خطيب بدلة
الإعلام البعثي، والقومي عمومًا، والإعلام الإخواني، يضخان، منذ ثلاثة أرباع القرن، مقولة مضللة، ملخصها أن كل مواطن، في هذه البلاد المناضلة، له دور في المعركة. افترض المثقفون والإعلاميون الذين يمثلون هذين الاتجاهين، أن للمعركة صوتًا، والمطلوب ممن يتكلم، في هذه البلاد، أن يخفض صوته، إذ لا يجوز أن يعلو أي صوت، مهما كان عذبًا، أو عاقلًا، على صوت المعركة.
أول مرة انتبهت فيها لبؤس هذا الشعار، وخبثه، حينما قرأت رواية الكاتب التركي الكبير عزيز نيسين، “أطفال آخر الزمن”، وفيها طفل يحكي لصديقه، في رسالة، عن معلم الصف الذي أعطاهم درسًا في الوطنية، وحدثهم عن أطفال شاركوا مع إخوانهم الجنود في الحرب، وراحوا يتسلقون الأشجار، ويرهفون السمع للأصوات القادمة من أماكن تجمع الأعداء، ثم يخبرون الجنود بما سمعوا، وأن هذا واجب كل طفل يستطيع مساعدة إخوانه الجنود، الذين يذودون عن حياض الوطن.. ولكن، بعدما انتهى المعلم من سرد هذه الأمثولة عن بطولات الأطفال، سأله أحد التلاميذ: لماذا يقوم الأطفال بأعمال التنصت لصالح الجيش؟ هل يفتقر الجيش لقوات تقوم بهذا العمل الخطير؟ ولماذا يتخلى الأطفال عن مرحهم ولعبهم ودراستهم، ويتحولون إلى عناصر فاعلة في المعارك؟
دع عنك ما كتبه الأديب الكبير عزيز نسين، فقد أوردته لأحدثك عن الصدمة التي يحدثها التفكير النقدي للمجتمعات التي تفكر بشكل جماعي، أو تسير مع التيار، دون توقف، أو مراجعة.. وتعال نسأل مطلقي شعار “صوت المعركة مع العدو”: مَن العدو الذي يؤرق وجودكم؟ ولماذا تجندوننا كلنا في سبيل محاربته؟ ولماذا تكتمون أصواتنا، بذريعة الإصغاء الدائم لصوت المعركة؟
تصاغ الشعارات، في بلادنا، بطريقة مخادعة على نحو بارع، ليصبح التأثر بها سريعًا، والتخلص من تأثيرها يحتاج إلى زمن طويل، وتفكير عميق، وجهد استثنائي.. الغيرة على الوطن، مثلًا، جعلت مشاعر الموسيقار المصري الكبير كمال الطويل، تستنفر، وهو يسمع أصوات الغارات تنهمر على بلاده، في أحد أيام سنة 1956، فأمسك البيانو، وراح يؤلف نشيدًا حماسيًا، واتصل، في هدأة من الليل، بصديقه الشاعر صلاح جاهين، وأسمعه المقطع.. ولم يكن جاهين أقل تأثرًا وانفعالًا من صديقه، فألف، على الفور، نشيد “والله زمان يا سلاحي”، وتشاء المصادفات، فيما بعد، أن تعلن الحكومة عن مسابقة لاختيار نشيد وطني، فتقدم إليها كمال الطويل، وفاز بالمرتبة الأولى، وأصبح هذا النشيد معتمدًا لدى الدولة المصرية.
هل فكر كمال الطويل، وصلاح جاهين، وملايين الناس الذين كانوا وما زالوا يرددون هذا النشيد ذا اللحن الجميل المؤثر، بمعناه؟ وهل تساءل أحد عن العدوان الإسرائيلي- البريطاني- الفرنسي على مصر، لماذا وقع؟ وكيف توقف؟ هل قرأنا القصة بأبعادها المختلفة، وعرفنا أن قرار عبد الناصر تأميم القناة كان متسرعًا؟ وأن مرحلة الخمسينيات شهدت صعود أمريكا، بوصفها قوة كبرى في العالم، تريد أن تحل سيطرتها مكان السيطرة الفرنسية- البريطانية- الاستعمارية على مناطقنا؟ هل عرفوا أن الرئيس الأمريكي آيزنهاور هو الذي أرغم الدول الثلاث، المعتدية، على وقف العدوان؟
لا، فنحن لا نسأل.
Related


