غزوان قرنفل
عام وأربعة أشهر مضت على سقوط نظام الأسد، لكن البلاد لا تزال تعيش في قلب أزماتها العميقة التي لم تجد، بعضها على الأقل، طريقها بعد إلى معالجات جدية، ومع ذلك يبدو أن السلطة الجديدة اختارت طريقًا مختلفًا في التعامل مع الواقع، يقوم على صناعة المشهد الاحتفالي وإطلاق المشاريع الرمزية المرتبطة بما يسمى “الهوية البصرية” للدولة! من شعارات وألوان وأناشيد وطنية وفعاليات كرنفالية، في محاولة لتقديم صورة مختلفة عن حقيقة الواقع المؤلم والذي قد لا تتحمل هي سبب نشوئه لكنها بالقطع تتحمل مسؤولية تجاهله أو التعاطي معه بخفة تصل إلى مستوى اللامبالاة.
ليست المشكلة بطبيعة الحال في فكرة الهوية البصرية بحد ذاتها، فكل الدول تسعى إلى بناء رموزها البصرية والثقافية التي تعبر عن ذاتها وتاريخها وتطلعاتها، لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الرموز إلى ستار يراد له أن يخفي واقعًا مثقلًا بالأزمات، أو عندما تصبح وسيلة لإشغال المجتمع عن قضاياه الأساسية بدل أن تكون انعكاسًا لنجاح الدولة في معالجتها، فالهوية البصرية الحقيقية لأي بلد لا تُصنع في غرف التصميم ولا في احتفالات إطلاق الشعارات، بل تتشكل أولًا في حياة الناس اليومية ومن قدرتهم على العمل واستيفاء احتياجاتهم الأساسية فحسب، وفي شعورهم بالأمان الاقتصادي، وفي ثقتهم بأن القانون يحكم الجميع دون استثناء، أما عندما تكون حياة الناس مثقلة بالبطالة والجوع والفقر والغلاء الفاحش وانعدام الخدمات وغياب العدالة، فإن أي محاولة لتجميل الصورة العامة لن تكون أكثر من محاولة لوضع مساحيق تجميل على وجه منهك.
إن كنس الأوساخ ومواراتها تحت السجاد لا يعني أبدًا أن البيت صار نظيفًا، فهذا ليس سوى ترحيل للمشكلات وتأجيل مواجهتها، بينما تتراكم الأوساخ أكثر فأكثر في المكان الذي تحاول السلطة إخفاءها فيه، وهذا بالضبط ما يحدث عندما يستعاض عن معالجة الأزمات الحقيقية بإطلاق فعاليات احتفالية ومشاريع رمزية لا تلامس مواجع الناس الفعلية، فالهوية البصرية الواقعية لسوريا اليوم ليست في شعار أو نشيد وطني جديد، بل في طوابير الباحثين عن العمل، وفي البيوت التي تعاني من العتمة والبرد والفقر والحرمان والجوع، وفي الأسواق التي تقفز فيها الأسعار بلا ضابط ولا رقيب، وفي آلاف العاملين الذين يتعرضون للطرد من أعمالهم دون حماية قانونية حقيقية، وفي التعاقدات التي تفتقر إلى الشفافية وتثير الكثير من علامات الاستفهام، وفي التعيينات التي تتم بلا أي معايير، أو بمعايير بعيدة عن الكفاءة والسبل القانونية المقررة لذلك بما يضمن نزاهة الاختيار دون محاباة ولا تحيز إعمالًا لمبدأ تكافؤ الفرص الذي هو مبدأ دستوري يتم انتهاكه يوميًا كالكثير من المبادئ الدستورية والنصوص القانونية مما تم ويتم انتهاكها وتجاهل موجباتها.
هذه هي الصورة الحقيقية التي يراها السوريون كل يوم، وهذه هي “الهوية البصرية” التي تفقأ أعينهم وتنعكس في حياتهم قبل أن تنعكس في أي شعار أو تصميم، فالشعارات والرموز لا تبني صورة محترمة للدولة، بل توفير الحماية والعدل والخدمات والكفاية المالية هي من تفعل ذلك، والدولة القوية الناجحة لا تصرف جهدها ولا تقيس نجاحاتها على جماليات شعاراتها ولا احتفالياتها، بل تكرس وقتها وجهدها لأجل تحسين حياة مواطنيها، وبمدى امتثال سلطاتها واحترامها للقانون، وبمستوى العدالة في توزيع الفرص والموارد.
قد تنجح الاحتفاليات والكرنفالات لبعض الوقت في خلق حالة من الضجيج الإعلامي، بل وقد توصل أيضًا بعض رسائلها للمجتمع، لكن المجتمعات لا تُخدع طويلًا بالمظاهر التي لا تستطيع أن تخفي إلى الأبد حقيقة الأزمات التي يعيشها الناس، فالجائع لا تشغله الألوان الجديدة للشعار الوطني، والعاطل عن العمل لا يعنيه كثيرًا شكل الهوية البصرية للدولة بقدر ما يعنيه أن يجد فرصة عمل كريمة تدفع عنه غائلة الجوع والعوز، لهذا فإن الطريق الحقيقي لبناء هوية بصرية جديدة لسوريا لا يبدأ من المنصات الاحتفالية بل من ملفات الاقتصاد والعمل والأجور والعدالة الاجتماعية في الإفادة من الثروة الوطنية، كما من معالجة البطالة، والحد من الفقر، وضبط الأسعار، وإرساء قواعد شفافة للتعيينات والتعاقدات، وحماية حقوق العاملين من الطرد التعسفي، وإعادة الاعتبار لسيادة القانون.
عندها فقط يمكن أن تتشكل هوية بصرية حقيقية للدولة، هوية لا تقوم على الزينة الخارجية والتبرج، بل على واقع مختلف يلمسه الناس في حياتهم اليومية، أما الهروب إلى الأمام عبر الانشغال بالمظاهر والقرارات الهامشية كتلك التي تحظر على الموظفات وضع المكياج أو حظر بيع المشروبات الروحية أو تتبع الناس لمعرفة إن كانوا صائمين أم لا، أو غير ذلك من التفاصيل التافهة، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الفجوة بين السلطة والمجتمع، لأن الناس في نهاية المطاف لا يعبؤون بالشعارات ولم تعد ترهبهم استعراضات القوة ، بل يريدون حياة كريمة مستحقة دفعوا ثمنها مقدمًا، وهذه قبل أي شيء آخر، هي الهوية البصرية الحقيقية التي يتعيّن على السلطة الاشتغال عليها.
Related


