لمى قنوت
تُقاس مشروعية أداء السلطة الانتقالية بمدى التزامها بحدود وظيفتها المؤقتة، والتفويض الدستوري، وقدرتها على إدارة الدولة على أساس تشاركي يستند إلى مخرجات مؤتمر وطني يضفي على العملية السياسية طابعًا تعاقديًا، وبمدى احترامها لحقوق الإنسان وسيادة القانون، وذلك من أجل العبور نحو نظام ديمقراطي، تعددي، حيادي، أكثر استقرارًا. غير أن تحليل الممارسات الفعلية في السياق السوري يكشف عن تباعد ملحوظ بين هذا الإطار المعياري والممارسات على الأرض، حيث برزت أنماط احتكارية من التوسع في الصلاحيات، وإعادة توزيع فعلي للسلطة خارج القنوات المؤسسية الرسمية، من خلال إنشاء هيئات وصناديق موازية، وتمكين شبكة غير رسمية من التأثير في عمل المؤسسات العامة، وانحراف عن الإطار الدستوري، وتجاوز له في بعض الحالات.
ترتكز السلطات الانتقالية على خمسة مبادئ أساسية مترابطة ومتداخلة، هي:
أولًا: مبدأ الضرورة، وهو أن تمارس السلطة ما هو ضروري لتسيير عمل مؤسسات الدولة ومنع التفكك، دون التوسع في إعادة تشكيل النظام السياسي، أو إعادة توزيع مراكز القوة خارج إطار توافقي، فوظيفة هذه السلطة، بحكم طبيعتها، هي إدارة العبور، لا إعادة التأسيس الأحادي.
على أرض الواقع في سوريا، تشير الممارسات الفعلية للسلطة الجديدة إلى توسع يتجاوز مقتضيات هذا المبدأ، والتوجه نحو إعادة تشكيل نظام حكم مركزي، والعمل الدؤوب على توسيع نفوذه، حيث أنشأت السلطة هياكل موازية، مثل الأمانة العامة للشؤون السياسية التابعة لوزارة الخارجية، لإعادة هندسة الفضاء السياسي الداخلي، عبر جهاز تنفيذي لا يملك، من حيث الاختصاص، ولاية دستورية أو قانونية في هذا المجال، وبشكل يخالف مبدأ التخصص المؤسسي، ويخل بمبدأ الفصل بين السلطات، من خلال إسناد وظائف الإشراف على النشاطات السياسية الداخلية إلى جهة تنفيذية دون سند تشريعي واضح.
ويتعزز هذا الخلل في ضوء الصلاحيات التي فوضتها لنفسها وزارة الخارجية، بما يتعلق بإعادة توظيف أصول أحزاب تم حظرها، وهي قانونيًا أموال عامة ملك للدولة، كما يندرج في السياق ذاته إنشاء صندوق سيادي خارج آليات الرقابة المؤسسية، والتوسع في التعيينات على نحو يتجاوز الحاجة الوظيفية، ولا يفهم إلا في إطار توسيع دائرة المستفيدين والمنتفعين والتابعين، فضلًا عن التدخل في عمل النقابات، بما يعكس اتساع نطاق تغول السلطة التنفيذية في مجالات يفترض أن تخضع لتنظيم قانوني مستقل، أو لتمثيل مهني منتخب. وعليه، لا يمكن تفسير هذه الممارسات باعتبارها استجابة لضرورات مرحلية ملحّة، بل إعادة تشكيل مراكز النفوذ وتوسيع نطاق السيطرة، وهو ما يشكّل إخلالًا بمبدأ الضرورة.
ثانيًا: المؤقتية، أي أن تكون جميع الترتيبات والإجراءات التي تعتمدها السلطة الانتقالية محددة بزمن، أو قابلة للمراجعة والإلغاء مع انتهاء المرحلة الانتقالية، بحيث لا تتحول التدابير الاستثنائية إلى قواعد دائمة، ويشمل ذلك تحديد مدة عامة للمرحلة الانتقالية، وتقييد ولاية المؤسسات والهيئات التي تُنشأ خلالها بآجال واضحة أو بوقائع قانونية دقيقة. وعلى الرغم من تحديد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات كإطار زمني كلي، فإن الممارسات تشير إلى غياب تقييد زمني مماثل على مستوى المؤسسات والهيئات المستحدثة، خصوصًا تلك التي أُنشئت خارج الأطر التشريعية، ويُثير ذلك احتمال تحول هذه الكيانات إلى بنى دائمة بحكم الواقع، بما يقوّض الطابع المؤقت للمرحلة الانتقالية.
