فيديو المفطرين في حمص.. الخصوصية في مواجهة “التشهير الرقمي”
عنب بلدي -

أثارت حادثة جرت داخل أحياء مدينة حمص موجة واسعة من الجدل بعد انتشار تسجيلات مصوّرة التقطها أحد الأشخاص داخل منشأة سياحية (مقهى)، ظهر فيها رواد المكان وهم يدخنون ويأكلون ويتناولون المشروبات، قبل أن تُنشر المقاطع علنًا بهدف التشهير بهم تحت عنوان “انتقاد المفطرين في رمضان”.

الحادثة سرعان ما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي وأعادت إلى الواجهة النقاش حول حدود الحرية الشخصية، والحقوق القانونية المتعلقة بالخصوصية، وكيف يمكن للخطاب الديني والاجتماعي أن يتحول إلى وسيلة ضغط أو تحريض ضد أفراد في المجال العام.

تصوير دون إذن أو تضليل للوجوه

المنتقدون للفيديو المنتشر من داخل أحياء حمص قالوا إن ناشطًا دخل إلى أحد المقاهي في حمص والتقط مقاطع مصوّرة لمرتادي المكان دون علمهم، ثم نشر التسجيلات على منصة “فيسبوك” مصحوبة بتعليقات تُدين المفطرين في رمضان، مؤكدين أن هذا “تجاوز قانوني وأخلاقي واضح”.

وهذا هو العام الثاني على التوالي الذي يتكرر فيه تداول أخبار حول الإفطار العلني واستخدام وسائل التواصل كأداة للتشهير بات يثير تساؤلات أعمق حول الحدود التي يضعها القانون السوري لحماية خصوصية الأفراد.

رأي قانوني: نشر الفيديو جريمة معلوماتية مكتملة الأركان

المحامي السوري والخبير القانوني المختص بالقضايا المعلوماتية محمد دحية أوضح أن الفعل يدخل تحت طائلة قانون مكافحة الجريمة المعلوماتية، لعدة أسباب:

  • التصوير دون إذن: القانون السوري يمنع تصوير الأفراد في أماكن عامة أو شبه عامة إذا كان الهدف الإساءة أو الإضرار بسمعتهم، حتى لو لم يكن المكان مغلقًا.
  • النشر بقصد التشهير: نشر المقاطع عبر الإنترنت بهدف الإدانة أو التحريض يُعد جريمة يُحاسب عليها القانون ضمن مواد “النشر الإلكتروني المضر بالسمعة”.
  • توافر القصد الجرمي: العبارات المرافقة للفيديو، مثل “انتقاد المفطرين”، تؤكد أن الغاية من النشر هي التشهير وليس التوثيق أو النقد المحايد.

حول تصوير الأشخاص علنا دون علمهم أو إذنهم أكد دحية أن القانون السوري يحظر تصوير الأشخاص دون إذنهم، ويمنع التقاط صور أو تسجيلات للأفراد في أماكن عامة أو شبه عامة إذا كان الهدف منها الإضرار بسمعتهم أو خصوصيتهم، وحتى لو كان المشهد في منشأة سياحية، فإن نشره بقصد التشهير يرفع الفعل إلى مستوى الجريمة.

ونشر الفيديو على الإنترنت بقصد التشهير يندرج، بحسب الخبير القانوني، تحت المادة المتعلقة بالنشر الإلكتروني المضر بالسمعة في قانون الجريمة المعلوماتية، التي تعاقب من يقوم بنشر صور أو مقاطع فيديو للأفراد دون موافقتهم بهدف الإساءة أو التحريض على الضرر النفسي أو الاجتماعي.

القصد الجنائي

القانون يتطلب وجود قصد لدى الفاعل، وهنا القصد واضح من خلال نص الفيديو المنتشر على الفيسبوك تحت عنوان “انتقاد من يفطرون في نهار رمضان”، بحسب المحامي محمد دحية، ما يثبت أنه لم يكن مجرد تسجيل عابر بل هدفه التشهير والتحريض.

وبالنسة لنشر معلومات أو صور تخص شخصًا دون موافقته، يذكر المحامي السوري أنه في إطار تطبيق القوانين السورية السابقة (مثل المرسوم التشريعي رقم 17 لعام 2012)، هناك نص حول عقوبة الحبس من شهر إلى ستة أشهر وغرامة إذا تم نشر معلومات تنتهك خصوصية شخص دون موافقته حتى لو كانت صحيحة.

أما نشر محتوى يحتوى على صور أو فيديو دون إذن بغرض الأذى أو التشهير، فإن مثل هذه الأفعال تعد جزءًا من الجرائم المعلوماتية العامة وفق قانون الجريمة المعلوماتية السوري “رقم 20” لعام 2022 الذي وسّع نطاق العقوبات ليشمل مختلف أشكال الإساءة أو الأذى المُرتبط بالنشر الإلكتروني.

ويمكن تطبيق أحكام القانون على أي شخص ينشر عبر الشبكات الرقمية محتوى يخرق الحياء أو الخصوصية أو يدعو إلى الإضرار بسمعة الآخرين، وفقًا للمحامي ذاته.

