عنب بلدي - 3/22/2026 5:50:08 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – أمير حقوق
لم تمر الدراما السورية في موسم رمضان الحالي مرورًا عاديًا، بل دخلت في جدل واسع مع عودتها الواضحة إلى تناول الشأن السياسي، وملفات ترتبط مباشرة بسنوات الثورة وما حملته من ألم وتحولات عميقة في المجتمع السوري.
الحضور السياسي لم يقتصر على الأعمال الجادة، بل امتد إلى أعمال كوميدية وساخرة، ما فتح باب الانتقادات حول طبيعة الطرح وحدوده.
اتهامات بـ”الاستخفاف بالألم”من بين أبرز الانتقادات التي طُرحت هذا الموسم، اتهام بعض الأعمال بتحويل معاناة السوريين إلى مادة تُباع وتُشترى، عبر محتوى لا يرقى لسنوات الألم والمعاناة التي عاشها السوريون، وأبرز تحولات الثورة السورية.
وهنا، يرى الناقد الفني عامر فؤاد عامر، أن هذه التهمة “ليست جديدة في تاريخ الدراما”، مشيرًا إلى أن “كل حدث تاريخي كبير يتحول لاحقًا إلى مادة فنية”.
وقال الناقد، في حديث إلى عنب بلدي، إن الإشكالية لا تكمن في تناول الحدث بحد ذاته، بل في طريقة معالجته، موضحًا أن هناك ثلاثة مستويات رئيسة للمعالجة:
- الأول توثيقي إنساني: يسهم في فهم التجربة وإغناء الذاكرة الجماعية.
- الثاني رمزي نقدي: يطرح أسئلة حول المجتمع والسلطة.
- الثالث هو “الاستهلاكي”: ويستخدم الحدث كعنصر إثارة وتسويق دون عمق حقيقي.
وبحسب عامر، فإن الانتقادات “قد تكون صحيحة جزئيًا في بعض الأعمال، لكنها لا تنطبق على كامل الإنتاج الدرامي”.
إقحام السياسة.. بين الدوافع والنتائجفي محور آخر، يبرز جدل حول إقحام السياسة في بعض المشاهد الدرامية، حتى في غياب مبرر فني واضح، وهذا ما برز في بعض الأعمال الدرامية، كمسلسل “مولانا”، من خلال بعض “الإفيهات” التي استخدمها الفنان تيم حسن، أو بعض سياقات مسلسل “عيلة الملك”، كالاستخفاف في استخدام شعار “الموت ولا المذلة”، الذي رافق مظاهرات الثورة السورية.
وفسر عامر هذه الظاهرة بعدة عوامل، من بينها الدافع التجاري، حيث تسهم القضايا السياسية الساخنة في جذب الجمهور وإثارة الجدل، خصوصًا خلال موسم رمضان.
كما أشار إلى وجود دوافع أيديولوجية، إذ تحاول بعض الأعمال تمرير مواقف سياسية مباشرة عبر الحوار، بدل بنائها دراميًا.
ولفت إلى عامل ثالث يتمثل في “ضعف الكتابة”، حيث يلجأ بعض الكتّاب إلى الخطاب السياسي المباشر لتعويض غياب البناء الدرامي المتماسك.
ويرى أن هذا الإقحام ينعكس سلبًا على العمل، إذ “يفقده صدقيته الفنية، ويحوّل الحوار إلى خطاب سياسي، بدلًا من كونه جزءًا من تطور الشخصيات”.
إقحام السياسة في المسلسلات الدرامية يفقدها صدقيتها الفنية، ويحول الحوار إلى خطاب سياسي.
عامر عامر
ناقد فني
“ما اختلفنا 3” والجدل حول السخريةلم تقتصر الانتقادات على الدراما الجادة، بل طالت أيضًا الأعمال الكوميدية، وعلى رأسها مسلسل “ما اختلفنا”، الذي يقدم لوحات ساخرة عن الواقع السوري بعد التحولات السياسية.
