مصياف.. وجوه سوريا المتعددة
عنب بلدي -

عنب بلدي – آلاء شعبو

في مصياف، قد تضم العائلة الواحدة أكثر من انتماء طائفي، كما لا يلفت الانتباه الزواج بين أبناء المكونات المختلفة في المدينة، وهذا النمط من التعايش لا يقتصر على العلاقات العائلية، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، من السوق إلى المناسبات الاجتماعية، حيث تتقاطع الانتماءات دون أن تتحول بالضرورة إلى خطوط فاصلة، بل تبقى ضمن حدود التقبل والتعايش.

يشكل الإسماعيليون المكون الأبرز تاريخيًا داخل مدينة مصياف، وترتبط بهم القلعة كأحد أهم معالم الهوية المحلية.

في المقابل، يظهر تنوع سكاني أوسع على مستوى المنطقة، حيث يعيش إلى جانبهم أهل السنة، فيما يشكل العلويون النسبة الكبرى في ريف مصياف، إضافة إلى وجود أقليات من المسيحيين والكرد، كما يعيش تركمان في بعض القرى كقرية بيت ناطر.

وبحسب إحصائيات أمانات السجل المدني نهاية عام 2010، بلغ عدد سكان مصياف 34,469 نسمة.

السوق.. مساحة التقاء يومية

يعتبر سوق مصياف أكثر من مجرد مكان للتجارة، فهو مساحة للتفاعل الاجتماعي اليومي، حيث يلتقي أبناء المدينة بالوافدين من الريف بشكل مستمر.

الإعلامي قاسم الشيخ علي، وهو أيضًا صاحب محل تجاري في مدينة مصياف، قال لعنب بلدي، إن “السوق لا يعتمد فقط على أبناء المدينة، بل يعتمد أساسًا على أبناء الريف. ابن الريف بحاجة للسوق لتصريف منتجاته، وابن المدينة بحاجة للزبائن، وهذا خلق علاقات جميلة جدًا”.

هذا التعاون الاقتصادي بين المدينة والريف لم يقتصر على تبادل السلع، بل أسهم في بناء شبكة علاقات اجتماعية متينة، قائمة على المنفعة المتبادلة، ما عزز بدوره ثقافة التفاهم بين مختلف المكونات، وخلق نوعًا من الاعتماد المتبادل الذي يحدّ من احتمالات التصادم.

مناسبات تجمع لا تفرّق

لا تبقى الأعياد والمناسبات في مصياف ضمن حدود كل طائفة، بل تتحول إلى مساحة لقاء بين السكان. قال الإعلامي قاسم الشيخ علي، إنه توجه قبل أيام إلى قرية عين حلاقيم، حيث شارك أصدقاءه المسيحيين احتفالهم بأحد الشعانين، في مشهد يعكس طبيعة العلاقات بين أبناء المنطقة.

وأضاف، “كل مكوّن يمارس طقوسه دون تدخل من أي طرف آخر، وهم متقبلون لبعضهم”.

ولا تقتصر المشاركة على الحضور، بل تمتد إلى تبادل التهاني والزيارات، ما يعزز الروابط الاجتماعية ويجعل من هذه المناسبات فرصة لتجديد العلاقات بين السكان، بعيدًا عن أي حساسيات.

نشاط سياسي وثقافي متنوع

على الصعيد السياسي، عرفت مصياف حضورًا لافتًا لتيارات متعددة، من القوميين والناصريين إلى الشيوعيين والإسلاميين، حيث كانت النقاشات الفكرية جزءًا من الحياة اليومية، وأسهمت في تعزيز تقبل الاختلاف وتبادل الآراء. ورغم تراجع هذا النشاط لاحقًا، بقي أثره حاضرًا في وعي السكان وثقافتهم العامة.

كما نشط مثقفون في المدينة بإطلاق فعاليات ثقافية، أسهمت في تعزيز الحوار والانفتاح، وجعلت من مصياف مساحة تتجاوز حدودها الجغرافية الصغيرة، وتؤكد دور الثقافة كوسيلة للتقارب بين المكونات المختلفة.

لا يقتصر دور سوق مصياف على كونه مركزًا تجاريًا بل يشكّل نقطة يلتقي فيها أهالي المدينة مع الزوار القادمين من الريف – 11 أيلول 2025 (هيثم حسن/فيسبوك)

وعي يجنّب المدينة الصراع

خلال فترات النزاع، أسهم هذا التداخل في حماية المدينة نسبيًا من الانزلاق إلى صراعات واسعة.

قال محمد خضور، من سكان قرية دير ماما، “كان في وعي كبير بين الناس إنه نحنا لازم نجنب المنطقة أي صراع ممكن يصير. العلاقة بين الكل، سواء بالمدينة أو الريف، خلت الكل حريص إنه ما تتطور الأمور”.

هذا الوعي، المدعوم بعلاقات اجتماعية واقتصادية متشابكة، لعب دورًا في الحفاظ على استقرار المنطقة مقارنة بمناطق أخرى، وأظهر قدرة المجتمع المحلي على إدارة اختلافاته دون الانزلاق إلى مواجهات مفتوحة.

مشهد يلخص الحكاية

قلعة مصياف، أهم معالم المدينة، تقف على صخرة بيضاوية بطول يقارب 170 مترًا وعرض نحو 60 مترًا، وتتألف من عدة طبقات بُنيت بشكل هرمي، حيث حُفرت الأجزاء السفلية في الصخر لتُستخدم كخزانات للمياه ومخازن، فيما ضمت الطبقات العليا مرافق الحياة من غرف وساحات، ما يعكس نمط حياة متكاملًا داخل القلعة عبر فترات زمنية مختلفة.

وقال المدير السابق لقلعة مصياف، نزار عليقي، لعنب بلدي، إن أقدم ذكر للقلعة في المصادر التاريخية يعود إلى عام 999 ميلاديًا، وتعاقبت عليها قوى متعددة، قبل أن تبلغ ذروة أهميتها في القرن الـ12، حين أصبحت مركزًا للدعوة الإسماعيلية في عهد راشد الدين سنان.

لاحقًا، شهدت القلعة صراعات مع قوى إقليمية، من بينها محاولات حصار من قبل صلاح الدين الأيوبي، قبل أن تنتقل إلى الحكم المملوكي، ثم العثماني، حيث سكنها الأهالي لفترات طويلة، وصولًا إلى استخدامها كثكنة عسكرية خلال فترة الانتداب الفرنسي، قبل أن تخضع لعمليات ترميم حديثة أعادت إحياء حضورها التاريخي والسياحي.

من القلعة، يمكن رؤية مساجد متعددة المذاهب متقاربة، والكنيسة على مسافة قريبة، في صورة تعكس واقع المدينة باختلاف واضح، لكنه غير منفصل.

في مصياف، لا يبدو التعايش مثاليًا دائمًا، لكنه مستمر، مدفوعًا بعلاقات يومية، ومصالح مشتركة، ووعي جمعي تشكل عبر سنوات طويلة، ما يجعل من هذه المدينة الصغيرة نموذجًا حيًا لإمكانية التعايش رغم كل التباينات.

Related



إقرأ المزيد