علي عيد
تدار المعارك على الشاشات وفي الإعلام قبل ساحات القتال. وخلال الأسابيع الماضية، ومع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من طرف وإيران من طرف ثانٍ، والتي بدأت في 28 من شباط الماضي، كان الإعلام الواجهة الأبرز، وتسبب الحجب في انتشار شائعات وتضليل، منها ما يهدف للتضخيم ومنها ما يقلل من أهمية الحدث.
وبرز تساؤل حول دور الإعلام في الأزمات والحروب، وحق الجمهور في المعرفة مقابل مسؤولية الإعلام في عدم إلحاق ضرر أمني ونفسي واجتماعي.
تابع الملايين أخبار قصف إيران للمنشآت الاقتصادية والخدمية في عدد من دول الخليج، التي تشكل ثرواتها من الطاقة، ومقدراتها في التكرير والتصدير، ونقل البضائع، وصناعة مواد مختلفة مثل الأسمدة والبتروكيماويات الحيوية لقطاعات أوسع.
ويجدر السؤال حول ثلاث مسائل في حجب المعلومات و”فلترتها”، الأولى: حماية الجمهور من أثر الصدمة ومنع التسبب بالذعر. والثانية: دور الإعلام في الحرب النفسية خلال الحروب. والثالثة: الأثر الأوسع لانتشار المعلومات الصادمة على الأمن العالمي والأسواق.
القاعدة الذهبية في عمل الصحافة هي أنها لا تخفي الحقيقة، بل قد تؤجل أو تعيد صياغتها لحماية الحياة والدقة، وهنا تبرز جدلية الاختيار بين الحق والضرر.
المادة الخامسة، البند الرابع من “مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا”، حذرت من “التركيز على العنف وصوره وتكرار مشاهده الصادمة دون مبرر لإثارة الرعب أو جذب المشاهدات فقط”.
كما حذرت من “تضخيم الحوادث أو الكوارث أو الأمراض بشكل مبالغ فيه”، و”استخدام جمل وعبارات تثير الخوف والذعر دون أدلة أو مبرر”، و”تضخيم الأحداث أو الأعمال لأغراض سياسية أو اقتصادية أو منفعة شخصية”.
نماذج أخرى مثل “BBC”، اشترطت أن يكون هناك هدف تحريري واضح لأي مادة قد تسبب صدمة أو أذى.
أما نموذج معايير “الاتحاد الدولي للصحفيين” (IFJ) فيعتبر “تقليل الضرر” مبدأ أساسيًا، واشترط في البيئات الخطرة: عدم التهور، أو تعريض الآخرين للخطر، وعدم النشر إذا كان يزيد الخطر الأمني.
وجميع النماذج المهنية والأخلاقية، تركز على قاعدة تجنب نشر المحتوى الصادم والضار في الحروب والأزمات، وبشكل مبرر، على ألا يكون لمصلحة جهة سياسية أو جماعة سياسية، بل لمصلحة إنسانية، لأن الإغفال المتعمد وغير المبرر (omission) قد يكون خطأ أخلاقيًا.
وعلى الرغم مما سبق، فإن نشر المحتوى الصادم قد يكون مفيدًا في ظروف محددة، ووفق معايير دقيقة، منها:
- كشف حقيقة لا يمكن فهمها دون الصدمة، مثل جرائم الحرب، والمجازر، والتعذيب الممنهج.
- منع التضليل أو الإنكار، فقد يساعد نشر المحتوى الصادم على كسر رواية رسمية كاذبة، أو إثبات حصول الحدث.
- توجيه سلوك الجمهور بهدف إيجابي، مثل التحذير من خطر مباشر، أو مساعدة الجمهور على اتخاذ قرار ضروري (الانتقال لمنطقة آمنة، الاختباء لتجنب إزهاق الأرواح).
تبرير نشر المحتوى الصادم ليس شيكًا على بياض، بل تحدده معايير للحجم والشكل، والاكتفاء بتقديم ما يحتاج إلى أن يعرفه الجمهور، وعلى أسس منها: - إخبار الجمهور بما حدث، دون عرض كل تفاصيل الألم.
- إذا كان الوصف الدقيق يغني، يجب تجنب الصور والمشاهد المؤلمة.
- التحكم في التعرض عبر التحذير المسبق من المحتوى الحساس، وعدم إبراز الصور الصادمة، مع إعطاء الجمهور خيار المشاهدة من عدمها.
- عرض السياق قبل المحتوى الصادم (ماذا/ لماذا/ تفسير الحدث) لتجنب الفوضى وتعزيز الفهم.
- عدم التكرار على الشاشة أو في العناوين و”المانشيتات”، عبر العرض مرة واحدة، لكيلا يتحول الألم إلى اعتياد أو استسلام نفسي.
بالانتقال إلى الحروب، يمكن تبرير حجب جانب من المعلومات لأغراض بينها:
- وجود خطر مباشر وفوري على الحياة (مواقع حساسة، ملاجئ، مرافق، مدنيون).
- تجنب كشف تحركات عسكرية أو خطط تتسبب بمقتل أشخاص.
- عدم خدمة دعاية معادية، عبر الترهيب والتضخيم.
والحجب يجب أن يكون مؤقتًا، حتى زوال الخطر، ومحدودًا، مع شرحه مهنيًا في وقت مناسب.
وبالنسبة للحقائق الجوهرية، مثل المجازر وجرائم الحرب، فهي ليست “أسرارًا عسكرية”، بل حق عام، وأي حجب وإخفاء دعائي للهزائم ليس في أجندة الصحافة الأخلاقية، وتتولاه الصحافة الحربية التي تخضع لضوابط تفرضها السلطات في الحالات الطارئة، ويعقبها غالبًا انكشاف وتعقب ونبش من قبل الصحافة المستقلة.
في الختام، مهمة الإعلام هي نقل الحقيقة، بطريقة تتيح للمتلقي فهم ما يحصل، وتحسين قراراته في التصرف، وليس دفعه للانهيار والرعب، وهذا يستدعي الحجب المحدود والمشروط بمبررات.. وللحديث بقية.
Related


