عنب بلدي - 3/31/2026 10:46:10 AM - GMT (+2 )
يشهد “اقتصاد الظل” في سوريا توسعًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، إذ تحول إلى أحد المكونات الأساسية في المشهد الاقتصادي، وبات هذا الاقتصاد يستقطب شريحة واسعة من الأفراد والأنشطة التي تعمل خارج القنوات الرسمية.
وفي ظل تعقيدات الواقع الاقتصادي، يبرز “اقتصاد الظل” كخيار فرضته الظروف المعيشية، لكنه في الوقت ذاته يطرح تحديات متزايدة أمام جهود ضبط السوق وتعزيز الاستقرار الاقتصادي.
ومع تراجع قدرة المؤسسات الرسمية على الضبط والتنظيم، واتساع الفجوة بين التشريعات والواقع، برز هذا الاقتصاد كمساحة موازية تستوعب شريحة واسعة من الفاعلين، إلى الشبكات الاقتصادية غير الرسمية.
وفي ظل هذا الواقع، يبرز “اقتصاد الظل” كآلية تكيف فرضتها الظروف، لكنه في الوقت ذاته يشكّل تحديًا حقيقيًا أمام جهود إعادة تنظيم الاقتصاد وتحقيق الاستقرار المالي.
يتضخم في البيئات التي تعقد الإجراءاتيتضمن “اقتصاد الظل” أو ما يعرف بـ”الاقتصاد الخفي” مجموعة واسعة من الأنشطة، بدءًا من العمل الاقتصادي غير الرسمي وتجارة السلع المهربة، وصولًا إلى الأسواق السوداء التي تنشط في غياب الرقابة.
يمثّل تعريف “اقتصاد الظل” مدخلًا أساسيًا لفهم طبيعته في سوريا، خاصة مع تداخله مع أنماط أخرى من النشاط غير الرسمي، كما أن تفسير استمراره رغم التحولات الاقتصادية التي طرأت على الاقتصاد السوري، وتحويله من اقتصاد موجه اشتراكي لاقتصاد السوق الحر، يسلّط الضوء على عمق العوامل التي تغذّيه.
وهنا، يقدّم الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، توصيفًا دقيقًا لـ”اقتصاد الظل”، معتبرًا أنه يشمل جميع الأنشطة الاقتصادية المشروعة التي تُمارس خارج الإطار القانوني، سواء عبر عدم التسجيل الرسمي أو التهرب الجزئي من الالتزامات الضريبية.
ويشير إلى أن هذه الظاهرة لا ترتبط بمرحلة سياسية بعينها، بل هي موجودة في مختلف الاقتصادات، لكنها تتضخم في البيئات التي تتسم بتعقيد الإجراءات وضعف الحوافز.
ويشرح أن استمرارية “اقتصاد الظل” في سوريا تعود إلى غياب بيئة تنظيمية مشجعة، حيث يواجه الأفراد صعوبات في التسجيل الرسمي، سواء من حيث التكاليف أو الإجراءات أو غياب الفوائد المباشرة.
وبالتالي، يفضّل كثيرون البقاء خارج المنظومة الرسمية، حتى وإن كانوا يمارسون أعمالًا مشروعة، بحسب الخبير الاقتصادي.
| استمرارية اقتصاد الظل في سوريا تعود إلى غياب بيئة تنظيمية مشجعة.
محمد الحلاق |
من جانبه، يربط الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، بين توسّع “اقتصاد الظل” والخلل البنيوي في الاقتصاد السوري، موضحًا أن تراجع دور المؤسسات الرسمية خلال السنوات الماضية خلق فراغًا تنظيميًا، تم ملؤه بأنشطة غير رسمية.
ويضيف أن هذا الاقتصاد لم يعد خيارًا بقدر ما أصبح ضرورة معيشية، إذ تعتمد عليه شريحة واسعة من الأسر لتأمين دخلها، في ظل محدودية الفرص ضمن الاقتصاد الرسمي.
ويرى أن هذا الواقع يجعل من الصعب تقليصه دون معالجة جذور الأزمة الاقتصادية.
