ثوار دخلاء أصلاء
عنب بلدي -

 محمد غزوان شاهين 

تصادف هذه الأيام ذكرى اندلاع الثورة السورية ضد نظام الأسد الفار، ويكتمل عام وبضعة أشهر على تحرير سوريا من أنياب نظامٍ نهش لحم البلاد حتى لم يُبقِ ولم يذر، لا حجرًا ولا بشرًا. وخمسة عشر عامًا مرّت لم تكن مجرد زمن ثقيل، بل مسارًا عميقًا من التضحيات والتحولات، صنعت خلاله الثورة واحدة من أكثر التجارب الإنسانية كثافةً وتعقيدًا في تاريخ المنطقة، تجربة لم تكن مجرد حدث سياسي، بل لحظة انكشاف كبرى لمعنى الكرامة وحدودها. 

لم تكن الثورة، في جوهرها، مجرد احتجاج على واقعٍ قائم، بل كانت محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان وكرامته، بين الفرد والدولة، وبين الخوف والقدرة على تجاوزه. ولهذا، فإن قيمتها لا تُختزل بما آلت إليه الظروف، ولا تُقاس فقط بنتائجها السياسية، بل بما أطلقته من طاقة إنسانية هائلة، وبما كشفته من استعداد الناس لدفع أثمانٍ باهظة في سبيل معنى اعتقدوا أنه يستحق. 

ومنذ لحظة التحرير، دخلت الإدارة السورية الجديدة مرحلة مختلفة تمامًا عمّا سبقها؛ مرحلة لم تعد فيها التحديات متعلقة بالبقاء أو ردع الخطر المباشر، بل بإدارة بلدٍ مُنهك وإعادة تشكيل ما تبقى من مؤسساته. وفي هذه المرحلة، وقعت هذه الإدارة، وأوقعت معها البلاد، في مجموعة من الأزمات والنوائب التي كان يمكن، بقدر أكبر من الواقعية وبقدر أقل من المثالية والطوباوية، الحدّ من آثارها أو تجنّب بعضها، كما نجحت سابقًا في تجاوز تحديات أشد قسوة خلال مراحل الصراع المباشر. 

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أنها حققت إنجازات ملموسة، سواء في تثبيت حدٍ أدنى من الاستقرار أو في محاولة إعادة بناء ما يمكن إنقاذه من بنية الدولة. غير أن هذه الإنجازات، مهما بدت مهمة، تبقى نسبية عند مقارنتها بحجم الكارثة الهائلة التي خلّفها النظام البائد، وهي كارثة لا تُقاس بسنوات قليلة، بل بأثرٍ ممتد عبر أجيال. 

في المقابل، وُضعت هذه السلطة تحت رقابة دقيقة، داخلية وخارجية، وأصبحت موضع تقييم دائم من طيف واسع من الأطراف؛ من طامحين ومتضررين ومتصيدين، إلى مكلومين لم يجدوا أنفسهم ممثلين أو منصفين بعد، سواء نتيجة تقصير أو إهمال أو تأجيل فرضته تعقيدات المرحلة. وفي خضم هذا المشهد، تشكّل انقسام واضح في النظر إلى هذه السلطة: فبينما يراها معارضون جدد وموالون سابقون للنظام الوجه الحقيقي والوحيد للثورة التي طالما هاجموها، يرى ناشطون وصحفيون، إلى جانب تيارات مدنية وعلمانية، أن هذه السلطة لا تمثل الثورة، بل تُعد في نظرهم عنصرًا دخيلًا عليها، لا يعكس روحها الأصلية ولا يُعبّر عن جوهرها، وإنما يشكّل انحرافًا عن المسار الذي انطلقت منه. 

هذا التباين لا يعكس فقط اختلافًا في التقييم، بل يكشف عن توتر أعمق في فهم الثورة نفسها. فالثورات، بطبيعتها، لا تسير بخط مستقيم، ولا تحافظ على نقاءٍ ثابت، بل تمرّ بتحولات حادة، وتدخلها تناقضات البشر بكل ما فيها من ضعف وقوة. ولهذا، فإن النظر إليها باعتبارها كيانًا مثاليًا منزّهًا، أو العكس تمامًا، يختزل حقيقتها ويشوّه معناها. 

