تنظيم “الدولة” في سوريا ومؤشرات الضعف والقوة
عنب بلدي -

عنب بلدي – عدي الحاج حسين

شهدت سوريا، خلال الأسابيع الماضية، تصعيدًا ملحوظًا لنشاط خلايا تنظيم “الدولة الإسلامية”، تزامنًا مع تسجيل صوتي منسوب للمتحدث الرسمي للتنظيم، “أبو حذيفة الأنصاري”، في 21 من شباط الماضي، وهو الأول له بعد غياب دام عامين.

يأتي هذا التصعيد في ظل مرحلة انتقالية دقيقة تشهدها البلاد مع بسط الحكومة السورية سيطرتها على مناطق واسعة كانت تحت إدارة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، ما خلق حالة من الفراغ الأمني سعى التنظيم لاستغلالها.

في هذا التقرير، تحاور عنب بلدي ثلاثة باحثين متخصصين، لقراءة المشهد من زوايا متعددة، سياسية وعسكرية وأمنية، ولمحاولة فهم طبيعة التصعيد الحالي، ودوافعه، وقدرة الدولة السورية على احتوائه.

رسالة “الأنصاري”.. قوة أم ضعف

خرج تسجيل “أبو حذيفة الأنصاري”، في 21 من شباط الماضي، ليؤكد أن التنظيم ما زال حاضرًا في المشهد السوري، متحدثًا عن “علمانية” الحكومة السورية، ومحاولًا تأطير الصراع وفق سرديته الأيديولوجية، لكن الآراء تباينت حول دلالات هذا التسجيل ومدى انعكاسه لحالة قوة أو ضعف داخل التنظيم.

الأكاديمي والباحث المتخصص في شؤون الجماعات الجهادية عبد الرحمن الحاج، يرى أن التسجيل جاء مدفوعًا بعدة عوامل، أبرزها انضمام الحكومة السورية إلى التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب، وشعور التنظيم بالإحباط من نجاح الرئيس أحمد الشرع في بسط السيطرة على كامل الأراضي السورية بدعم أمريكي.

وقال الحاج، في حديث إلى عنب بلدي، إن “الخطاب الإعلامي للتنظيم، وخاصة في صحيفة (النبأ)، ركز خلال الفترة الأخيرة على محاولة بث الأمل بأن انتصار الشرع على قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لا يعني نهاية مشروع التنظيم”.

بدوره، الباحث في شؤون الجماعات الجهادية عرابي عرابي، قدم قراءة مختلفة، معتبرًا أن التسجيل الصوتي “ليس علامة قوة، بل علامة ضعف”.

ويوافقه الباحث المتخصص في الفكر الإسلامي عباس شريفة، الذي يرى أن “كلمة (أبو حذيفة الأنصاري) تدل على الضعف أكثر مما تدل على القوة”.

ويرى شريفة، في حديث إلى عنب بلدي، أن “توجيه الجنود عبر الإعلام يعني أن الاتصال المباشر غير متوفر، وهو يخاطب الذئاب المنفردة التي تؤمن بأفكار التنظيم لكن لا يوجد تواصل معها، مما يعكس عدم وجود قواعد للسيطرة والإدارة في المستويات العليا للقيادة”.

تصاعد منفصل أم خطة منظمة؟

تبنى التنظيم سلسلة من الهجمات استهدفت حواجز أمنية في ريف حلب وريفي الرقة ودير الزور والبادية السورية، لكن المحللين اختلفوا في قراءة العلاقة بين الخطاب الإعلامي والتصعيد العملياتي.

يرى الأكاديمي والباحث عبد الرحمن الحاج، أن الموجة الأخيرة من العمليات تركزت في المناطق التي كان التنظيم ناشطًا فيها أصلًا، أي المناطق التي كانت تحت سيطرة “قسد”، مشيرًا إلى أن هذه العمليات مرتبطة إلى حد كبير بهروب عناصر التنظيم من سجون “قسد” والمخيمات، إضافة إلى دوافع أخرى تتعلق بانضمام الحكومة للتحالف الدولي.

بدوره، اعتبر الباحث في شؤون الجماعات الجهادية عرابي عرابي، أن “العمليات المتصاعدة منفصلة نوعًا ما عن السياق العام للتنظيم”.

وأوضح أن “التنظيم يتصاعد في أفغانستان ونيجيريا ودول الساحل، لكنه يتراجع في العراق وسوريا لأسباب موضوعية، منها ضعفه، وتفكك قياداته، ووجود جهات أمنية محترفة، والظروف الاجتماعية الرافضة لحضوره”.

