سوريا على طريق الخصخصة: من يشتري العلاج… ومن يشتري القبر
زمان الوصل - 4/14/2026 9:26:02 AM - GMT (+2 )
إقرأ المزيد
زمان الوصل - 4/14/2026 9:26:02 AM - GMT (+2 )
بين خطاب "الإدارة الحديثة" وواقع التراجع الخدمي، تتكشف ملامح نقاش متصاعد حول مستقبل قطاعي الصحة والتعليم، وحدود دور الدولة في ضمان الخدمات الأساسية.
في لحظةٍ يزداد فيها العبء المعيشي ثقلاً على السوريين، لم يعد النقاش حول إدارة المشافي والمدارس مجرد تفصيل إداري، بل تحول إلى سؤال مباشر عن حدود ما ستبقى الدولة مسؤولة عنه وما سيترك لقدرة المواطن على الدفع.
في بلد لم يتعاف بعد من حرب استنزفت بنيته الاجتماعية والاقتصادية، لا تبدو مسألة إدارة المشافي والمدارس مجرد نقاش إداري أو خيار تقني، بل تبدو أقرب إلى إعادة صياغة لدور الدولة في إدارة الخدمات العامة. التصريحات التي صدرت مؤخراً حول إمكانية إشراك القطاع الخاص في إدارة بعض المؤسسات الخدمية، ثم التوضيحات اللاحقة التي أكدت استمرار دور الدولة الضامن للعلاج والتعليم، لم تنهِ الجدل بقدر ما أعادت فتح نقاش أوسع حول اتجاهات التطوير الإداري وحدود الشراكة مع القطاع الخاص.
المسألة هنا لا تتعلق بتصريح منفرد أو سوء فهم، بل بنمط من الطروحات التي تظهر على فترات، وتقابل بردود فعل مجتمعية واسعة، قبل أن يعاد ضبطها ضمن إطار توضيحي يؤكد عدم المساس بجوهر الخدمات العامة. ومع ذلك، فإن تكرار هذا النوع من النقاشات يعكس وجود اتجاه عام لإعادة النظر في آليات إدارة بعض القطاعات، ضمن سياق حديث عن رفع الكفاءة وتحسين جودة الخدمات.
وخلال المرحلة الأخيرة، لم يكن خافياً أن بعض القط
اعات الخدمية شهدت تحولات تدريجية في أنماط إدارتها أو آليات عملها، بما في ذلك مؤسسات التدخل الإيجابي وقطاعات النقل والخدمات، وصولاً إلى النقاشات المتكررة حول الصحة والتعليم. هذا التراكم في النقاشات والقرارات الجزئية لا يمكن عزله عن توجه أوسع يطرح تحت مسميات مختلفة، مثل تطوير الإدارة أو توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، بما يهدف في جوهره إلى تحسين الأداء وتقليل الأعباء التشغيلية على القطاع العام.
غير أن هذا التوجه، رغم ما يحمله من أهداف معلنة تتعلق بالكفاءة، يثير نقاشاً مشروعاً حول آليات تطبيقه في سياق اقتصادي واجتماعي شديد التعقيد. ففي دول شهدت تجارب مشابهة، ارتبطت إعادة هيكلة الخدمات العامة بضرورة وجود أنظمة حماية اجتماعية قوية وقدرة اقتصادية تسمح بانتقال تدريجي ومتوازن، وهو ما يشكل عاملاً أساسياً في تقييم أي سياسات مماثلة.
في الحالة السورية، يكتسب هذا النقاش حساسية خاصة، في ظل التحديات المعيشية القائمة وتراجع القدرة الشرائية لدى شريحة واسعة من المواطنين، ما يجعل أي تحول في إدارة قطاعات الصحة والتعليم مسألة لا تتعلق بالكفاءة فقط، بل بمدى ضمان استمرارية الوصول العادل إلى الخدمات الأساسية.
وهنا يتجاوز النقاش حدود الإدارة إلى مفهوم الدور الاجتماعي للدولة. فالصحة والتعليم ليسا مجرد خدمات قابلة للقياس بمعايير الربح والخسارة، بل يمثلان ركيزتين أساسيتين في الاستقرار الاجتماعي وتكافؤ الفرص. وأي تغيير في آليات تقديمهما ينعكس مباشرة على شكل العلاقة بين المواطن والدولة.
أما المقارنات التي تتردد في الشارع بين كلفة العلاج وكلفة القبر، فلم تعد مجرد سخرية عابرة، بل تحولت إلى لغة يومية تختصر حجم القلق المتراكم. فحين يصل النقاش إلى هذا الحد، لا يعود السؤال مبالغاً فيه: هل سيدفع المواطن ثمن علاجه، أم سيبدأ بحساب كلفة القبر، وبالمثل، هل ستبقى المدرسة خياراً متاحاً لأبناء الجميع، أم أن ضغوط المعيشة ستدفع مزيداً من العائلات إلى إخراج أبنائها من التعليم مبكراً، باتجاه مهن تفرضها الحاجة لا الاختيار، بما يحمله ذلك من مخاطر تراكم الجهل واتساع الفجوة الاجتماعية؟
في ظل واقع معيشي يزداد قسوة، حيث لم تعد مداخيل واسعة من الأسر تكفي لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، تبدو هذه الأسئلة انعكاساً مباشراً لحالة عامة، لا مجرد مخاوف نظرية. وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح الخطر الحقيقي ليس فقط في ارتفاع كلفة الخدمات، بل في تحولها إلى معادلة قسرية يواجه فيها المواطن خيارات لم يكن يفترض أن تطرح أصلاً: بين العلاج أو التخلي عنه، بين تعليم الأبناء أو دفعهم إلى سوق العمل مبكراً. وهي معادلة، إن ترسخت، لا تهدد الأفراد فحسب، بل تمس بنية المجتمع ومستقبله على المدى البعيد.
المسألة في جوهرها لا تتعلق برفض تطوير الإدارة أو تحسين أداء المؤسسات العامة، فذلك هدف لا خلاف عليه، بل تتعلق بمدى قدرة أي إصلاح على الحفاظ على البعد الاجتماعي للدولة، وضمان ألا تتحول الكفاءة الإدارية إلى عبء إضافي على المواطنين.
وفي المحصلة، لا يتعلق السؤال الحقيقي بطبيعة الجهة التي تدير المشفى أو المدرسة، بل بمدى بقاء هذه المؤسسات ضمن إطار الخدمة العامة التي تضمن حق الوصول العادل للجميع. وبين تطوير الإدارة والحفاظ على الدور الاجتماعي للدولة، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة، بما تحمله من تحديات تتطلب توازناً دقيقاً بين متطلبات الإصلاح وضرورات العدالة الاجتماعية.
ريم الناصر - زمان الوصل
إقرأ المزيد


