صليب التركمان.. لسان “الأوغوز” الذي لم يخفت في الساحل السوري
عنب بلدي -

عنب بلدي – آلاء شعبو

في أزقة قرية صليب التركمان التابعة لمحافظة اللاذقية، تحضر لغة “الأوغوز” العتيقة في تفاصيل الحياة اليومية لسكانها، حيث حافظت قرابة ألفي عائلة على تداولها، لتبقى التركمانية لغة البيت والشارع التي يتوارثها الأطفال قبل دخولهم المدرسة، ولم تستطع عقود الاستقرار في المتوسط محوها.

ويؤكد مختار القرية، عبد الله حسين، لعنب بلدي، أن هذا اللسان يشكل الرابط الأقوى بين الأجيال، ففي أزقة القرية، يكتسب الأطفال لغة البيت التركمانية قبل العربية التي يتعلمونها لاحقًا في المدرسة، هذا الترتيب جعل من التركمانية “لغة العاطفة والعيش”، بينما بقيت العربية لغة المعاملات والتعليم.

ويشير السكان إلى أن استمرارية اللغة تعود لنمط الحياة الاجتماعي داخل القرية، حيث تُدار تفاصيل البيع والشراء في “الدكاكين” والتشاور في “المضافات” باللغة الأم.

في صليب التركمان لا يزال كبارنا يتحدثون بلسان الأجداد، ومنهم من أمضى عمره دون أن يحتاج إلى الحديث بالعربية.

عبد الله حسين

مختار قرية صليب التركمان

العلَم.. صمود لستة عقود

لا يقتصر حضور الهوية في صليب التركمان على اللسان، ويمتد إلى رموز مادية متوارثة، أبرزها العلَم الذي يتجاوز عمره 60 عامًا.

هذا العلَم يُوضع على أربعة كراسي صغيرة مزينة بزخارف يدوية، ويجوب شوارع القرية في المناسبات الكبرى، كالأعراس الجماعية واستقبال الحجاج القادمين من مكة.

توقف رفع العلَم بين عامي 2008 و2009 نتيجة تضييق أمني على أي تعبير عن خصوصية إثنية أو ثقافية في سوريا، إلا أن الأهالي خاطروا بالاحتفاظ به مخبأ في بيوتهم، ليعود بعد سقوط النظام إلى مكانه الطبيعي في مقدمة المحافل، بوصفه علامة على استمرارية التقاليد وكسر القيود التي فُرضت عليهم سابقًا.

فلكلور العرس.. من “الحنة” إلى “الزبون”

يظهر التمايز الثقافي بوضوح في طقوس الأعراس التي تمتد لعدة أيام، لتبدأ من ليلة “الحنة” التي تسبق يوم العرس، حيث تجتمع النساء على إيقاع الطبل والزمر التركماني، وتحضر الأزياء التقليدية التي تحمل ملامح أناضولية واضحة، فيرتدي الرجال “الزبون” و”اليشمغ”، بينما تتزين النساء بـ”الشروال” و”التنورة” و”الفس” المرصع أحيانًا بقطع معدنية تقليدية.

هذا الزي التقليدي يورث من الأمهات للكنّات، ويُصنع يدويًا بمهارة تضمن بقاء تفاصيل التطريز التي تعكس ذاكرة جماعية لم تستطع الحداثة محوها.

وتترافق هذه المظاهر مع مقامات موسيقية يتقن المغنون المحليون أداءها، وهي مقامات تتقاطع بشكل مذهل مع مقامات كركوك وتلعفر، ما يثبت وحدة الفن التركماني رغم تشتت الجغرافيا.

المطبخ.. سر “سرغي بورما” واليخنة

في بيوت صليب التركمان، يحافظ المطبخ على نكهته الأولى، وتعتبر حلوى “سرغي بورما” (Burma) أيقونة موائد الأعياد.

قالت السيدة ماريا الصابوني (50 عامًا)، لعنب بلدي، إن مهارة صنع هذه الحلوى تكمن في “فرد العجين” يدويًا ليصبح شفافًا كالورق، ثم حشوه بالجوز أو القشطة، ولفّه بشكل حلزوني يمنحه قوامًا مقرمشًا يختلف تمامًا عن البقلاوة الشامية المتعارف عليها.

أما “اليخنة” (Yahni) فتُطبخ في القرية بأسلوب “الطهو البطيء” للحم مع الخضار، مع تقليل الزيوت والاعتماد على مرق اللحم الصافي، وهو ما يعكس نمطًا غذائيًا قديمًا كان يعتمد على ما تجود به الأرض من بقوليات ومواشٍ. وكذلك “الكفتا” التي تُحضر بلحم صافٍ دون إضافات البرغل الكثيرة، لتكون أقرب للمطبخ الأناضولي الأصيل.

“نخوة” الجوار والتعايش المتجذر

​رغم خصوصيتها الثقافية واللغوية، ترتبط صليب التركمان بعلاقات اجتماعية وثيقة مع محيطها الجغرافي، يصفها المختار عبد الله حسين، بأنها قائمة على “النخوة والاحترام المتبادل”.

وتظهر هذه الروابط بشكل جليّ مع القرى المجاورة ذات الأغلبية العلوية، حيث يشترك أهالي المنطقتين في تفاصيل حياتية يومية لم تتأثر بتبدل الظروف السياسية، وهو ما أكده لنا أبناء قرية الشبطلية المجاورة لصليب التركمان.

هذا التعايش يُترجم عمليًا في التكافل الاجتماعي، خاصة في شهر رمضان المبارك، حيث تتبادل العائلات من القرى المختلفة الأطباق، وتتشارك في موائد الإفطار، ما يعكس حالة من الاستقرار المجتمعي المبني على الجيرة الطويلة والمصالح المشتركة فوق تراب الساحل.

جذور “الأوغوز” في أحضان “المالديف”

​يعود استقرار التركمان في المنطقة إلى القرن الـ11، حين استقرت قبائل “الأوغوز” في مرتفعات الساحل السوري، مشكّلة ما يُعرف بـ”باير بوجاك” (جبل التركمان).

في “صليب التركمان” تحديدًا، يمتزج هذا التاريخ العريق بجمال طبيعي فريد، حيث تلتف البيوت التي لا تزال تنطق بالتركمانية حول شاطئ صخري أبيض بمياه تركوازية صافية، بات يطلق عليه “مالديف سوريا”.

​هذا التناغم بين لسان الأجداد وسحر المتوسط، يمتد ليشمل قرى أخرى في اللاذقية، مثل قرية أم الطيور (ترونش) التي تمتاز بجمالها الجبلي والساحلي، وصولًا إلى عمق جبل التركمان بقرى منطقتي باير وبوجاك، والقسم الشمالي المحاذي للحدود.

اليوم، يقف شاطئ القرية بتكويناته الكلسية البيضاء كشاهد على بقاء هذا المكون السوري الأصيل، الذي حافظ على هويته الثقافية، لتظل “صليب التركمان” وجاراتها من القرى التركمانية واحدة من أجمل نقاط اللقاء بين التاريخ الآسيوي والجغرافيا السورية.

Related



إقرأ المزيد