العقوبة وفقًا لمضمون القانون

حسب قانون الجريمة المعلوماتية يعاقب بالسجن من شهر إلى ستة أشهر، كل شخص يرتكب جريمة نشر خصوصية أو معلومات أو صور أخرى دون موافقة صاحبها عبر الشبكة المعلوماتية وغرامة مالية تُحدد حسب خطورة الفعل والإضرار الناتج عنه.

وفي حال نشر محتوى “مخل بالحياء أو الآداب”، إذا كان نشر الصور أو المواد يحمل طابعًا مسيئًا إلى الحياء أو الآداب العامة، فقد تصل العقوبة وفق بعض مواد قانون الجرائم المعلوماتية الحديثة إلى: حبس من سنتين إلى ثلاث سنوات، وغرامة مالية تتراوح من ثلاثة إلى أربعة ملايين ليرة سورية.

وإذا كان الفعل موجهًا ضد قاصر، قد ترتفع العقوبة إلى خمس أو سبع سنوات سجن وغرامة أكبر، مع إمكانية امتداد العقوبة إذا تسبب الفعل في أضرار إضافية للأشخاص أو العائلات التي ظهرت في الفيديو.

الإفطار علنًا.. رأي القانون

من خلال تحري نصوص قوانين العقوبات العامة والخاصة في سوريا، يتضح أنه لا يحتوي مادة صريحة تعاقب الإفطار العلني في رمضان، وأن ما يشاع حول أن “المادة 208” من قانون العقوبات السوري تعاقب الإفطار العلني غير صحيحة، لأن هذه المادة لا تتعلق بهذه المسألة، بل بتحديد وسائل العلنية بالنسبة للأفعال الجرمية.

أي أنه في قانون العقوبات السوري لا توجد مادة صريحة تجرّم الإفطار في شهر رمضان بحد ذاته بشكل عام لكل الناس، وليس هناك نص على عقوبة محددة لمن يفطر لأسباب شخصية.

لكن يمكن أن تُطبَّق بعض المواد بشكل غير مباشر في حالات معيّنة، وفقًا للمحامي الدحية أهمها:

1. المادة 462 (إثارة النعرات الدينية)

وتنص على معاقبة من يقوم بأفعال أو أقوال من شأنها إثارة النزاع أو التوتر بين الطوائف.

وقد تُستخدم إذا كان الإفطار يتم بشكل استفزازي أو علني بقصد الإساءة للمشاعر الدينية.

2. المادة 463 (التعرّض للشعائر الدينية)

وتعاقب من يقوم بالتعرّض للشعائر الدينية علنًا أو ازدراء الأديان.

وفي بعض الحالات، يوضح المحامي ذاته، قد يُعتبر الإفطار العلني المتعمّد أمام الصائمين نوعًا من التعدّي على الشعائر إذا ترافق مع سلوك مسيء.

مضغ العلكة يودي إلى السجن

في آذار الحالي، تم توقيف موظفة في مدينة السلمية بمحافظة حماة لأنها كانت تمضغ العلك أثناء الدوام في رمضان، واعتُبر ذلك “جهرًا بالإفطار”.

واستمر التوقيف حوالي 5 ساعات فقط قبل الإفراج عنها بعد وساطات.

واستند التوقيف إلى “المادة 517” من قانون العقوبات السوري المتعلقة بمخالفة الآداب العامة، التي قد تصل عقوبتها نظريًا إلى ما بين ثلاثة أشهر وسنتين.

جذر تاريخي عثماني للعقوبات بحق المفطرين

في العهد العثماني، بحسب المحامي الدحية، لم يكن هناك قانون عقوبات حديثة مفصلة كما في الدول المعاصرة، بل كان النظام القانوني مزيجًا من: الشريعة الإسلامية، القانون السلطاني (القانوننامة)، الأعراف المحلية.

وكان السلطان يصدر قبل شهر رمضان، وثيقة تنظيمية تسمى “رمضان تنبيه نامه”، تضمنت تعليمات للحفاظ على حرمة الشهر، مثل: منع الأكل والشرب في الشوارع نهارًا، الالتزام بالصلاة والآداب العامة، مراقبة الأسواق والأسعار خلال الشهر.

ولم تكن عقوبة الإفطار محددة بنص واحد، حسب الخبير ذاته، لكنها كانت تدخل في باب تعزير السلطان أو القاضي، ومن صورها:

  • الحبس أو التوقيف المؤقت، وحلق شعر الرأس، واطلاق السراح في أول أيام العيد، بعفو عام من قبل السلطان.
  • الجلد التعزيري أحيانًا.
  • العقوبات الإدارية مثل إغلاق المحلات التي تقدم الطعام نهارًا.

وكانت السلطات العثمانية، تطبق هذه العقوبات خاصة إذا كان الإفطار علنًا في الأماكن العامة لأنه يعد انتهاكًا للنظام العام الديني.

وبالنسبة لعقوبة الإفطار في بعض الدول العربية، يعاقب من يفطر علنًا في الأردن بالحبس حتى شهر أو غرامة، وفي الكويت والإمارات وقطر يعاقب بالغرامات أو الحبس لمن يأكل أو يشرب علنًا في نهار رمضان.

Related



إقرأ المزيد