عنب بلدي - 3/19/2026 1:47:13 AM - GMT (+2 )
بعد عقود من اعتماد نشيد “حماة الديار” الذي كتبه الشاعر السوري خليل مردم بك في ثلاثينيات القرن الماضي، عاد النقاش حول النشيد الوطني في سوريا إلى الواجهة، مع إعلان وزارة الثقافة إطلاق مسابقة لاختيار نشيد جديد.
ودفع هذا الإعلان شعراء سوريين إلى التقدم بنصوصهم، سعيًا لترك بصمة في مرحلة جديدة تشهدها البلاد بعد سنوات طويلة من الدكتاتورية.
وتزايدت لدى السوريين الرغبة في استبدال نشيد “حماة الديار”، بعدما ارتبط في الذاكرة الجمعية بدور الجيش خلال سنوات الحرب، حين تحوّل من مؤسسة يفترض بها حمايتهم إلى أداة لقتلهم، خاصة منذ اندلاع الثورة السورية وما رافقها من خسائر بشرية واسعة ودمار في البنية التحتية.
كما يجد الأدباء والشعراء فرصة لدخول التاريخ في هذه المرحلة الحساسة، التي ترسم ملامح البلاد للسنوات المقبلة.
بالمقابل، فإن جدلًا دار حول ثلاثة محاور رئيسة، الأول يتعلق بالنصوص المختارة، بين من أعجب بها، وبين من انتقدها، أما المحور الثاني فيتعلق بمشاركة وزير الثقافة، محمد ياسين صالح، ومدير مديريات الثقافة، الشاعر أنس الدغيم.
ويتعلق المحور الثالث بدستورية وقانونية اختيار النشيد الوطني، في ظل مجلس شعب معلق، لم يعقد جلسته الأولى بعد، إذ إن المادة “5” من الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 من آذار 2025، تضمنت أن “شعار الدولة ونشيدها الوطني يحددان بقانون”.
في ذكرى “التحرير”بالتزامن مع ذكرى “التحرير” في سوريا، في 8 من كانون الأول 2025، أطلقت وزارة الثقافة مسابقة لكتابة النشيد الوطني وتلحينه، وحددت الشروط التي يجب أن تتوفر في النصوص الشعرية التي يرغب أصحابها بالتقدم للمشاركة في المسابقة.
شملت الشروط الفصاحة والجزالة من خلال نص شعري فصيح بلغة رفيعة، والرمزية والهوية التي تعكس الانتماء، وأن يتضمن النص معاني وقيم الكرامة والنصر والشهداء والوحدة الوطنية.
كما شملت شروط المسابقة الوزن والإيقاع، بحيث يكون النص قابلًا للغناء الجماعي مع إيقاع سلس ومنضبط، إضافة إلى الوضوح والجماهيرية بحيث يجمع النص بين العمق الأدبي وسهولة الحفظ والترديد.
وبخصوص اللحن، اشترطت الوزارة توفر عنصر الأصالة، وأن تكون الأنغام مبنية على المقامات الشرقية السورية “نهاوند” و”حجاز” و”راست”.
كما أن تحقق القوة التعبيرية وتبعث مشاعر “العزة والفخر الوطني”، وأن تتوفر فيه القابلية للأداء الجماعي، ويصلح للغناء عبر كورال وطني، ويواكب روح الأناشيد الوطنية الكبرى عالميًا.
وحددت الوزارة نهاية كانون الأول، كآخر موعد لتسليم النصوص، مما اعتبره الشعراء الراغبين بالتقدم، مهلة غير كافية.
الاعتراض الواسع على المهلة، دفع الوزارة إلى تمديدها، في 10 من كانون الأول 2025، حتى 10 من كانون الثاني الماضي، كما حذفت الشرط المتعلق بالمقامات الموسيقية.
وعادت القضية إلى الواجهة مجددًا بعد أن أطلقت وزارة الثقافة، في 16 من آذار الحالي، مسابقة تلحين سبعة نصوص، كشفت عن قبولها، تعود للشعراء: محمد أسعد طالب، وتميم اليونس، ومحمد المحمد جاسم، وكرمة عدنان مصطفى، وابراهيم سليم الحريري، وأيمن جبلي، إضافة إلى نص مشترك للدغيم وصالح.
“النشيد للسوريين”الإعلامي والشاعر أيمن الجبلي، وأحد الناجحين في مسابقة اختيار نص النشيد الوطني، اعتبر أن المشاركة في المسابقة “شرف يطمح إليه كل سوري حر”، وخطوة مهمة نحو تمكين الوحدة الوطنية والتعبير عن روح الشعب السوري.
وقال الجبلي، في حديث إلى عنب بلدي، إن النشيد الوطني هو رمز للشعب والوطن، و”يجب أن يعبر عن تطلعاتنا وأحلامنا كسوريين”.
وأكد الجبلي، من خلال مشاركته في هذه المسابقة، التزامه بتعزيز الهوية الوطنية السورية والمساهمة في بناء سوريا التي “تحمل روح الوحدة والتضامن بين المواطنين” وفق تعبيره.
وعن أهمية المشاركة في هذه المسابقة فإنها تتجلى في أربع نقاط، وفق ما يراه الجبلي، هي:
– تعزيز الانتماء الوطني والوحدة السورية.
– التعبير عن تطلعات الشعب السوري.
– المساهمة في بناء مستقبل سوريا.
