عنب بلدي - 4/24/2026 9:41:10 AM - GMT (+2 )
لا يمكن حتى للذكاء الاصطناعي أن يتخيل مثل هذه الصورة، كما قال بعض رواد مواقع التواصل الاجتماعي، الذين علقوا على صورة جمعت الرئيس السوري، أحمد الشرع، ورئيس الهيئة الشرعية العامة في “جيش الإسلام” (المنضم حاليًا إلى وزارة الدفاع) سمير علي كعكة “أبو عبد الرحمن”.
ينبع هذا الاستغراب من كم الاقتتال والفتاوى التي أرهقت الكثير من الدماء خلال فترات الاقتتالات البينية، التي نشأت في الغوطة الشرقية بريف دمشق، وامتدت حتى شمال غربي سوريا، في ريف حلب تحديدًا، بعد تهجير النظام السوري السابق للفصائل المقاتلة هناك، برفقة أهالي المقاتلين وآخرين مدنيين.
الرجلان بينهما “ما صنع الحداد”، فمن تراشق للاتهامات بالخيانة والعمالة، ووصف بـ”الخوارج” (يطلق على المتشددين جدًا، لا سيما تنظيم الدولة الإسلامية) وصولًا إلى إعدامات طالت العناصر، لينتهي المشهد أخيرًا بالوقوف جنبًا إلى جنب، في دوما، المعقل الرئيسي لـ”جيش الإسلام” عقب خروج القائد السابق للأخير، والقيادي في الجيش السوري حاليًا، عصام بويضاني، من سجون الإمارات، في 23 من نيسان، بعد مساعٍ من الرئيس السوري أحمد الشرع.
البداية بين “الجيش” و”الفيلق”سيل من الدعوات بـ”تفريق الجمع، وتشتيت الشمل، وتجميد الدماء في العروق” يطلقها الشيخ والدعوي سمير كعكعة أمام جمع من المقاتلين والحضور، قد تبدو للوهلة الأولى أنها موجهة من قائد ثوري إلى الرئيس السوري المخلوع، بشار الأسد، لكنها كانت ضد “أبو محمد الجولاني” (الشرع) القائد سابقًا لـ”هيئة تحرير الشام” (نواة السلطة السياسية والعسكرية حاليًا).
لكن الخلاف لم يكن على صعيد الدعوات والخطاب فقط، بل خط بالدماء على الأرض، واستنزف المئات من المقاتلين لثلاثة جهات رئيسية هي: “جيش الإسلام” و”فيلق الرحمن”، وهما أصل الخلاف، إضافة إلى “جبهة النصرة” (المسمى القديم لهيئة تحرير الشام) التي ناصرت “الفيلق” في قتالها ضد “الجيش”.
بدأت الخلافات في الغوطة الشرقية، بعد أحداث متداخلة، منشؤها محاولة فرض النفوذ من الفصائل المسيطرة على البقعة الجغرافية المحيطة بالعاصمة السورية دمشق، وارتبطت بالخلاف المنهجي، إذ رفع “جيش الإسلام” راية “السلفية” بينما كان يقول “فيلق الرحمن” إنه يعتمد “الإسلام الوسطي المعتدل”.
وإلى جانب الخلافات المنهجية، عمق الاقتتال بشكل رئيسي أيضًا، مناصرة “جبهة النصرة” لـ”فيلق الرحمن” رغم الاختلاف الواسع بالمنهج بين الجانبين، إلا أن “النصرة” كانت من أبرز المنافسين لـ”الجيش” على الساحة “الجهادية”، حيث ينتمي الاثنان إلى “السلفية” باختلاف فروعها.
من الغوطة إلى الشمال“حرب الشرعيين”.. الخلافات المذهبية تغذّي الاقتتال في غوطة دمشق
بلغت ذروة الاقتتال بين “الجيش” و”الفيلق” في نيسان عام 2016، وخلال أشهر قليلة، سقط أكثر من 500 مقاتل بين الجانبين، إضافة إلى مئات الأسرى، ثم توسعت أيضًا عام 2017، وهو ما استغله جيش النظام السوري السابق لاحقًا، وأدى إلى خروج هذه الفصائل إلى شمال غربي سوريا.
وخلال هذه الفترة، برز صوت “أبو عبد الرحمن كعكة”، كأحد أبرز الأصوات العالية في النداء إلى الاقتتال، والتحريض على الفصائل المنافسة، لا سيما “الفيلق” و”النصرة”.
من جانبها، لم تكن “النصرة” وبعدها “جبهة فتح الشام” ومن ثم “هيئة تحرير الشام” بمنأى عن هذه الدعوات، إذ أيضًا طال “جيش الإسلام” سيلًا من الاتهامات والتحريض والفتاوى من شرعيي “الجبهة”.
وبعد التهجير، عام 2018، انتقل “جيش الإسلام” لينضم إلى “الفيلق الثالث” في “الجيش الوطني السوري” الذي كان يعمل في ريف حلب، بينما هيمنت “هيئة تحرير الشام” على إدلب ومناطق في كل من حماة واللاذقية وريف حلب الغربي.
وبالرغم من تقسيم مناطق النفوذ فيما كان يعرف حينها بـ”المناطق المحررة”، إلا أن تراشق الاتهامات بقي مستمرًا بين الجانبين.
