الحسكة.. تحركات رسمية لكشف مقابر جماعية في “الكامب الصيني”
عنب بلدي -

تتواصل التحركات الرسمية والفنية في ريف الحسكة الجنوبي، عقب اكتشاف مقبرة جماعية قرب موقع يُعرف بـ“الكامب الصيني” شرق مدينة الشدادي، في ملف يعيد إلى الواجهة قضية المفقودين في المنطقة، ويثير تساؤلات واسعة حول هوية الضحايا وظروف وفاتهم، في ظل تعقيدات ميدانية وتقنية ترافق عمليات الكشف والتوثيق.

جولة رسمية ومعاينة أولية

وأجرى وفد من وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث جولة ميدانية في موقع المقبرة الجماعية المكتشفة داخل سجن “الكامب الصيني”، برفقة مدير منطقة الشدادي وعضو الفريق الرئاسي مصطفى عبدي، بهدف الوقوف على واقع الموقع وتقييم حجم المقابر المحتملة في محيطه.

وقال مدير مديرية الطوارئ والكوارث في دير الزور والحسكة، زياد العبود، إن الفرق المختصة كشفت عن “عدة مقابر جماعية داخل السجن وفي محيطه”، مشيرًا إلى أن العمل جارٍ لإرسال فرق متخصصة لاستكمال عمليات الكشف واتخاذ الإجراءات اللازمة وفق الأصول المعتمدة.

وتعكس هذه الجولة بداية تحرك رسمي منسق للتعامل مع الموقع، وسط ترجيحات بوجود أكثر من نقطة دفن غير معلنة، ما يوسع من نطاق التحقيقات المرتقبة.

نقل الرفات وبدء التحاليل

بالتوازي مع الجولة الرسمية، وصلت فرق من الهيئة الوطنية للمفقودين والطبابة الشرعية إلى الموقع، حيث باشرت أعمالها الميدانية بنقل الرفات التي جرى استخراجها.

وبحسب المعطيات الأولية، تم نقل تسعة أكياس تحتوي على رفات بشرية إلى مخابر الطبابة الشرعية في مدينة حلب، تمهيدًا لإجراء تحاليل الحمض النووي (DNA)، في محاولة لتحديد هوية الضحايا.

وأشارت المعلومات إلى أن بعض الرفات قد تكون مختلطة وتعود لأكثر من شخص، وهو ما يزيد من صعوبة المهمة، ويتطلب إجراءات دقيقة ومعقدة ضمن بروتوكولات التعرف على المفقودين.

شهادات محلية: مقابر وآبار

من جانبه، أوضح مدير منطقة الشدادي، عدنان درويش، أن اكتشاف المقبرة جاء بعد بلاغ من الأهالي، الذين عثروا على تسع جثث مدفونة بالقرب من سطح الأرض، ما دفع السلطات المحلية إلى رفع تقرير رسمي للجهات المعنية.

وأضاف أن عمليات المسح الأولية، مدعومة بشهادات سكان المنطقة، كشفت عن “أكثر من نقطة يُشتبه في احتوائها على مقابر جماعية”، فضلًا عن وجود آبار يُعتقد أنها تحتوي على جثث.

وأكد درويش أن استخراج الجثث من هذه المواقع وتحديد هوياتها يتطلب إمكانيات تقنية وبشرية كبيرة، مشيرًا إلى وعود من مديرية الطوارئ بالتنسيق مع الجهات المعنية لمتابعة الملف.

ولفت إلى أن هذا الملف يهم شريحة واسعة من الأهالي الذين يراجعون الجهات المحلية بشكل دوري بحثًا عن معلومات حول مصير ذويهم المفقودين، في ظل غياب إجابات واضحة حتى الآن.

بيان رسمي وتحذيرات

في بيان لها، أكدت الهيئة الوطنية للمفقودين أن التعامل مع مواقع المقابر الجماعية يتم ضمن إطار وطني منظم، يهدف إلى كشف مصير المفقودين وحماية حقوق الضحايا وعائلاتهم.

وأوضحت أن فرقها، بالتعاون مع الدفاع المدني، استجابت في 29 من آذار لبلاغ حول وجود بقايا بشرية مكشوفة قرب الموقع، حيث قُدّر عدد الرفات بتسعة، بعضها مختلط.

وأكدت الهيئة أنها عملت على استرجاع الرفات وفق بروتوكولات معتمدة تضمن الحفاظ على الأدلة، مشددة على أن أي تدخل غير مصرح به في هذه المواقع يُعد “انتهاكًا جسيمًا” قد يعرّض مرتكبيه للمساءلة القانونية.

كما دعت المواطنين إلى عدم الاقتراب من مواقع المقابر أو العبث بها، والإبلاغ عن أي معلومات عبر القنوات الرسمية، لضمان سير عمليات التوثيق والتحقيق بشكل مهني.

تحديات تقنية وإنسانية

تواجه فرق العمل جملة من التحديات، أبرزها تحلل الجثث بشكل شبه كامل، واختلاط الرفات، ما يصعّب من عملية التعرف على الضحايا باستخدام الوسائل التقليدية.

وتبرز تحاليل الحمض النووي كخيار رئيسي في هذه الحالات، لكنها تتطلب وقتًا طويلًا، إضافة إلى ضرورة توفر عينات مرجعية من عائلات المفقودين، وهو ما قد لا يكون متاحًا دائمًا.

كما أن وجود مقابر إضافية أو آبار تحتوي على جثث يزيد من تعقيد المشهد، ويستلزم عمليات مسح شاملة باستخدام تقنيات متقدمة، إلى جانب تأمين الموقع ومنع العبث به.

آمال الأهالي ومخاوفهم

بالنسبة لأهالي الشدادي وريفها، يمثل هذا الاكتشاف بارقة أمل لمعرفة مصير مئات المفقودين، لكنه في الوقت ذاته يثير مخاوف من طول أمد الإجراءات أو فقدان الأدلة نتيجة التدخلات غير المنظمة.

ويأمل كثيرون أن تسهم التحركات الحالية في فتح هذا الملف بشكل جدي، والوصول إلى نتائج ملموسة تعيد بعضًا من الحقيقة الغائبة منذ سنوات.

بداية الاكتشاف

وكان أهالي مدينة الشدادي عثروا، في 28 من آذار، على مقبرة جماعية قرب “الكامب الصيني”، الذي استُخدم سابقًا من قبل “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) كمقر عسكري ومركز تدريب، إضافة إلى كونه سجنًا لمحتجزين يُشتبه بانتمائهم إلى تنظيم “الدولة الإسلامية”.

وأظهرت عمليات الكشف الأولية وجود رفات تسعة أشخاص داخل المقبرة، دون التمكن من تحديد هوياتهم بسبب تحلل الجثث، ما زاد من تعقيد التحقيقات.

ويأتي هذا الاكتشاف في سياق أوسع من المقابر الجماعية التي كُشف عنها في مناطق مختلفة من سوريا خلال الفترة الماضية، في ظل استمرار المطالبات بفتح ملفات المفقودين وتحقيق العدالة للضحايا وعائلاتهم.

Related



إقرأ المزيد