الأب في حياة الطفل.. من الدور العاطفي إلى تشكيل الشخصية
عنب بلدي -

عنب بلدي – شعبان شاميه

في كثير من البيوت، ما زال دور الأب يُختزل في فكرة الرعاية المادية والانضباط العام، وكأن حضوره النفسي والعاطفي مسألة ثانوية.

لكن التحولات الاجتماعية الحديثة، تسارع الحياة، وتغير احتياجات الطفل النفسية، كلها أعادت طرح سؤال جوهري: ما الذي يمثّله الأب في البناء النفسي للطفل، بعيدًا عن دوره المالي؟

في هذا التقرير، تناقش عنب بلدي الموضوع من زاوية نفسية أسرية متخصصة، لفهم أثر الأب في تشكيل الشخصية، وتنظيم المشاعر، وبناء الهوية، وإرساء الأمان الداخلي لدى الأبناء.

الأبوة في التربية الحديثة

عن مفهوم الأبوة في التربية الحديثة، قالت الاستشارية النفسية الأسرية، الدكتورة هبة كمال العرنوس، لعنب بلدي، إن الذي تغير ليس صورة الأب وحدها، بل فهمنا العلمي لمعنى التربية نفسها.

في التصورات القديمة، كان يُنظر إلى الأب بوصفه مصدرًا للسلطة والحماية الخارجية، بحسب الاستشارية، أي الشخص الذي يوفر الحدود والموارد ويضمن بقاء الأسرة مستقرة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية.

وأضافت العرنوس أنه في الفهم الحديث للتربية، لم يعد يُنظر إلى الطفل ككائن يحتاج فقط إلى الطعام والتعليم والانضباط، بل كإنسان في طور التشكل النفسي والعاطفي والعقلي، يحتاج إلى علاقة عميقة ومتوازنة مع كلا الوالدين.

هنا أصبح دور الأب يتجاوز فكرة الإشراف أو الضبط إلى فكرة المشاركة في بناء العالم الداخلي للطفل، بحسب الاستشارية، الأب في هذا السياق لا يربّي فقط من خلال الأوامر والتوجيهات، بل من خلال حضوره الوجداني، وطريقة استجابته للمشاعر، ونوع العلاقة التي يبنيها مع الابن أو الابنة.

من منظور نفسي، قالت العرنوس، إن الطفل لا يتأثر بما يقوله الأب فقط، بل بما يبثه من رسائل غير مباشرة كل يوم. كيف يتعامل مع الغضب، كيف يواجه التوتر، كيف يحترم الأم، كيف يعتذر، كيف يصغي، كيف يحمي دون أن يخنق، وكيف يضع حدودًا دون إذلال. هذه التفاصيل اليومية هي التي تعيد تعريف الأبوة الحديثة.

وأشارت العرنوس إلى أن مفهوم الأبوة نفسه تغير في التربية الحديثة، وليس فقط توقعات المجتمع من هذا الدور، لم يعد الأب مجرد مموّل أو صاحب قرار نهائي، بل أصبح عنصرًا حاسمًا في تشكيل الأمان النفسي، وتنمية الكفاءة الانفعالية، وبناء صورة الطفل عن نفسه وعن العالم.

القيمة النفسية لحضور الأب

قالت الاستشارية، إن حضور الأب لا يقاس فقط بوجوده الجسدي داخل البيت، بل بمدى حضوره النفسي والانفعالي في وعي الطفل، معتبرة أن هناك فرقًا كبيرًا بين أب موجود في المنزل لكنه بعيد عاطفيًا، وبين أب حاضر بإنصاته واهتمامه واستجابته وتفاعله الحقيقي.

القيمة النفسية لحضور الأب، بحسب العرنوس، تتمثل في عدة مستويات متداخلة:

• الأب يسهم في بناء ما يسمى بالأمان النفسي. الطفل يحتاج إلى أن يشعر أن هناك شخصًا كبيرًا يمكن الاعتماد عليه، ليس فقط عند الخطر الخارجي، بل أيضًا عند الارتباك الداخلي. حين يخاف الطفل، أو يفشل، أو يخطئ، أو يشعر بالرفض، فإن طريقة الأب في الاستجابة لهذه الحالات تترك أثرًا عميقًا.