عرابي يرى أن ما جرى هو أن بعض الخلايا النشطة صعّدت عملها، وتوافق تصعيدها مع وجود انتشار للتنظيم في المنطقة الشرقية، وهذه الخلايا نفسها كانت تستهدف “قسد” بأعلى من هذا العدد، فبدأت تستهدف الهدف الجديد وهو أجهزة الدولة.

أما الباحث المتخصص في الفكر الإسلامي عباس شريفة، فيرى أن “الأهداف التي استهدفها التنظيم ليست نوعية أو حساسة بالنسبة للدولة السورية”، مشيرًا إلى أن “التنظيم يحاول اختراق الأجهزة الحكومية لكنه لم يحقق اختراقات مهمة حتى الآن، فهو يعتمد على الذئاب المنفردة ويريد تحقيق حضور إعلامي أكثر من كونه عسكريًا”.

المخيمات والسجون.. هل تشكل مصدر خطر؟

شكّل فرار آلاف المحتجزين من مخيم “الهول” وسجون “قسد” خلال العمليات العسكرية الأخيرة مصدر قلق كبير، وسط تساؤلات حول إمكانية التحاق هؤلاء بصفوف التنظيم وتعزيز قدراته.

يرى الباحث عبد الرحمن الحاج أن “معظم الموجودين في المخيمات هم ضحايا للتنظيم أكثر من كونهم أعضاء”، لكنه يعتبر أن “السياسات القاسية التي اتبعتها (قسد) حولت الكثيرين إلى اعتناق فكر التنظيم، وبالتالي يمكن أن يكون الأطفال الذين شبوا داخل هذه المخيمات قد اعتنقوا أفكار التنظيم بسبب السياسات وليس بسبب القناعات الفكرية الطبيعية”.

وقال الحاج، إن “الخطر يكمن في ترك هؤلاء الذين نُقل من تبقى منهم إلى جنوب شرق حلب، دون العناية بهم وإعادة تأهيلهم”، مشيرًا إلى أن “هناك آلافًا من نزلاء المخيم هربوا خلال العمليات العسكرية لتحرير الرقة والدير والحسكة، وهؤلاء قد يكون بينهم أعضاء للتنظيم غير معروفين”.

بدوره، الباحث عباس شريفة، يرى أن “الوقت لم يكن كافيًا لإعادة دمج المقاتلين الهاربين من السجون في البنية السرية للتنظيم”، لكنه ينبه إلى “احتمالية تصعيد التنظيم في بعض المناطق بعد الاعتماد على هؤلاء العناصر، خصوصًا أنه لا توجد بيانات حقيقية حول أعداد الهاربين”.

استراتيجية التنظيم.. لامركزية وتركيز على المدن

مع تراجع سيطرة التنظيم على المساحات الجغرافية الواسعة التي كان يحتلها سابقًا، يبدو أنه اعتمد استراتيجية جديدة تركز على اللامركزية والعمليات في المراكز الحضرية.

وقال الباحث في شؤون الجماعات الجهادية عبد الرحمن الحاج، إن “استراتيجية التنظيم بعد سقوط الباغوز تمثلت في التحول إلى اللامركزية، مع الحفاظ على التنسيق المستمر مع المركز، والعمل في المدن لأن تأثير العمليات أكبر وتكلفتها أقل”.

وأضاف أن “التركيز صار على الأهداف السهلة، والأهداف التي تحقق انقسامًا طائفيًا حادًا، بهدف تعزيز الهشاشة الأمنية وإضعاف الدعم الخارجي للحكومة”.

من جهته، يرى الباحث في شؤون الجماعات الجهادية عرابي عرابي، أن “التنظيم انتقل إلى ولايات ليست مترابطة جغرافيًا، ويعتمد على خلايا متقطعة وغير متواصلة إلا من خلال شخص واحد، حرصًا على عدم انكشاف المجموعات”.

وأشار إلى أن “التنظيم انتقل إلى إمكانية السيطرة في بعض المناطق ليلًا بأماكن غير مأهولة خاصة في البادية السورية”.

أما الباحث المتخصص في الفكر الإسلامي عباس شريفة، فأكد أن “التنظيم يحاول أن يوجد في مناطق البادية حيث تقل الكثافة السكانية وتضعف قبضة الدولة السورية، ليكون بعيدًا عن عين الأجهزة الأمنية”.