في هذا السياق، يبرز خطاب “الأصلاء” و”الدخلاء” كمحاولة لإعادة رسم حدود الانتماء، وكأن الثورة ملكية يمكن توزيعها وفق أسبقية الحضور أو حجم التضحيات. غير أن هذا التصور يتجاهل أن ما منح الثورة عظمتها لم يكن نقاءها، بل قدرتها على احتواء التناقض، وعلى جمع أطياف مختلفة تحت فكرة واحدة: أن هذا الواقع لا يمكن أن يستمر. 

ولعل أكثر ما يجب التوقف عنده، هو أن التجربة الثورية، بكل ما فيها، تضع الجميع أمام حقيقة إنسانية بسيطة لكنها قاسية في آن واحد: من الممكن أن تكون بطلًا… ومخطئًا أحيانًا. 

هذه الحقيقة لا تخص طرفًا دون آخر، بل تمتد لتشمل الجميع؛ السلطة القائمة، المؤيدين لها، والمعارضين من أبناء الثورة أنفسهم. فكل طرف، بطريقته، كان جزءًا من هذه التجربة، وأسهم فيها، وأخطأ فيها أيضًا. 

إن الإقرار بهذه الحقيقة لا ينتقص من قيمة التضحيات، ولا يبرر الأخطاء، بل يفتح الباب أمام قراءة أكثر نضجًا، تسمح بتجاوز منطق التخوين والتصنيف الحاد، نحو فهم أعمق لتعقيد المرحلة. 

في ضوء ذلك، يبدو التعامل الواقعي مع المرحلة الحالية قائمًا على الاعتراف بهذه السلطة بوصفها سلطة مؤقتة، لا تمثل نهاية مسار الثورة ولا شكلها النهائي، بل مرحلة ضمن مسار أطول. ويقتضي هذا الفهم، في الوقت ذاته، عدم إهمال بناء هياكل سياسية ومجتمعية موازية، من أحزاب وهيئات مجتمع مدني وتجمعات ثقافية، قادرة على إنتاج حياة سياسية حقيقية تتجاوز إدارة المرحلة إلى صياغة المستقبل. 

كما يفرض الاعتراف بأن هذه السلطة تمثل مكوّنًا أصيلًا من مكوّنات الثورة، وتعكس شريحة واسعة من السوريين، دون أن يمنحها ذلك حق احتكار التمثيل أو اختزال الثورة في حدودها. فقد كانت، لفترة طويلة، الجسم الأكثر تماسكًا وتنظيمًا، وتمكنت، بخلاف غيرها من القوى المنبثقة عن الثورة، من الانتقال من حالة العمل الثوري إلى تشكيل نواة دولة ثم حكومة، في وقت عجزت فيه قوى أخرى عن تجاوز حالة التشتت أو إنتاج إطار جامع. 

غير أن هذا التقدم التنظيمي، على أهميته، لا يكفي وحده لتأسيس شرعية شاملة، كما أن إخفاق الآخرين لا يمنحها تفويضًا مفتوحًا. فالثورة، منذ بدايتها، كانت أكبر من أي إطار، وأوسع من أي تمثيل، وستظل كذلك، لأنها في جوهرها لم تكن مجرد صراع على سلطة، بل محاولة لاستعادة معنى. 

وعليه، فإن الحفاظ على هذا المعنى لا يكون بإقصاء المختلف، ولا باحتكار الحقيقة، بل بقبول التعقيد الذي نشأت فيه الثورة أصلًا، وبإدارة هذا التعقيد بدل الهروب منه. لأن الثورة التي تُختزل تفقد روحها، أما تلك التي تعترف بتناقضاتها، فتمتلك فرصة حقيقية لأن تستمر وتتحول.

Related

اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا

إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى



إقرأ المزيد