هل يشكّل الاستثمار بالمدن الصناعية نواة لتعافي الاقتصاد السوري؟
عنب بلدي -

سجلت المدينة الصناعية بحسياء نشاطًا خلال الربع الأول من العام الحالي، مع إصدار 26 رخصة بناء جديدة، وفق ما أعلنته وزارة الاقتصاد والصناعة السورية.

وبحسب الوزارة، فإنه إضافة إلى رخص البناء، تم إصدار 50 قرار تجديد، وقرارين للتعديل، ومنح 22 رسمًا تخطيطيًا (كروكيا) خاصًا برخص البناء.

وذكرت الوزارة أن هذا النشاط يعكس تصاعد وتيرة التوسع العمراني والصناعي في المدينة، ما يؤكد استمرار حسياء كوجهة جاذبة للاستثمار الصناعي المحلي والأجنبي، مدعومة ببنية تحتية متطورة وأنظمة عمل متكاملة.

ويأتي هذا الحراك ضمن جهود أوسع لتعزيز النشاط الاقتصادي في المدن الصناعية السورية، التي تمثل نقطة ارتكاز رئيسة لتعافي الاقتصاد السوري تدريجيًا، وسط تحديات تتعلق بالتمويل، والبنية التحتية، وقوانين الاستثمار.

وكان مدير المدن والمناطق الصناعية، مؤيد البنا، أعلن، في 1 من آذار الماضي، أن عدد المستثمرين بالمدن الصناعية في سوريا بلغ نحو 11 ألف مستثمر، بينهم 294 مستثمرًا أجنبيًا، بحسب ما نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا).

منطلق للنشاط الاقتصادي

يأتي هذا الحراك ضمن سياق أوسع من محاولات تنشيط القطاع الإنتاجي، خاصة في المناطق الصناعية التي باتت تمثل نقطة ارتكاز رئيسة لعملية التعافي الاقتصادي التدريجي.

وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الدكتور مجدي الجاموس، أن النشاط الاستثماري في المدن الصناعية يأتي في ظل تدهور اقتصادي موروث، وعدم قدرة الحكومة الحالية حتى الآن على تحويل سوريا إلى بيئة استثمارية جاذبة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال الخارجية أو أموال المغتربين.

وقال الخبير الاقتصادي، في حديث إلى عنب بلدي، إن التوجه نحو المدن الصناعية يأتي كخيار واقعي، في ظل صعوبة تعميم البنية التحتية على كامل الجغرافيا، ما دفع إلى اعتماد ما يمكن تسميته بـ”الاقتصاد الهرمي”، الذي يبدأ من نقاط محددة مثل المدن الصناعية، لتكون منطلقًا لإعادة بناء النشاط الاقتصادي.

وأشار إلى أن مدينة حسياء تحظى بميزات خاصة، أبرزها وجود استثمارات خارجية، ولا سيما من شركات سعودية، ساهمت في إطلاق مشاريع على مساحات واسعة، ما أعطى دفعة أولية لتشكيل بنية تحتية قابلة للنمو.

كما أن سهولة الإجراءات الإدارية داخل المدن الصناعية، مقارنة بخارجها، تشكل عاملًا إضافيًا لجذب المستثمرين.

وفي قراءته للأرقام، يعتبر الجاموس أنها تمثل بداية جيدة، لكنها تبقى دون الإمكانات المتاحة، حيث يمكن أن تكون مضاعفة عدة مرات في حال توفر بيئة استثمارية حقيقية، قادرة على جذب رؤوس الأموال المحلية والخارجية.

تحديات خارجية تزيد الإقبال عليها

في المقابل، فإن توجه المستثمرين نحو هذه المدن الصناعية لا يأتي بمعزل عن التحديات التي تواجههم خارجها.

وقال الدكتور مجدي الجاموس، إنه لا تزال هناك تحديات كبيرة، تتعلق بضعف الطاقة، وصعوبات تأمين المواد الأولية، ومشكلات التصدير، إضافة إلى المنافسة القوية من المنتجات المستوردة، خاصة من الدول المجاورة، والتي تدخل الأسواق بأسعار أقل من تكلفة الإنتاج المحلي.