إذا كانت الاستجابة قائمة على الاحتواء والفهم، يتكوّن لدى الطفل شعور داخلي بأنه مقبول حتى في لحظات ضعفه. أما إذا كانت الاستجابة قائمة على السخرية أو القسوة أو التجاهل، فقد ينمو الطفل وهو يربط قيمته الشخصية بمدى نجاحه أو طاعته.

• حضور الأب يسهم في تنظيم المشاعر. الطفل لا يولد قادرًا على فهم انفعالاته وإدارتها، هو يتعلّم ذلك من الكبار. والأب تحديدًا حين يكون متزنًا في تعبيره الانفعالي، ويعطي مساحة للمشاعر دون فوضى أو قمع، فإنه يعلّم الطفل بشكل غير مباشر أن المشاعر ليست خطرًا، وأن الغضب يمكن فهمه، وأن الحزن يمكن احتماله، وأن الخوف لا يلغي الكرامة.

• حضور الأب له دور مهم في بناء صورة الذات. كثير من الأطفال يطورون تصوراتهم عن الكفاءة والقدرة والاستحقاق من خلال نظرة الأب إليهم. الأب الذي يرى طفله بعمق، ويشجعه دون مبالغة، ويصحح خطأه دون تحطيم، يساعده على بناء تقدير ذات متوازن.

أما الأب الذي لا يرى إلا التقصير، أو لا يمنح القبول إلا عند الإنجاز، فقد يدفع الطفل إلى علاقة مشروطة مع نفسه.

بمعنى آخر، حضور الأب ليس تفصيلًا تربويًا، بل هو جزء من البنية النفسية التي يبني الطفل من خلالها إحساسه بالأمان وقيمته وقدرته على مواجهة الحياة.

الحاجة للأب عاطفيًا رغم وجود الأم

بعض الأشخاص يفترضون أن وجود أم حنون قد يعوض أي غياب في دور الأب. والحقيقة، وفق العرنوس، أن هذا الفهم غير دقيق نفسيًا، ليس لأن الأم مقصرة، بل لأن الطفل يحتاج إلى تعدد في مصادر الارتباط والتفاعل، ويستفيد من الاختلاف الطبيعي بين الأدوار الوالدية حين يكون هذا الاختلاف صحيًا ومتعاونًا.

الطفل لا يحتاج إلى الأب فقط كنسخة ثانية من الأم، بل يحتاج إليه كحضور مختلف ومكمل. العلاقة مع الأب تمنح الطفل خبرة نفسية مميزة.

في كثير من الحالات يكون الأب بوابة الطفل إلى العالم الخارجي، وإلى الاستقلال، وإلى اكتشاف حدود القدرة والمجازفة والانفصال الآمن عن التعلّق المندمج.

وشرحت الاستشارية ذلك بأن الأب المتوازن يساعد الطفل على الانتقال من دائرة الاحتواء الأساسي إلى دائرة المبادرة والثقة والخروج إلى الحياة.

من جهة أخرى، وجود أب متاح عاطفيًا يخفف عن الطفل عبء التعلق الأحادي. حين يعتمد الطفل نفسيًا على شخص واحد فقط لتلقي الأمان والتقدير، يصبح أكثر هشاشة عند أي تغير أو توتر في تلك العلاقة، أما حين يحظى برابط صحي مع الأم والأب، فإن بنيته النفسية تصبح أكثر مرونة واتساعًا.

كذلك، الأب يمنح الطفل خبرة مختلفة في فهم السلطة والعلاقة بالقانون والحدود. إذا مارس الأب حضوره بطريقة عادلة وحازمة ومحترمة، فإن الطفل يتعلم أن السلطة ليست مرادفة للخوف، وأن القوة يمكن أن تكون رحيمة، وأن الحزم لا يعني الإهانة.

وهذه خبرة نفسية شديدة الأهمية، لأنها تؤثر لاحقًا في علاقة الابن أو الابنة بالمعلمين، والمسؤولين، والشركاء، وحتى بصورة الله والعدالة والمعنى.

إذًا، الطفل لا يحتاج إلى الأب لأن الأم لا تكفي، بحسب الاستشارية، بل لأنه يحتاج إلى بنية أسرية متوازنة تمنحه تنوعًا صحيًا في الحب والحدود والاحتواء والقدوة.

