نقد هدّام!
غزوان قرنفل
يشيع في الخطاب السياسي والإعلامي تعبير يبدو للوهلة الأولى لطيفًا هو “النقد البنّاء”، حيث يقدم هذا المصطلح غالبًا باعتباره الشكل المحبّذ والمرغوب من النقد وخاصة من قبل الجهات أو السلطات التي يتم انتقادها، في مقابل ما يسمى “النقد الهدّام” المدمر والمهدد لبنيان الدولة كما يصوره مطبّلو كل السلطات والحكومات على مر الأزمان، غير أن التأمل في طبيعة النقد وغرضه، يقودنا إلى نتيجة مختلفة تمامًا، فالنقد في جوهره لا يمكن أن يكون إلا هدّامًا، لأن وظيفته الأساسية هي هدم فكرة أو سياسة يعتقد الناقد بفسادها أو خطئها، أما وصف النقد بالبنّاء فليس في كثير من الأحيان سوى صيغة لغوية مهذبة تحاول بها السلطة التخفيف من وقع النقد أو تطويعه بما لا ينال من هيبتها أو يهدد موقعها.
إن فكرة النقد تقوم أصلًا على تسليط الضوء على خلل ما في فكرة أو قرار أو إجراء أو سياسة عامة دون الاكتفاء بالإشارة إلى هذا الخلل، بل العمل على تعريته وتحليله وإظهار خطورته وعدم صوابيته، وتقديم ذلك للجمهور بصورة واضحة ومقنعة، بغاية هدم تلك الفكرة أو هذا القرار، أو على الأقل دفع الجهة التي اتخذته إلى مراجعته والتراجع عنه، فالنقد إذًا ليس تمرينًا لغويًا ولا نشاطًا استعراضيًا، بل هو فعل فكري يهدف إلى هدم وإزالة ما هو خاطئ أو ضار، ولهذا فإن وصف النقد بالهدّام ليس تهمة بقدر ما هو وصف دقيق لطبيعته.
فالناقد حين ينتقد سياسة اقتصادية مثلًا، فهو يحاول هدم الأساس الذي قامت عليه تلك السياسة، لأنه يرى أنها تقود إلى نتائج كارثية، وحين ينتقد إجراء أو قرارًا إداريًا أو قانونًا معينًا يراه معيبًا، فإنه يسعى إلى إبطال شرعيته أو إظهار تعارضه مع الدستور أو مع القواعد القانونية أو مع مصالح المجتمع، وفي أحيان كثيرة يكون الهدف من النقد التحذير من أضرار مرجّحة قد تنجم عن الاستمرار في تلك السياسات أو الإجراءات، قد تكون أضرارًا واسعة النطاق وربما يصعب تدارك آثارها لاحقًا.
من هنا يصبح النقد أداة ضرورية لحماية المجتمعات من أخطاء السلطة أو من انحرافات القرار العام بوصفه قرارًا بشريًا، وبالتالي هو قرار لا يتسم بالعصمة وقابل للزلل والخطأ، وكل سلطة مهما بلغت من الكفاءة معرضة لأن تخطئ في التقدير أو أن تنحرف في الممارسة، أو أن تتعسف في الأداء.
فالنقد إذًا هو الآلية التي تسمح بكشف هذه الأخطاء قبل أن تتحول إلى كوارث، لذلك فإن المجتمعات التي تتيح النقد الحر هي المجتمعات الأكثر قدرة على تصحيح مسارها وتصويب أخطائها، لأنها تمتلك جهاز إنذار دائم يكشف الخلل ويضغط باتجاه إصلاحه.
لكن المشكلة تظهر عندما تتعامل السلطة مع النقد بوصفه تهديدًا وليس ضرورة وحاجة، ففي كثير من الأنظمة السلطوية يضيق المجال أمام النقد، ويعاد تعريفه بطريقة تفرغه من مضمونه، وهنا يطل مصطلح “النقد البنّاء” برأسه، بوصفه النمط المحبب والمقبول للتعبير باعتباره نقدًا لطيفًا ومهذبًا ومحدود الأثر، لا يقترب كثيرًا من جوهر القرار ولا يهز أساس السياسة المتبعة، إنه نقد يسمح له بأن يهمس لكن لا يسمح له بأن يصرخ، ولذلك فهو لا يعدو عن كونه مجرد جراحات تجميلية لسلطة ترتعد من الحريات وتهلع من الرأي المغاير وتعتقد أنها وحدها من يملك الحقيقة، وأن كل ما يخالف تلك الحقيقة المتوهمة هو شيء متوحش ينشب مخالبه في جسد الدولة ويعمل على هدم بنيانها، ولطالما كان ذلك جزءًا من ترنيمة كل الدول السلطوية التي تضيق ذرعًا بأي شكل من أشكال ومستويات النقد لأدائها، وتحاول تجميل ذلك بزعم أنها ليست ضد “النقد البنّاء” لكنها تخشى على “الوطن” من أولئك الناقدين الهدّامين، وغالبًا ما يكون ذلك وسيلة لرفض أي نقد حقيقي، لأن كل نقد جاد بطبيعته يهدم رواية رسمية أو يزعزع يقينًا مفترضًا يصبح في نظر السلطة “هدّاما”.
لا شيء يثبت في وقائع التاريخ المعلوم أن الدول تضعف بسبب النقد، بل على العكس، هناك ما يثبت أنها تتفكك وتتحلل بسبب غيابه، فالقرارات والسياسات الخاطئة التي لا تواجه بالاعتراض ولا بالتدقيق تستمر، وتتضخم آثارها حتى تتحول إلى أزمات عميقة غالبًا ما تنهك الدولة نفسها وتسهم في تحللها، أما النقد فحتى وإن بدا قاسيًا أو “هدّامًا”، فإنه في النهاية يسهم في تصحيح المسار قبل فوات الأوان.
ولهذا فإن المجتمعات المتعافية لا تخاف من النقد، بل تعتبره جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة، وهي تدرك أن هدم الأفكار الخاطئة هو شرط أساسي لبناء أفكار أفضل، لأن الهدم هنا ليس غاية في ذاته، بل خطوة ضرورية لإزالة ما يعوق التقدم.
ولذلك فإن الخوف الحقيقي لا يجب أن يكون من “النقد الهدّام”، بل من غياب النقد نفسه، لأن الصمت هو البيئة المثالية لتكاثر ونمو الأخطاء واستفحالها.
Related


