خالد المطلق
في الرواق الدولي والمنصات التحليلية التي تتناول الأزمة السورية غالبًا ما تُختزل المأساة الإنسانية في ثلاثة عناوين عريضة، الحرب المستعرة والعقوبات الاقتصادية الخانقة والانهيار التدريجي للبنية التحتية، ورغم محورية هذه العوامل، فإنها تظل عاجزة عن تفسير العمق السحيق للتدهور المعيشي الذي يكابده السوريون اليوم، فخلف هذا الستار تقبع معضلة أشد فتكًا وأعمق جذورًا، وهي الفساد البنيوي الذي تغلغل في مفاصل “الدولة السورية الوليدة” حتى استحال جزءًا عضويًا من دورتها الدموية، والمفارقة الصارخة بين أنين الملايين القابعين تحت خط الفقر وبين التضخم المتسارع لثروات شبكات المصالح ليست مجرد خلل إداري عابر، بل هي إعلان صريح عن أزمة حكم وجودية تتعلق بكيفية إدارة الموارد العامة وتوزيعها في زمن الندرة.
لا تكمن الخطورة في الفساد السوري اليوم في كونه مجرد “رشى” أو “اختلاسات” معزولة، بل في تحوله إلى نهج إبستمولوجي لإدارة الدولة الوليدة، وتعيين الأقرباء والمحاسيب في مفاصل القرار ليس مجرد مكافأة اجتماعية، بل هو استراتيجية لتأمين “الولاء المطلق” على حساب “الكفاءة الوطنية”، فعندما يُسند منصب حساس لشخص غير مؤهل لمجرد قرابته من مركز نفوذ فإننا لا نقتل المؤسسة إداريًا فحسب، بل ننهي دورها الوظيفي كخادم للمصلحة العامة، وهذا التغول للمحسوبية خلق “طبقة عازلة” من المنتفعين الذين يرون في بقاء الدولة هشة مصلحة استراتيجية، لأن الدولة القوية القائمة على القانون هي العدو الأول لامتيازاتهم غير المشروعة.
إن ما يثير الريبة في أداء القيادة الانتقالية ليس عجزها عن رصد الفساد، فهو أوضح من أن يُخفى، بل في تبنيها لـ”فلسفة التطنيش” المتعمد، وهذا التجاهل ليس نتاج مصادفة أو انشغال بملفات الحرب، بل هو “صمت وظيفي” يخدم هرم السلطة، ومن خلال غض الطرف عن التجاوزات الصارخة، تُرسل القيادة رسائل مضمرة لشبكات المصالح بأن “الولاء مقابل الحماية”، وهذا الأسلوب المدروس يؤدي إلى نتيجة حتمية هي تآكل هيبة الدولة من الداخل وتحويل مؤسساتها إلى هياكل فارغة تُستخدم كغطاء قانوني لعمليات النهب المنظم، و”التطنيش” هنا هو الأداة التي تشرعن الفوضى وتجعل من الفساد “قدرًا لا يمكن دفعه” في وعي المواطن.
لقد أدى هذا الفساد البنيوي إلى نشوء “اقتصاد الظل” القائم على شبكات العلاقات الشخصية، وفي سوريا اليوم لا يتوقف نجاح المشروع التجاري على جدواه الاقتصادية، بل على مدى قربه من “خيوط العنكبوت” التي تديرها المحسوبيات، فالحصول على تراخيص الاستيراد أو الوصول إلى التمويل أو حتى الحماية من الابتزاز البيروقراطي كلها أمور تمر عبر قنوات غير رسمية، وهذا المناخ الطارد للاستثمار النزيه أدى إلى ظاهرة “هجرة العقول” الصامتة، فالكفاءات السورية الشابة حين تجد أن الطريق نحو الإبداع والخدمة العامة مسدود بجدار من “أبناء المسؤولين” وغير المؤهلين تختار الرحيل، مما يفرغ البلاد من أهم مواردها الاستراتيجية ألا وهو الإنسان.
إن أخطر تكلفة لهذا المسار هي الانهيار التام في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فالمواطن الذي يرى الموارد الوطنية تُبدد في صفقات مشبوهة بينما يعجز هو عن تأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية يفقد انتماءه للمؤسسة، وهذا الشرخ في “العقد الاجتماعي” يحوّل المواطن من شريك في بناء الدولة إلى ناقد أو يائس، مما يسهل عملية “إنهاء مؤسسات الدولة إلى الأبد”، واستمرار هذا النهج يعني أن الدولة لم تعد تمثل مظلة للجميع بل أصبحت “غنيمة” لطرف ضد أطراف، وهو ما يهدد بتمزيق النسيج الاجتماعي والسياسي لسنوات طويلة مقبلة.
في الختام، تقف سوريا اليوم أمام منعطف تاريخي لا يحتمل أنصاف الحلول، فإعادة إعمار البلاد لا تبدأ من رصف الطرق أو ترميم الأبنية، بل من إعادة بناء “الثقة” المفقودة بين الدولة والمجتمع، ومكافحة الفساد لن تتحقق ببيانات إنشائية أو حملات إعلامية موسمية، بل باستقلال حقيقي للقضاء وشفافية مطلقة في إدارة المال العام، فالتجارب الدولية تؤكد أن الدول تستطيع تحويل الأزمات الكبرى إلى فرص للإصلاح الهيكلي، ولكن هذا يتطلب إرادة سياسية تقطع مع “سياسة التطنيش”، وتدرك أن بناء الدول لا يقوم على الموارد المتاحة فحسب، بل على عدالة المؤسسات وكفاءتها، ودون هذه الوقفة الجادة سيظل التعافي الاقتصادي وهمًا بعيد المنال، وستظل الدولة غنيمة يتداولها غير المؤهلين على حساب أنقاض وطن وشعب.
Related


