الحرب وتعليق الطيران.. سوريون مغتربون يدفعون فاتورة مضاعفة
عنب بلدي -

عنب بلدي – محمد ديب بظت

مع تصاعد التوتر العسكري في المنطقة بين إسرائيل وإيران، توقف عدد من الرحلات الجوية بشكل مفاجئ، ما وضع السوريين المغتربين في مواجهة مباشرة مع واقع جديد من الإرباك والضغط النفسي والمادي.

يجد كثير من السوريين أنفسهم عالقين داخل سوريا أو مضطرين للبحث عن طرق بديلة للعودة إلى أعمالهم في الخارج، في وقت تتزايد الحاجة إلى إدارة المدخرات والتخطيط للمصاريف في ظل ظروف غير متوقعة.

وتحولت الزيارات القصيرة المخطط لها إلى إقامة غير متوقعة، إذ يضطر المغتربون للبقاء لفترة أطول داخل سوريا بسبب توقف الرحلات الجوية.

ويصف العديد منهم هذه اللحظات بأنها مليئة بالقلق والإرباك، إذ ينتظرون فتح الحجوزات أو البحث عن حلول بديلة، مع استمرار الضغط النفسي بسبب التأخر عن العمل أو الالتزامات المهنية.

وفي ظل هذه الظروف، تتحول الفترات المخصصة للزيارة العائلية أو قضاء العطلات القصيرة إلى تجربة صعبة تتطلب تحمل تكاليف إضافية، وأحيانًا الانتقال لمسافات طويلة برًا، في محاولة للوصول إلى مطارات داخلية ومن ثم مطارات بديلة خارج البلاد.

انتظار وقلق

عدي أبو فخر، أحد السوريين العاملين في مدينة أربيل، قدم إلى سوريا قبل أسبوع من اندلاع التصعيد العسكري، وكان يخطط للبقاء مدة أسبوعين فقط قبل العودة إلى عمله في أحد المطاعم بمدينة أربيل.

توقف الرحلات الجوية وضع عدي أمام واقع مختلف، إذ لم يعد قادرًا على المغادرة في الوقت المحدد، واضطر للبقاء داخل البلاد بانتظار فتح الحجوزات.

وقال عدي لعنب بلدي، إن دخوله إلى سوريا عبر مطار “دمشق” كان طبيعيًا، وكان يعتقد أن العودة ستكون بالسهولة نفسها، إلا أن توقف الرحلات الجوية وإغلاق الطرق جعل مغادرته شبه مستحيلة في الوقت الحالي.

الانتظار لفترة أطول من المخطط لها تركه بحالة من القلق، خاصة مع ارتباطه بعمل ثابت في أربيل يعتمد عليه كمصدر دخل رئيس.

وأضاف أن فترة العيد كانت من أكثر الفترات ضغطًا في المطعم الذي يعمل فيه، وكان من المفترض أن يعود قبلها بأيام، إلا أن الظروف حالت دون ذلك، ما وضعه في موقف حرج أمام إدارة العمل وزملائه، الذين اضطروا لتعويض غيابه خلال فترة الازدحام.

ولفت إلى أن استمرار التأخير قد ينعكس سلبًا على استقراره المهني، خاصة أن طبيعة العمل في المطاعم تعتمد على الالتزام بالمواعيد والحضور خلال المواسم.

البقاء داخل سوريا لفترة أطول من المخطط لها يعني استنزاف مدخرات عدي تدريجيًا، سواء في تكاليف المعيشة أو التنقل أو محاولة البحث عن حجوزات بديلة، مشيرًا إلى أنه يراقب بشكل يومي أخبار الرحلات الجوية على أمل أن يتمكن من العودة قريبًا إلى أربيل واستئناف عمله.

وأوضح أن الانتظار دون موعد واضح لفتح الرحلات يخلّف حالة من الإرباك لدى كثير من المغتربين، إذ يجدون أنفسهم عالقين بين الرغبة في البقاء مع عائلاتهم والخوف من فقدان أعمالهم أو استنزاف مدخراتهم، في ظل غياب خيارات واضحة للسفر.

يشهد السفر البري من سوريا إلى العراق، ولا سيما إلى إقليم كردستان، صعوبات كبيرة، إذ لا يعد معبر “سيمالكا” في محافظة الحسكة خيارًا متاحًا بشكل فعلي أمام السوريين الراغبين بالمغادرة، نظرًا للحاجة إلى إجراءات وأوراق خاصة للعبور.

كما أن المعبر مغلق حاليًا بسبب ارتفاع منسوب المياه في نهر دجلة، ما أدى إلى تعليق الحركة عبره.

ومع توقف العمل في “سيمالكا”، تحولت الحركة نحو معبر “الوليد”، إلا أن الدخول إلى إقليم كردستان العراق عبره يفرض إجراءات مختلفة ولا يشمل عموم السوريين، إذ تتركز الحركة بشكل أساسي على القادمين من العراق إلى سوريا، بينما تبقى المغادرة من سوريا باتجاه الإقليم محدودة ومعقدة.

