بوليفارد النصر في حمص: استثمار فوق الأنقاض أم إعادة إنتاج كوابيس التهجير؟
زمان الوصل - 4/14/2026 1:08:20 PM - GMT (+2 )
إقرأ المزيد
زمان الوصل - 4/14/2026 1:08:20 PM - GMT (+2 )
في مشروع يوصف بأنه الأكبر من نوعه في وسط سوريا منذ سنوات، يتحول "بوليفارد النصر" من وعود بإعادة الإعمار والتنشيط السياحي إلى أزمة معقدة تطال هوية المدينة التاريخية وملكيات سكانها، وسط انقسام حاد بين طموحات المستثمر الخاص ورفض شعبي واسع.
يمتد المشروع الذي تشرف عليه شركة "العمران" بقيادة المستثمر رفاعي حمادة وبالتنسيق مع محافظة حمص، ليشمل منطقتين متصلتين جغرافياً لكنهما مختلفتان تماماً من حيث الطبيعة والوضع القانوني: بساتين القرابيص وحي القرابيص السكني.
وتكمن المفارقة في أن المشروع يتجاهل إلى حد كبير الأحياء التي سُويت بالأرض بالكامل (والتي تشكل نحو 60% من مدينة حمص)، ليتركز بدلاً من ذلك على أراضٍ زراعية خضراء وأحياء متضررة جزئياً، فيما يتهمه الأهالي بأنه "مشروع جيوب لا بيوت".
📌 البساتين: "رئة حمص" في قفص الاتهام
تعتبر بساتين القرابيص، الممتدة من الكورنيش الغربي وصولاً إلى نهر العاصي عند منطقة الميماس، تاريخياً "رئة حمص" الخضراء وأرضاً زراعية بامتياز يملكها فلاحون. غير أن هذه البساتين تحولت في مخطط "بوليفارد النصر" إلى الصيد الثمين للمستثمر، حيث يُخطط لتحويلها من أراضٍ زراعية إلى "حديقة النصر" المستثمرة تجارياً، والتي تضم مطاعم وملاعب وأبراجاً سياحية. وقد شهدت هذه المنطقة تحديداً صراعاً قانونياً منذ عام 1994، حين جرت محاولات لاستملاكها تحت مسمى "حديقة الشعب"، من قبل النظام البائد، وهو ما استكمله المستثمر حالياً باستغلال قانون الاستملاك رقم 20 لعام 1983 بحجة المنفعة العامة بالتعاون مع المحافظة، ليُحوّلها من أرض كان يملكها فلاحون إلى استثمارات خاصة.
📌 حي القرابيص: سكان رمموا بيوتهم بأموالهم ورفضوا التهجير
على الضفة الأخرى، يقف حي القرابيص العمراني المتاخم للبساتين، والذي تعرض للدمار خلال الثورة، لكن سكانه عادوا ورمموا منازلهم بأموالهم الخاصة. هؤلاء السكان قادوا تظاهرات ضد المشروع تحت شعار "لا للتهجير – لا بوليفارد"، وبسبب ضغطهم الشعبي اضطرت شركة "العمران" إلى إعلان تأجيل العمل في "الحي السكني" مؤقتاً، بينما استمرت في الوقت نفسه في "قضم" البساتين والمناطق المجاورة مثل المصابغ وسوق الهال.
📌 هندسة الخسارة القسرية: كيف يجرد المشروع المواطنين من أملاكهم؟
بحسب الأهالي والمتابعين، يعتمد المشروع هيكلية منهجية لتجريد المواطنين من أملاكهم لصالح محفظة شركة العمران الخاصة، وتتضمن ثلاث آليات رئيسية.
📌الأولى هي "اقتطاع 35% من المساحة"، حيث يفرض المستثمر تعويضاً لا يتجاوز 65% فقط من المساحة الأصلية دون أي تعويض مالي عن الفارق، وهو ما وُصف بأنه مصادرة علنية لثلث أملاك الناس. 📌 الثانية فتعرف بـ "عقوبة المرممين"، إذ يُجبر السكان الذين أعادوا بناء منازلهم بأموالهم الخاصة على التخلي عنها لصالح المخطط فيما يُسمى بمبدأ "التضحية الإجبارية".
📌 الثالثة هي "النفي الاجتماعي"، حيث يُمنع السكان من العودة إلى مواقعهم الأصلية ويُحشرون في منطقة المصابغ الملوثة سمعياً بجوار سوق الهال، بينما تُترك المساحات الإستراتيجية لإقامة الأبراج السياحية الفاخرة.
وقد علق أحد الأهالي بالقول: "استخف حمادة ببيوتنا معتبراً أن عمرها خمسون عاماً ويجب تحديثها، متجاهلاً القيمة التاريخية والارتباط العاطفي لأصحاب الأرض بها".
📌 جدول زمني للتنفيذ: جرافات تسبق التوافق
من المفترض أن يدخل المشروع مرحلة التنفيذ الفعلي خلال شهر نيسان/أبريل الجاري، متجاوزاً الاعتراضات الشعبية الواسعة. وكانت أبرز المحطات السابقة قد شهدت في آب/أغسطس 2025 توقيع الاتفاقية الرسمية بحضور رئيس الدولة أحمد الشرع، مع وضع حجر أساس (كسر) في اليوم التالي كرسالة رفض شعبية واضحة. ثم انطلقت في تشرين الأول/أكتوبر 2025 أعمال الحفر في منطقة المصابغ وسوق الهال، وفي كانون الأول/ديسمبر 2025 فُتح باب التسجيل على شقق بأسعار تراوحت بين 90 ألفاً 260 ألف دولار، وهو مبلغ وُصف بالخيالي في بلد يعيش جل سكانه تحت خط الفقر.
📌 صمود القرابيص يربك المخطط
رغم انطلاق الحفر في مناطق متفرقة، فإن رفض أهالي القرابيص شكل حجر عثرة أمام الشركة، مما اضطرها لتأجيل العمل في الحي مؤقتاً تحت ضغط شعارات "لا بوليفارد – لا للتهجير". وبالنسبة للفلاحين، كما يقولون، فإن إعادة الإعمار الحقيقية تكون بالزراعة، لا بالكتل الإسمنتية. ويرى مراقبون أن مشروع بوليفارد النصر يعيد إنتاج كوابيس "حلم حمص القديم"، حيث تنتزع الأراضي من أصحابها الذين جبلت عرقاً بدمائهم لتمنح لمستثمرين يبحثون عن الربح السريع على أنقاض العدالة المكانية والاجتماعية. الفرق بين الحلم والكابوس، يختصر أحد الأهالي، هو الفرق بين التنمية الحقيقية والاستثمار الإقصائي.
زمان الوصل
إقرأ المزيد