من يدير “اقتصاد الظل” اليوم؟تحوّل الفاعلين في “اقتصاد الظل” يعكس تغيّر موازين القوى الاقتصادية، ويعطي مؤشرًا على طبيعة المتحكمين في النشاط غير الرسمي، خاصة وأنه كان مرتبطًا قبل سقوط النظام السابق، برجال الأعمال المقربين من الأسد وبعض عناصر نظامه، ولكن اليوم، يبرز التساؤل، بسقوط النظام السابق ورجاله، من يدير هذا الاقتصاد؟
يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، أن إدارة “اقتصاد الظل” أصبحت أكثر تشتتًا، حيث لم تعد مقتصرة على فئات محددة، بل تشمل مهنيين وأفرادًا يعملون بشكل مستقل خارج الإطار القانوني.
ويؤكد أن هذا النمط من العمل يعكس غياب الحوافز للانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، وليس بالضرورة وجود نية للتهرب، بل هو خيار اقتصادي مرتبط بالكلفة والعائد.
في المقابل، يشير الدكتور عبد الرحمن محمد إلى أن إدارة هذا الاقتصاد باتت بيد شبكات غير رسمية متنوعة، تشمل رجال أعمال محليين، وعلاقات اقتصادية بديلة، وحتى مجموعات تستفيد من غياب الرقابة.
ويحذّر من أن هذا التحول يعقّد عملية التنظيم، إذ لم يعد بالإمكان التعامل مع اقتصاد الظل ككيان موحّد، بل كمنظومة متشعبة تتداخل فيها المصالح والفاعلون.
“اقتصاد الظل” في ظل اقتصاد السوق الحريثير وجود “اقتصاد ظل” في بيئة يرجح الخبراء والاقتصاديون على أنها سوق حر، رغم نفي الحكومة، تساؤلات حول كفاءة النظام الاقتصادي وعلاقة النظامين الاقتصاديين ببعضهما.
ويُعرف اقتصاد السوق الحر بأنه النظام القائم على حرية الأفراد بأي نشاط اقتصادي، ويبنى على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
وتختلف آراء الأوساط الاقتصادية حول هوية الاقتصاد السوري اليوم، سواء كانت تعتمد اقتصاد السوق الحر أم الاقتصاد الموجه، أم اقتصاد بهوية هجينة، مع استمرار الأزمات الاقتصادية التي تعوق بناء الاقتصاد وتعافيه وتحديد هوية واضحة له.
يرى الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، أن طبيعة النظام الاقتصادي، سواء كان حرًا أو موجهًا، لا تحدد بحد ذاتها حجم اقتصاد الظل، بل إن العامل الحاسم هو سهولة الإجراءات ووضوح القوانين، ومدى قدرة الأفراد على الامتثال لها.
بينما يركز الدكتور عبد الرحمن على أن وجود “اقتصاد ظل” واسع ضمن اقتصاد سوق حر يخلق اختلالًا في التنافس، حيث تتمتع الأنشطة غير الرسمية بميزة انخفاض التكاليف، ما يضعف قدرة القطاع المنظم على المنافسة.
|
الرئيس السوري، أحمد الشرع، قال إن السياسة الاقتصادية في سوريا الآن تقوم على حماية المنتج المحلي “نوعًا ما”، ولا تزال سوريا في وقتها الحالي غير قادرة على فتح السوق لأن إنتاجها ضعيف، وبالتالي ستغرق في المواد المستوردة وسيكون هذا على حساب الإنتاج المحلي في سوريا، وذلك خلال حديثه في “مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار” بالرياض، في 29 من تشرين الأول 2025. كما نفى مسؤول في الحكومة السورية، لعنب بلدي في وقت سابق، اتباع الحكومة اقتصاد السوق الحر، معتبرًا أن البيئة السورية اليوم غير مناسبة لتبنيه، وسياستها اليوم لا تقوم عليه، بل على سياسة اقتصادية تناسب الوضع الحالي. |
السوق السوداء تُعدّ من أكثر مظاهر الاقتصاد غير الرسمي إثارة للجدل، ويكمن التحدي في فهم دوافعها، لا سيما في البيئات التي تعاني من اختلالات في العرض والطلب.
