عنب بلدي - 4/1/2026 5:03:12 PM - GMT (+2 )
يحتفل السريان والآشوريون والكلدان حول العالم، ولا سيما في سوريا والعراق، بعيد “آكيتو” في 1 من نيسان من كل عام، تزامنًا مع بداية فصل الربيع، في مناسبة تحمل أبعادًا دينية وثقافية وتاريخية، وترمز إلى التجدد وبداية دورة حياة جديدة، إلى جانب كونها تعبيرًا عن التمسك بالهوية الثقافية والحضارية لهذه المكونات.
وفي محافظة الحسكة، شهدت عدة مناطق احتفالات واسعة بهذه المناسبة، من بينها قريتا دمخية الكبيرة والوطواطية قرب مدينة القامشلي، وكر شيران في القحطانية، وتل الورديات في تل تمر، حيث شارك مئات الأهالي من مختلف مكونات المنطقة في فعاليات متنوعة، جمعت بين الطابعين الاحتفالي والتراثي.
احتفالات متنوعة ومشاركة مجتمعيةتضمنت الاحتفالات هذا العام برامج فنية وثقافية متعددة، شملت عروضًا راقصة وغنائية قدمتها فرق محلية، إلى جانب لوحات فنية جسدت التراث السرياني، وسط حضور لافت لعائلات وأطفال ارتدوا الأزياء التقليدية، في مشهد يعكس استمرارية هذا الإرث الثقافي.
كما تخللت الفعاليات مسيرات ومواكب احتفالية، رُفعت خلالها رموز ثقافية وأعلام تعبر عن الهوية السريانية والآشورية، إضافة إلى تبادل التهاني بين المشاركين، في أجواء احتفالية جامعة تعكس التنوع الاجتماعي في المنطقة.
رئيسة الجمعية الثقافية السريانية في الحسكة، بوليانا ملكي، قالت في حديث إلى عنب بلدي، إن عيد “آكيتو” يُحتفل به لدى جميع شعوب سوريا، وخاصة داخل المجتمع المسيحي، وهو عيد التجدد وبداية حياة جديدة، مشيرة إلى أن المناسبة تتجاوز كونها احتفالًا سنويًا لتصبح “شهادة على وجود الهوية والثقافة السريانية والآشورية والبابلية”.
وأضافت أن العيد يمثل إحياء لإرث تاريخي عريق، يمنح الأجيال الجديدة القدرة على الاستمرار وبناء مستقبل يستند إلى تاريخ وثقافة غنية، مؤكدة أن “آكيتو” يشكل “رمزًا للوحدة والأمل” لدى أبناء هذه المكونات.
مطالب ثقافية وحقوقيةخلال الاحتفالات، عبّر عدد من المشاركين، لعنب بلدي، عن تمسكهم بحقوق الشعب السرياني الآشوري الكلداني، مؤكدين أهمية الحفاظ على لغتهم وثقافتهم، ومطالبين بالاعتراف بعيد “آكيتو” كعيد قومي ووطني في سوريا.
وقال إلياس سعيد، إن الاحتفال بعيد “آكيتو” يمثل تأكيدًا على حقوق هذا المكون، خاصة في ما يتعلق باللغة والاعتراف الرسمي بالعيد، بما يضمن صون هويته ضمن الأطر الدستورية.
من جهته، اعتبر وحيد لحدو أن هذه الفعاليات تأتي ضمن جهود مستمرة للحفاظ على التقاليد الثقافية في منطقة الجزيرة، مشددًا على أهمية تنظيم الاحتفالات بشكل آمن ومسؤول يتيح مشاركة جميع الأهالي.
بدورها، رأت ليلى يعقوب أن عيد “آكيتو” يتجاوز كونه مناسبة احتفالية، ليحمل رسالة محبة وسلام موجهة إلى جميع شعوب المنطقة، من خلال الفعاليات الثقافية والدينية والعروض الفنية التي تعكس غنى التراث وتنوعه.