وفي عام 2019، وخلال الهجمة “الشرسة” التي شنها جيش النظام السابق، على مناطق نفوذ “هيئة تحرير الشام”، بدءًا من حماة وحتى إدلب، برر “الجيش” عدم مشاركته بأن من “جندتهم المخابرات العالمية” حالوا دون وصول فصيله إلى فصائل “الجيش الحر” العاملة هناك، في إشارة منه إلى “الهيئة”.
كما حاولت “الهيئة” الدخول عدة مرات إلى مناطق نفوذ “الجيش الوطني” بعدة ذرائع، أبرزها في عام 2022، بعد أن شنّ هجومًا إعلاميًا ضد “جيش الإسلام”.
ولم تخمد نار الاقتتال الفصائلي، حتى معركة “ردع العدوان” التي جمعت معظم الفصائل، تحت قيادة “إدارة العمليات العسكرية” التي أدارت دفة معركة “ردع العدوان” حتى سقوط النظام السوري السابق، وكانت “هيئة تحرير الشام” رأس حربة فيها.
من هو سمير كعكة؟
ولد سمير كعكة عام 1963 بمدينة دوما، التابعة لمحافظة ريف دمشق، في عائلة بسيطة ومتدينة، حيث كان والده موظفًا ذا حالة مادية متوسطة.
ترك سمير الدراسة في سن مبكرة، حيث أتم المرحلة الابتدائية فقط، ولم يتابع تعليمه، ليلتحق بالعمل مبكرًا لمساعدة أهله، إذ عمل في البناء، وفق ما يذكره بسيرته الذاتية.
ومع بداية تدينه، اتجه كعكة إلى المنهج الصوفي، ليبايع شيخ الطريقة الصوفية “الخزنوية” الأسبق ومؤسسه، عز الدين الخزنوي، ثم ينقض البيعة بعد أن “تبين انحرافهم” وفق ما يعتقد.
ومن الصوفية إلى المنهج السلفي، يتتلمذ كعكة على يد علماء أبرزهم عبد القادر أرناؤوط، وعبد الله علوش، والد قائد “جيش الإسلام” السابق، زهران علوش، الذي قتل في غارة يعتقد أنها روسية، طالته في 25 من كانون الأول 2015.
كما درس على يد كل من الشيخين، خالد العك وموفق عيون، إضافة إلى الشيخ السعودي عبد الله الفوزان.
وفي عام 1996، رافق كعكة مؤسس “جيش الإسلام” علوش، في رحلة إلى الأردن، التقى فيها محمد ناصر الألباني، أحد أبرز علماء الحديث السوريين، والذي ينتمي إلى تيار السلفية، كما واظب على لقاء تلاميذ الألباني، في فترات لاحقة.
دوما.. معقل الحنابلةقبل الثورة السورية، درّس كعكة العديد من طلابه سرًا، كتبًا محسوبة على التيار السلفي، الذي كان محظورًا في سوريا آن ذاك، خوفًا من القبضة الأمنية.
وتعتبر دوما من أبرز معاقل المذهب الفقهي الحنبلي، الذي أسسه أحمد بن حنبل، وهو المذهب الذي ينتهجه أتباع التيار السلفي، خلافًا لما هو معهود في عموم سوريا، من اتباع المذهبين، الشافعي أو الحنفي.
ويعتبر كعكة ميالًا إلى ما يعرف بـ”السلفية العلمية” وهي أحد فرع السلفية، التي تعتبر أقل تشددًا من “السلفية الجهادية”، وتعتبر السعودية معقلًا رئيسيًا لها.
الاعتقال والثورةوبسبب نشاطه الدعوي، تعرض الشيخ “أبو عبد الرحمن” للاعتقال عام 2009، وزج به في سجن “صيدنايا” سيئ السيط، حيث كان النظام يشن حملات ضد أتباع المنهج السلفي.
تنقل “أبو عبد الرحمن” خلال فترة اعتقاله بين عدة أفرع، مثل “الأمن السياسي” في المزة، وفرع “الفيحاء” وفرع “فلسطين” وصولًا إلى “صيدنايا”.
وخلال رحلة السجن، التقى كعكة بأرز قادة “الجهاد” على اختلاف تياراتهم واتجاهاتهم، ودارت بينهم سجالات ومناظرات فكرية، لا سيما التيارات القريبة من تنظيمي “الدولة” و”القاعدة”.
حكم على كعكة بالسجن المؤبد، إلا أن الحكم تخفف إلى ثماني سنوات، بعد دفع ذويه مبالغ مالية للنظام، لكنه حكم أخيرًا بأربع سنوات، عقب انطلاق الثورة السورية، وإلغاء محكمة “أمن الدولة”.
وخرج كعكة في 26 من تشرين الأول 2012، بعد أن أخلي سبيله في سجن “عدرا المركزي” عقب أكثر من سنة على اندلاع الثورة.
انخرط “أبو عبد الرحمن” في العمل الدعوي عقب خروجه من السجن، وكان الذراع الشرعي لـ”جيش الإسلام” والذي أسهم بتشكيله، إلى جانب رفيق دربه زهران علوش.
آلف عدة كتب دينية، منها: “التفريق بين راية الحق وراية الباطل”، “إتحاف الخلان في مسائل الكفر والإيمان”، “الحكم بغير ما أنزل الله”، “إتحاف الفضلاء بمسائل الولاء والبراء”، “قواعد الأسماء والصفات”.
Related
إقرأ المزيد