وتعتبر السوق السوداء أحد ملامح “اقتصاد الظل”، رغم وجود فروق اقتصادية بين النوعين، بحسب خبراء الاقتصاد، إلا أنهما يعدان وجهين لعملة واحدة هدفها واحد.
هناك فرق جوهري بين الاثنين، بحسب الخبير محمد الحلاق، “إذ إن اقتصاد الظل يشمل أنشطة مشروعة غير مسجلة، بينما السوق السوداء تقوم على أنشطة غير قانونية، وبالتالي لا يمكن اعتبارهما كيانًا واحدًا”.
ويشدد على أن هذه السوق تعمل في الخفاء، ولا يمكن تقنينها أو إخضاعها للضرائب، ما يجعلها ظاهرة مختلفة جذريًا عن الأنشطة غير المسجلة لكنها مشروعة.
في المقابل، الدكتور عبد الرحمن محمد، ينظر إلى السوق السوداء من زاوية وظيفية، معتبرًا أنها تمثل استجابة مباشرة لاختلالات السوق، حيث تظهر عندما تعجز القنوات الرسمية عن تلبية الطلب.
ويشرح أن نقص السلع، وارتفاع الأسعار، والقيود على الاستيراد، كلها عوامل تدفع الأفراد للجوء إلى هذه السوق، ما يمنحها دورًا عمليًا في تلبية الاحتياجات، رغم طابعها غير الرسمي.
ويخلص إلى أن الواقع السوري أوجد تداخلًا بينهما، حيث تتقاطع القنوات غير الرسمية لتشكّل منظومة اقتصادية موازية، يعتمد عليها الأفراد في تلبية احتياجاتهم، ما يجعل الفصل النظري بينهما أقل وضوحًا على أرض الواقع.
تداعيات على الاقتصادرغم أن أنشطة “اقتصاد الظل” قد توفر بعض الاحتياجات، فإن لها تداعيات على المستوى الاقتصادي، فـ”اقتصاد الظل” ليس مجرد ظاهرة اقتصادية، بل هو أزمة مركبة تهدد تحسين الاقتصاد الوطني وتطوره.
يشير الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، إلى أن اتساع “اقتصاد الظل” يؤدي إلى خلل في توزيع الأعباء الضريبية، حيث تتحمل فئة محدودة الجزء الأكبر من الإيرادات، ما يضعف العدالة ويؤثر على استدامة المالية العامة.
كما يلفت إلى أن وجود نسبة محدودة من “اقتصاد الظل” قد يكون مقبولًا، لكن تضخّمه يعوق الأداء الاقتصادي.
يوافقه الرأي، الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور عبد الرحمن محمد، ويعتبر أن هذه الظاهرة تضعف المؤسسات، وتزيد من الفساد، وتحدّ من قدرة الدولة على التخطيط، فضلًا عن تأثيرها السلبي على الاستقرار السعري والنمو الاقتصادي.
| اقتصاد “الظل ” ظاهرة تضعف المؤسسات، وتزيد من الفساد، وتحدّ من قدرة الدولة على التخطيط، فضلًا عن تأثيرها السلبي على الاستقرار السعري والنمو الاقتصادي.
عبد الرحمن محمد خبير اقتصادي وأستاذ جامعي |
معالجة “اقتصاد الظل” تتطلب مقاربة متعددة الأبعاد، تجمع بين الإصلاح المؤسسي والتحفيز الاقتصادي، بحسب خبراء الاقتصاد.
الخبير الاقتصادي محمد الحلاق، يركز على أهمية تبسيط الإجراءات، وتقديم حوافز ملموسة مثل الضمانات الاجتماعية، بما يشجع الأفراد على التسجيل الرسمي، إلى جانب فرض رقابة فعالة.
في المقابل، يشدد الدكتور عبد الرحمن على ضرورة إصلاح شامل يعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، ويعزز كفاءة المؤسسات، ويخلق بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب الأنشطة غير الرسمية.
Related
إقرأ المزيد