قدرة الدولة السورية على المواجهة

رغم التصعيد الأخير، يبدو أن الباحثين متفائلون بقدرة الدولة السورية على احتواء خطر التنظيم، مستندين إلى الخبرات المتراكمة والتحالفات الدولية الجديدة.

الباحث عباس شريفة، أشار إلى أن “الدولة السورية خلال العام 2025 قامت بأكثر من عشر عمليات مشتركة مع التحالف الدولي”، مؤكدًا أن “هذا التعاون مهم جدًا، خصوصًا أن سوريا في طور التأسيس ومؤسساتها الأمنية حديثة التشكل، وهي بحاجة لمساعدة على مستوى العمليات والإسناد الجوي والمعلوماتي والاستخباراتي”.

وقال شريفة، إن “الدولة السورية ومؤسساتها الأمنية تمتلك خبرة طويلة في قتال تنظيم (الدولة) والتعامل مع تكتيك (الذئاب المنفردة)، وهذه الخبرة تشكلت منذ أن كانت الدولة في حالة مواجهة مفتوحة مع التنظيم”.

من جهته، يرى الباحث عرابي عرابي يرى أن “هناك جهات أمنية محترفة صارت قادرة على التعامل مع التنظيم، والظروف الاجتماعية الرافضة لحضوره تشكل عامل ضغط إضافي عليه”.

أما الباحث عبد الرحمن الحاج، فحذر من أن “العمليات الحالية تشكل خطرًا على نظرة المجتمع الدولي للحكومة السورية بأنها عاجزة عن تحقيق الأمن”، لكنه يرى أنها “لا تشكل خطرًا على النظام نفسه”.

ماذا تحتاج الحكومة السورية؟

قدم الباحثون رؤى متعددة حول الإجراءات المطلوبة من الحكومة السورية لتعزيز الأمن والاستقرار في مواجهة تهديد التنظيم.

الباحث عباس شريفة، دعا إلى “تبني استراتيجية متعددة الأبعاد، تشمل الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وليس فقط البعد الأمني”.

وأكد ضرورة “تحصين المجتمع من أفكار الغلو والتطرف”، و”رفع الظلم الاجتماعي وتفعيل المشاركة السياسية الحقيقية”، و”ربط التنمية الاقتصادية بمكافحة الفقر الذي يستغله التنظيم للتجنيد”.

من جهته، اعتبر الباحث عبد الرحمن الحاج أن “الحكومة مطالبة بإبعاد العناصر المحتمل أن تحمل تعاطفًا مع التنظيم، والتضييق عليهم أمنيًا وعسكريًا”، مع أهمية “العمل على الصراع الفكري من خلال التركيز على التمييز بين الإسلام والأفكار الراديكالية”.

أما الباحث عرابي عرابي، فشدد على “تقوية العمل الاستخباراتي المنظم والاعتماد على الخبرات الدولية”، و”الجدية بالتعامل مع أي مؤشرات لوجود خلايا أو شبكات تمويل”، و”التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق التي يمكن أن تكون حواضن للتنظيم”.

هل يعود التنظيم للسيطرة الجغرافية؟

يتفق الباحثون الثلاثة على أن سيناريو عودة تنظيم “الدولة الإسلامية” للسيطرة على مساحات جغرافية واسعة في سوريا يبدو مستبعدًا في الظروف الراهنة.

أكد الباحث عباس شريفة أن “لا توجد مؤشرات بأن لدى التنظيم نية للسيطرة على منطقة جغرافية ما في سوريا، وهذا التفكير مستبعد على ضوء تجربته السابقة والإمكانات المتاحة له وضعف الحوامل الاجتماعية”.

من جهته، يرى الباحث عبد الرحمن الحاج أن “ما نشهده اليوم من تصعيد هو مؤشر على أن التنظيم يسابق الوقت، ويرى أن الوقت ليس لمصلحته إذا أراد منع حكم الشرع من الاستقرار، لكنه لا يملك القدرة على التمكين والسيطرة”.

أما الباحث عرابي عرابي، فيعتبر أن “العمليات الحالية تهدف إلى إرسال رسائل أن التنظيم موجود وفاعل، لكن أي نجاح له ولو بسيط سيعيد الحرب إلى سوريا من جديد، ويعيد خلط الأوراق والاصطفافات الإقليمية والدولية، وهو أخطر عامل يهدد سوريا الجديدة”.

Related



إقرأ المزيد