وأكد المشاركون أن هذه الاحتفالات تندرج ضمن مساعٍ أوسع للحفاظ على التقاليد الثقافية والاحتفالية للشعوب السريانية والآشورية في الجزيرة السورية، مع الحرص على مشاركة مختلف فئات المجتمع.
جذور تاريخيةيُعد عيد “آكيتو” من أقدم الأعياد التي عرفتها البشرية، إذ تعود جذوره إلى حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة، وخاصة السومرية والبابلية والآشورية، حيث ارتبط بالزراعة والخصوبة وتجدد الطبيعة.
الباحث التاريخي محمد عبد الله قال في حديث إلى عنب بلدي، إن السومريين كانوا يحتفلون بـ”آكيتو” في 21 آذار من كل عام، باعتباره بداية السنة الجديدة لديهم، واحتفاء بموسم الاخضرار والإنبات المرتبط بأسطورة “دموزي”، التي ترمز إلى عودة الحياة بعد الموت.
وأضاف أن الأكاديين والبابليين والآشوريين نقلوا الاحتفال إلى بداية شهر نيسان، ليصبح موعدًا لبداية التقويم السنوي لديهم، حيث كانت الاحتفالات تستمر لمدة 12 يومًا، تمثل الفارق بين السنة القمرية والشمسية، في محاولة “لإعادة التوازن للكون” وفق المعتقدات القديمة.
وبحسب الباحث، فإن عيد “آكيتو” الذي يُحتفل به في 1 من نيسان 2026، يحمل الرقم 6776 في التقويم الخاص بهذه الحضارات، ما يجعله من أقدم الأعياد المستمرة في التاريخ.
طقوس متوارثةرغم مرور آلاف السنين، لا تزال طقوس “آكيتو” حاضرة حتى اليوم، وإن شهدت بعض التحديثات التي تواكب العصر، حيث يجتمع المحتفلون في الساحات العامة لتقديم عروض فلكلورية، ويرتدون أزياء تقليدية مزركشة، في استحضار للهوية التاريخية.
كما يحرص البعض على الخروج إلى الطبيعة خلال هذه المناسبة، في رمزية تعكس الارتباط بالربيع وتجدد الحياة، بينما يتوجه آخرون إلى الكنائس لأداء الصلوات والقداديس، في مزيج يجمع بين البعدين الديني والثقافي.
وتعكس هذه الممارسات استمرار حضور “آكيتو” كجزء من الذاكرة الجماعية للسريان الآشوريين والكلدان، إذ يشكل مناسبة سنوية لإعادة التأكيد على الانتماء الثقافي، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين أبناء المجتمع.
بين التراث والواقع المعاصرفي ظل التحولات التي شهدتها الحسكة خلال الفترة الأخيرة، تبرز أهمية هذه المناسبات في الحفاظ على التنوع الثقافي والديني، خاصة في مناطق تضم مكونات متعددة.
ويرى الباحث محمد عبد الله أن استمرار الاحتفال بعيد “آكيتو”، رغم التحديات، يعكس إصرار هذه المجتمعات على الحفاظ على إرثها التاريخي، ونقله إلى الأجيال القادمة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اندثار بعض الموروثات الثقافية.
وقال إنه مع كل عام، يتحول “آكيتو” إلى أكثر من مجرد عيد تقليدي، ليغدو مساحة للتعبير عن الهوية، ومنصة للتلاقي بين مختلف المكونات، ورسالة تؤكد أن التنوع الثقافي يمكن أن يكون عامل قوة في المجتمعات المتعددة.
ويستمر أبناء السريان الآشوريين والكلدان في إحياء هذا العيد، مستندين إلى تاريخ طويل يمتد لآلاف السنين، في محاولة للحفاظ على جذورهم الثقافية، والتأكيد على حضورهم في الحاضر، ورسم ملامح مستقبل يستند إلى إرث غني ومتجدد.
Related
إقرأ المزيد