آثار غياب الأب عاطفيًا

الغياب العاطفي من أكثر أشكال الغياب التربوي التباسًا، بحسب الاستشارية، لأنه لا يظهر بوضوح كما يظهر الغياب الجسدي. قد يكون الأب موجودًا يوميًا، يذهب إلى العمل ويعود، ينفق على الأسرة، ويتابع بعض الشؤون العامة، لكن الطفل لا يشعر بأنه معروف، أو مسموع، أو مفهوم من جهة أبيه. وهنا تبدأ فجوة صامتة في التشكل.

هذا النوع من الغياب يترك عدة آثار نفسية محتملة، من أبرزها شعور الطفل بأنه غير مهم بما يكفي ليستحق الانتباه.

وقد لا يترجم الطفل هذا الشعور إلى كلمات، لكنه يظهر في سلوكيات كثيرة مثل الانسحاب، أو المبالغة في طلب الانتباه، أو الحساسية المفرطة للنقد، أو التعلّق الزائد بالأصدقاء، أو محاولة إثبات الذات بطرق اندفاعية.

بعض الأطفال يفسرون غياب الأب العاطفي على أنه رفض غير مباشر. وبما أن الطفل بطبيعته يميل إلى تفسير ما يحدث انطلاقًا من ذاته، فقد يعتقد في داخله أنه ليس جيدًا بما يكفي ليحظى بالقرب.

هذا الاعتقاد إن ترسخ مبكرًا لدى الطفل، قد يصاحبه سنوات طويلة، ويؤثر في اختياراته وعلاقاته وصورته عن استحقاق الحب.

كما أن غياب الأب العاطفي قد يدفع الطفل إلى البحث عن نماذج بديلة للانتماء والتقدير، أحيانًا في جماعات غير ناضجة، أو في علاقات غير آمنة، أو في التعلّق المفرط بمن يمنحه الاعتراف ولو بشكل مؤذٍ. لهذا فإن المشكلة ليست فقط في غياب التوجيه، بل في الفراغ الوجداني الذي يترك الطفل عرضة للتعويض الخاطئ.

فالحضور المادي مهم، لكنه لا يُغني عن العلاقة. الطفل لا يتذكر فقط من دفع الفاتورة، بل من انتبه لصوته، ومن احتمل دموعه، ومن صدق خوفه، ومن فرح بنجاحه دون استغلال، ومن بقي قريبًا منه حين أخفق.

خطوات عملية وتوصيات

تقدم الاستشارية النفسية الأسرية خطوات عملية للآباء لتفعيل دورهم داخل البيت، تشمل:

بناء حضور يومي ثابت: خصص وقتًا يوميًا ثابتًا مع الطفل، مثل 20 دقيقة بعد العودة إلى المنزل أو قبل النوم. هذا الثبات أهم من المبادرات العشوائية المتباعدة.

إنشاء طقس حواري أسبوعي: اجعل هناك جلسة أسبوعية قصيرة تسأل فيها أبناءك عن ثلاثة أشياء: ما الذي أسعدك هذا الأسبوع؟ ما الذي أزعجك؟ ما الذي تحتاج إليه مني؟

مشاركة التفاصيل الصغيرة: شارك في الواجبات، أو إعداد الطعام أحيانًا، أو الذهاب إلى المدرسة، أو متابعة الهوايات. التأثير التربوي يتشكل كثيرًا في التفاصيل الصغيرة لا في المناسبات الكبرى فقط.

مراجعة أسلوبك عند التوتر: اسأل نفسك بعد كل موقف مشحون: هل كنت أربي أم أفرغ انفعالي؟ هل هدفي التوجيه أم السيطرة؟ هل خرج طفلي من الموقف فاهمًا أم مكسورًا؟

إصلاح العلاقة بعد الخطأ: إذا قسوت أو أخطأت، لا تتجاهل الأمر. عد إلى طفلك، سمِّ ما حدث، اعتذر بوضوح، وأعد بناء الجسر. إصلاح العلاقة جزء من التربية، وليس علامة فشل.

الاتفاق التربوي مع الأم: كلّما كان الأبوان أكثر اتساقًا ووضوحًا، شعر الطفل بأمان أكبر. لا تتناقضا أمام الأبناء في القواعد الجوهرية، وناقشا الخلافات التربوية بعيدًا عنهم.

تطوير وعيك النفسي كأب: اقرأ واستمع وتعلّم. كثير من الآباء يكررون ما عاشوه دون فحص. الوعي يحرر الأب من إعادة إنتاج القسوة أو الغياب أو التسلط الذي تعرض له.

Related



إقرأ المزيد