– تعزيز الهوية الوطنية السورية.
ويعتقد الجبلي أن النشيد ليس لكاتبه أو لملحنه، بل هو للسوريين من دون استثناء، ومن هنا يأخذ “جلاله وجماله”، راجيًا أن ينال “هذا الشرف” وأن تكون قصيدته هي النشيد الفائز.
انتقادات لغويةبعد إعلان مسابقة التلحين، تداول السوريون النصوص المختارة، بين إبداء آراء مثنية عليها، أو على بعضها، وما بين انتقاد جزئيات منها، من حيث اللغة والتركيب والمواضيع.
الأكاديمي والشاعر، الدكتور محمد زكريا الحمد، انتقد النصوص السبعة المرشحة للنشيد الوطني السوري الجديد، وقال إنها تفتقر إلى الإيقاع البلاغي القوي، والصور الشعرية المؤثرة، والعمق الرمزي الذي يليق برمز سيادي يجمع السوريين.
وأضاف في حديثه إلى عنب بلدي أن معظمها يعتمد على لغة تقليدية مباشرة، خالية من الإيحاءات البلاغية العميقة، والتكرار الإيقاعي المناسب للإنشاد الجماعي، والتوازن بين الجمال اللفظي والمعنى الوطني الجامع، مشيرًا إلى وجود أخطاء أو هنات في العروض واللغة أحيانًا.
على جانب آخر، أشار إلى تضارب المصالح في مشاركة نص من تأليف الوزير نفسه، وقال إنه يثير تساؤلات حول الشفافية والحياد.
واعتبر الحمد أن النشيد الوطني يحتاج إلى إجماع شعبي وفني أعمق، لا قرارًا إداريًا سريعًا.
رأي قانونيالخبير القانوني والمتخصص في مجال حقوق الإنسان والقانون الجنائي الدولي، المعتصم الكيلاني، علق على إطلاق مسابقة لتلحين النشيد الوطني السوري بقوله، إن الفقه الدستوري يقضي بأن كل سلطة عامة تمارس صلاحياتها ضمن الحدود التي يرسمها الدستور والقانون، وهو ما يعرف بمبدأ الشرعية الدستورية.
ويعني ذلك، بحسب الكيلاني، أن السلطة التنفيذية لا تملك إنشاء أو تعديل قواعد قانونية ذات طبيعة سيادية إلا إذا فوضها القانون بذلك، معتبرًا أن اللجان الفنية أو العلمية هي هيئات استشارية لا تمتلك صلاحية اتخاذ قرارات سيادية أو تشريعية.
وتنص المادة “5” من الإعلان الدستوري السوري الصادر في 13 من آذار 2025، على أن “شعار الدولة ونشيدها الوطني يحددان بقانون”.
الخبير القانوني قال إن الإجراءات المعلنة، من حيث المبدأ، لا تشكل بحد ذاتها مخالفة دستورية طالما بقيت في إطار المبادرات الثقافية غير الملزمة قانونًا، لكن المخالفة الدستورية تظهر إذا كان الهدف من الإجراءات المعلنة تمهيد اعتماد نشيد وطني جديد بقرار إداري أو حكومي دون صدور قانون ينظم ذلك.
واعتبر أنه في هذه الحالة تكون السلطة التنفيذية قد تجاوزت حدود اختصاصها الدستوري، وتدخلت في مجال محفوظ حصرًا للسلطة التشريعية.
ويرى أن الإجراء الأنسب قانونيًا هو دعوى إلغاء قرار إداري لمخالفته الدستور والقانون وذلك أمام القضاء الإداري، إذ إن فإن أي مسعى لاعتماد نشيد وطني جديد خارج الإطار التشريعي المحدد دستوريًا يعد إجراء يفتقر إلى السند القانوني اللازم، بحسب الكيلاني.
“في سبيل المجد”الحمد يرى أن النصوص المختارة لا ترقى، في غالبها، إلى مستوى قصيدة “في سبيل المجد” للشاعر عمر أبو ريشة، الذي يجمع بين الجزالة والإيقاع والعاطفة الثورية، وفق تعبيره.
واقترح الحمد الإبقاء على “في سبيل المجد” مرحليًا، مع فتح مسابقة أوسع وأكثر احترافية.
وكتب الشاعر عمر أبو ريشة (1910-1990) نشيد “في سبيل المجد”، ولحّنه الأخوان اللبنانيان أحمد ومحمد فليفل.
واعتمد السوريون، مناصرو الثورة، على نشيد “في سبيل المجد” بعد انطلاقة الثورة السورية وسيطرتهم على كثير من المناطق، وكانوا يرددونه خلال الاجتماعات واللقاءات الرسمية كنشيد بديل لـ”حماة الديار”.
وعُزف النشيد السوري “في سبيل المجد” للمرة الأولى بعد سقوط النظام خلال مباراة ودية بكرة القدم بين المنتخب السوري والمنتخب اليمني في 15 من كانون الثاني 2025.
ونشر الاتحاد السوري لكرة القدم عبر حسابه في “إنستجرام” حينها، “عُزف النشيد الوطني للجمهورية العربية السورية في مباراة منتخبنا الوطني تحت 20 عامًا بمواجهة المنتخب اليمني الودية”.
ماذا تحمل الذاكرة عن “حماة الديار”.. سوريون ينشدون “في سبيل المجد”
Related
إقرأ المزيد


