرانية، معتقدًا أن محافظة دمشق ومديرية التخطيط العمراني تمتلكان دراسات ومعلومات كافية، يمكن البناء عليها لوضع رؤية أولية للتطوير.
عساف، شدد على ضرورة دراسة ارتباط برزة بمحيطها العمراني، بما في ذلك علاقتها مع الأحياء المجاورة مثل ركن الدين واتجاهات التوسع العمراني نحو التل أو الغوطة، قبل وضع أي خطة تنفيذية.
وأكد أن إعداد خطة تنفيذية واضحة بجدول زمني محدد هو الخطوة الأساسية للبدء بالتنفيذ، مشيرًا إلى أن غياب هذه الخطط يؤدي غالبًا إلى بقاء المشاريع في إطار النقاش دون تحقيق نتائج ملموسة.
وختم رئيس جمعية المعماريين السوريين، محمد عساف، حديثه بأن العنصر البشري هو نقطة البداية والنهاية في أي عملية تخطيط عمراني، إذ يجب أولًا دراسة المجتمع القاطن في المنطقة وفهم تركيبته الاجتماعية قبل الشروع في أي مشروع تنظيمي.
وأشار إلى أن البنية التحتية تلعب دورًا أساسيًا في تشكيل طبيعة التخطيط العمراني، كما تنعكس بشكل مباشر على الواقع الاجتماعي للسكان. لذلك يجب أن تنطلق خطط البنية التحتية من قراءة واقعية للبيئة والموارد المتاحة.
ولفت إلى أن بعض المدن المدمرة أو المتضررة قد تواجه تحديات أكبر بسبب تضرر البنية التحتية، في حين تمتلك مناطق أخرى مثل برزة شبكات قائمة يمكن البناء عليها وتطويرها.
Related
إقرأ المزيد