تكاليف إضافية

مع استمرار تعليق بعض الرحلات الجوية، أصبح كثير من المغتربين يعتمدون على حلول مؤقتة، مثل انتظار فتح الحجوزات أو تغيير مسارات السفر بالكامل، ما يرفع التكاليف ويزيد من الضغط النفسي والمادي عليهم.

كما أن إدارة المصاريف تصبح أصعب، إذ يزداد الاعتماد على المدخرات الشخصية في ظل ارتفاع تكاليف التنقل والمبيت والطيران البديل.

أحمد إبراهيم، أحد السوريين الذين غادروا البلاد باتجاه ألمانيا قبل يوم واحد من عيد الفطر، اضطر إلى تغيير مسار رحلته بعد توقف خيار السفر عبر مطار لبنان، الذي كان مقررًا أن يكون نقطة العبور الأولى نحو اسطنبول ومنها إلى وجهته النهائية.

ومع إغلاق هذا الخيار، وجد أحمد نفسه مضطرًا لاختيار طريق بديل يعتمد على السفر برًا إلى مدينة حلب ثم المغادرة عبر مطارها، ما فرض عليه مشقة إضافية وتكاليف جديدة.

وقال أحمد لعنب بلدي، إن الفارق في أسعار التذاكر لم يكن كبيرًا مقارنة بالخيارات السابقة، إلا أن التحدي الأساسي كان في مشقة الطريق والوقت الذي استغرقته الرحلة، إذ اضطر للانطلاق من دمشق إلى مطار حلب برًا، ما تطلب تجهيزًا مسبقًا وتحضيرًا قبل موعد السفر بوقت كافٍ، إضافة إلى ساعات طويلة من التنقل والانتظار.

وأشار إلى أن الرحلة البرية بين دمشق وحلب، إلى جانب إجراءات الوصول والانتظار داخل المطار، استغرقت أكثر من عشر ساعات، ما جعل عملية السفر مرهقة جسديًا ونفسيًا.

وبيّن أن تكلفة الوصول إلى حلب ومطارها بلغت نحو 300 ألف ليرة سورية، في حين بلغ سعر التذكرة إلى اسطنبول نحو 200 دولار، إضافة إلى 150 يورو لرحلة المتابعة من اسطنبول مع الأمتعة، ما رفع التكلفة الإجمالية إلى نحو 400 دولار تقريبًا.

السفر عبر مطار بيروت كان يمكن أن يكلفه نحو 300 دولار فقط، ما يعني أن التغيير في المسار فرض عليه عبئًا ماليًا إضافيًا إلى جانب مشقة الطريق.

المشكلة لم تكن في السعر وحده، بل في الضغط الناتج عن تغيّر خطة السفر في وقت قصير، والحاجة إلى التنقل لمسافات طويلة برًا، وانتظار ساعات داخل المطار، فأصبحت الرحلة أكثر تعقيدًا مقارنة بالخطة السابقة التي كانت تعتمد على السفر عبر لبنان بشكل مباشر وأكثر راحة.

ولفت إلى أن كثيرًا من المسافرين اضطروا لاتخاذ خيارات مشابهة في ظل توقف بعض الرحلات، ما يعني أن السفر يحتاج إلى وقت أطول وتكاليف إضافية وتخطيط أكثر دقة.

تأثير عكسي

شكّل توقف الرحلات الجوية نتيجة التوترات الإقليمية عاملًا رئيسًا في إعادة ترتيب خطط السفر لدى السوريين المغتربين، فكثير منهم صاروا أكثر حذرًا قبل العودة إلى سوريا، مراعاة للسلامة الشخصية، وتجنبًا لمشقة الطرق البرية أو الانتظار الطويل في المطار، إضافة إلى الضغط المالي الناتج عن تكاليف إضافية مفاجئة.

ويختار بعض المغتربين تأجيل زياراتهم إلى سوريا لحين استقرار الأوضاع، مثل أحمد مدبس، الذي فضّل عدم السفر خلال فترة العيد والانتظار حتى تتضح الأمور وتتوفر القدرة على السفر بشكل طبيعي.

أحمد يقيم في الإمارات، وقرر هذا العام تأجيل زيارته إلى سوريا خلال فترة العيد، انتظارًا لانتهاء حالة التوتر الإقليمي وعودة حركة السفر إلى طبيعتها.

وقال أحمد لعنب بلدي، إن القرار جاء بعد تقييم المخاطر المتعلقة بتوقف الرحلات الجوية، بالإضافة إلى الرغبة في تجنب مشقة الطريق وتكاليف السفر الإضافية في ظل ظروف غير مستقرة.

وأضاف أن تأجيل الزيارة يمنحه فرصة للتخطيط بشكل أفضل، وضمان العودة بأمان، مع الحفاظ على المدخرات واستقرار جدول عمله في الإمارات.

ويعكس هذا القرار حذرًا مشتركًا بين المغتربين، إذ إن الكثيرين صاروا يعيدون النظر في خططهم للسفر إلى سوريا، مراعاة للسلامة الشخصية وضمان استمرارية ارتباطهم المهني والأسري في الخارج.

Related



إقرأ المزيد