وأثارت بعض لوحات العمل، لا سيما التي تناولت حوارًا بين بشار الأسد ووالده، أو لوحة تعلمه اللهجة السورية، جدلًا واسعًا بين ناشطين اعتبروا أنها تسخّف من تجربة الألم وأرواح الضحايا.
وعلّق عامر على ذلك بالقول، إن السخرية السياسية “أداة تاريخية للنقد والمقاومة”، خاصة في إطار الكوميديا السوداء، التي تسعى أحيانًا إلى تفكيك الخوف عبر الضحك، لكن المشكلة تظهر “عندما لا يكون هدف السخرية واضحًا، أو عندما لا يوازن العمل بين الطابع الكوميدي وحساسية الحدث”، ما قد يؤدي إلى فهمه على أنه تقليل من حجم المأساة، بحسب عامر.
السخرية السياسية أداة تاريخية للنقد والمقاومة، والمشكلة تظهر عندما لا يكون هدف السخرية واضحًا، أو عندما لا يوازن العمل بين الطابع الكوميدي وحساسية الحدث.
عامر عامر
ناقد فني
الإطار القانوني.. حرية أم تجاوز؟بعيدًا عن الجدل النقدي والفني، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: ما الحدود القانونية لتناول هذه القضايا في الدراما؟ وهل يعد إدخال السياسة في الأعمال الفنية حقًا مكفولًا ضمن حرية التعبير، أم أنه قد يعرض صناع هذه الأعمال للمساءلة؟
من جانبه، قال الخبير القانوني والمحامي فادي مجدمة، إن الدراما تُصنّف أساسًا ضمن إطار حرية التعبير عن الرأي، مشيرًا إلى أنه لا يوجد في الأصل القانوني ما يمنع تناول الشأن السياسي في الأعمال الفنية، بل إن الدراما السياسية تعد صنفًا معترفًا به عالميًا.
وأضاف مجدمة، لعنب بلدي، أن الدراما السورية في السابق لم تعرف هذا النوع من الطرح بشكل حقيقي، إذ كان التناول السياسي يخضع بشكل مباشر لرقابة مشددة، ضمن ما يُعرف بـ”مقص الرقيب”، حيث كانت دائرة الرقابة على المصنفات الفنية تمنح أو تمنع إجازة العرض، وفق توجيهات صادرة من أعلى هرم السلطة.
أما اليوم، ومع التحولات السياسية، فيختلف المشهد القانوني بشكل واضح، إذ لم يعد الفن، وفق مجدمة، أداة لتلميع السلطة أو تمرير رسائل محددة، بل أصبح أقرب إلى مساحة تعبير حر تخضع لمنطق التنافس وحرية الفكر.
هل يمكن ملاحقة الأعمال قانونيًا؟فيما يتعلق بإمكانية رفع دعاوى ضد أعمال يُنظر إليها على أنها تسيء إلى الثورة أو تقلل من شأنها، أكد مجدمة أن القانون يتيح لأي فرد أو جهة حقوقية اللجوء إلى القضاء، في حال اعتبر أن العمل يمس كرامته أو يتجاوز القيم المرتبطة بالضحايا.
لكن الخبير القانوني ميّز بين “الاستخفاف” و”التزوير”، موضحًا أن الأعمال التي تقدم طرحًا ساخرًا أو نقديًا، كما في بعض الأعمال الكوميدية، تندرج ضمن حرية التعبير، ولا يمكن تجريمها لمجرد أنها مستفزة أو غير مقبولة لدى شريحة من الجمهور.
في المقابل، تصبح المساءلة القانونية ممكنة في حال ثبت أن العمل يتضمن تزييفًا ممنهجًا للحقائق التاريخية، أو إنكارًا لجرائم موثقة، أو إساءة لرموز جامعة بطريقة تحرض على الكراهية أو الانقسام، إضافة إلى حالات تلميع شخصيات متورطة في انتهاكات جسيمة.
كما أشار إلى أن تحويل المعالجة الساخرة إلى تشويه للحقائق المرتبطة بجرائم حرب، قد يفتح الباب أمام ملاحقات قانونية، ليس فقط محليًا، بل أيضًا ضمن اختصاصات قضائية أوسع.
Related
إقرأ المزيد