وأضاف أن اللجوء إلى المدن الصناعية يمثل محاولة لتحقيق نوع من التكامل الإنتاجي، وتشكيل نقطة انطلاق لتعافٍ اقتصادي تدريجي، خاصة في ظل غياب بيئة قانونية وتشريعية واضحة، وضعف قطاع النقل وسلاسل التوريد، وارتفاع تكاليف الإنتاج.

تسهيلات ينقصها إصلاح القطاع المصرفي

‏كانت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أقرت، في حزيران 2025، نظام الاستثمار الجديد بالمدن الصناعية في سوريا، بهدف تعزيز البيئة الجاذبة للاستثمار الصناعي، وتشجيع الاستثمار الوطني والأجنبي في المدن الصناعية، ونقل وتوطين التكنولوجيا والمعرفة الصناعية.

وتوجد مجموعة من المزايا التي تجعل المدن الصناعية خيارًا أكثر قابلية للاستثمار مقارنة بغيرها، ولكن هذا يطرح تساؤلًا بشأن مدى كفاية هذه المزايا.

التسهيلات الحكومية الأخيرة، مثل تخفيض الدفعة الأولى للحصول على الأراضي، ومنح إعفاءات ضريبية وجمركية على خطوط الإنتاج، تعد خطوات إيجابية، برأي الخبير الاقتصادي الدكتور مجدي الجاموس، لكنها، غير كافية ما لم تترافق مع إصلاحات أوسع، خصوصًا في القطاع المصرفي، الذي يفترض أن يكون شريكًا أساسيًا في تمويل المشاريع وتقاسم المخاطر.

ويؤكد أن تحقيق تعافٍ اقتصادي فعلي يتطلب توسيع التجربة لتشمل مدنًا صناعية أخرى، مثل الشيخ نجار وعدرا، إضافة إلى دعم المناطق الصناعية بشكل عام، ضمن رؤية تقوم على “الاقتصاد المناطقي”، بحيث يتم تطوير كل منطقة وفق ميزاتها الإنتاجية.

أبرز التسهيلات المقدمة للصناعيين المحليين والخارجيين، تتمثل في إصدار نظام استثمار جديد خاص بالمدن الصناعية بقرار من وزارة الصناعة رقم 438، والذي يضم 26 مادة تتضمن حوافز وتسهيلات مشجعة لعملية الاستثمار في الحواضن الصناعية في سوريا.

مؤيد البنا

مدير المدن والمناطق الصناعية

غياب الوضوح القانوني أبرز التحديات

وفيما يتعلق بالتحديات، لفت الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي، الدكتور محدي الجاموس، إلى أن أبرزها يتمثل في عدم الاستقرار، وغياب الوضوح القانوني، وضعف البنية التحتية، خاصة في قطاع الطاقة، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتقلبات سعر الصرف، وغياب التمويل المصرفي.

وخلص إلى أن المدن الصناعية يمكن أن تشكل نواة حقيقية للتعافي الاقتصادي، شرط أن تترافق مع إجراءات حكومية داعمة، تشمل:

  • دعم قطاع الطاقة.
  • تفعيل دور القطاع المصرفي في التمويل وتقاسم المخاطر.
  • تبسيط إجراءات الترخيص وتقليل الروتين.
  • توحيد الجهات المسؤولة عن منح التراخيص.
  • تحسين البيئة القانونية لضمان وضوح العلاقة مع المستثمرين.

وكان رئيس هيئة الاستثمار السورية، طلال الهلالي، قال لعنب بلدي في وقت سابق، إن قانون الاستثمار يوفر حماية كاملة للمشاريع وأموال المستثمرين، ويمنع وضع اليد على المشاريع من أي جهة كانت، كما يتيح للمستثمر الأجنبي تملك المشروع بنسبة 100% دون شريك محلي.

وأضاف أن القانون يسمح أيضًا بإدخال خبرات أجنبية تصل إلى 40% من اليد العاملة في المشروع، بما يسهم في إطلاق المشاريع وتدريب الكوادر السورية ورفع المستوى التقني.

اقتصاد معكوس في سوريا.. الصناعة تتراجع والتجار يتحولون إلى مستوردين

Related



إقرأ المزيد