وعلى سبيل المثال، يظهر هذا الخلل في حالة لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، حيث لم تُحدد مدة ولايتها بتاريخ صريح، كما لم يُعلن إطار قانوني تفصيلي لإجراءاتها، ولا آليات رقابية مستقلة على عملها، ويُضاف إلى ذلك أن بعض التسويات التي تُبرمها مع بعض مرتكبي جرائم اقتصادية، تسهم في الإفلات من العقاب بوصفها تسوية اقتصادية قائمة على المقاصة، أي أنها تغلق الباب أمام ركائز أساسية في العدالة الانتقالية، لا يمكن اختزالها بمطالب مالية، في الوقت الذي كان يفترض على السلطة الانتقالية تشكيل مؤسسات تضطلع بدور تشريعي ورقابي مستقل، لمراجعة أو إنهاء هذه الترتيبات ضمن أطر مؤسسية مكتملة. وعليه، فإن غياب التقييد الزمني الواضح للمؤسسات والإجراءات الاستثنائية، بالتوازي مع تأخر تفعيل آليات الرقابة، يعكس نزوعًا نحو تثبيت المؤقت وتحويله إلى وضع شبه دائم، بما يُعد إخلالًا بمبدأ المؤقتية.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن إصرار السلطة على مبدأ الانتخاب الجزئي، والتعيين لأعضاء وعضوات مجلس الشعب، بالإضافة إلى تعيين قضاة المحكمة الدستورية من قبل الرئيس الانتقالي، كما ينص الإعلان الدستوري، يقيد استقلالية تلك المؤسسات.
ثالثًا: الشرعية، تقوم شرعية السلطة الانتقالية على ثلاثة عناصر مترابطة: التوافق، والمشاركة، والشفافية، بما يضمن أن تكون إدارة المرحلة انعكاسًا لإرادة سياسية واجتماعية واسعة، لا تعبيرًا عن إرادة أحادية، غير أن الممارسات الفعلية تشير إلى اختلال في هذه العناصر، حيث تم تنظيم مؤتمر الحوار الوطني ضمن إطار زمني محدود جدًا، شكلي، لا يرقى إلى مستوى عملية تأسيسية شاملة، بالإضافة إلى تغييب عقد مؤتمر وطني تأسيسي يضطلع بوضع أسس تعاقدية واضحة للمرحلة الانتقالية، علاوة على الاعتماد الواسع على التعيين بدل الانتخاب أو التمثيل، واستمرار غياب إطار قانوني منظم للعمل السياسي، فضلًا عن القيود المفروضة على بعض أشكال النشاط السياسي العلني.
وفي ظل هذه المعطيات الحالية، واحتكار عمليات صنع القرار، أصبحت المشاركة السياسية شكلية ورمزية، بينما يظل التمثيل انتقائيًا، والشفافية شبه غائبة، وعليه، يمكن القول إن نمط الممارسة يميل إلى استبدال الشرعية التوافقية والتمثيلية بشرعية إجرائية محدودة وهشة، وهو ما ينعكس على مبدأ الشرعية ككل، ومستوى الثقة المجتمعية في مسار الانتقال.
رابعًا: توزيع السلطة ومنع تركّزها، يهدف مبدأ توزيع السلطة إلى الحد من احتكار القرار، من خلال تعددية الفاعلين، عبر التشاور مع القوى السياسية والمجتمع المدني، ووجود قيود على السلطة التنفيذية، وفصل للسلطات، وتفعيل آليات تشاركية ورقابية، إلا أن الممارسة تشير إلى اتجاه معاكس، يتمثل في تركّز القرار ضمن نطاق ضيق، وغياب التشاركية والتشاور مع من هم خارج الدائرة الضيقة للسلطة، بالإضافة إلى الفراغ التشريعي، وسعي السلطة لبناء وتعزيز شبكة تأثير غير رسمية موازية للمؤسسات العامة ومتحكمة فيها، ممن يطلق عليهم لقب “الشيخ”، تصوغ القرار بما يتوافق مع أيديولوجيا وسياسة الدائرة المركزية لصناعة القرار، ولا تخضع هذه الشبكة لإطار قانوني ورقابي علني وواضح وشفاف، وعليه، فإن هذه الأنماط السلطوية الاستيلائية تضاعف هشاشة المؤسسات العامة، وتقوض التوازن المؤسسي، وستؤسس مع الوقت لدولة عميقة مركزية داخل الدولة.
خامسًا: أولوية المعالجة السياسية والحد من الأمننة والعسكرة، يقتضي هذا المبدأ أن تُدار القضايا ذات الطابع السياسي أو المجتمعي من خلال أدوات سياسية وتشاركية، وألا يُعاد تأطيرها كتهديدات أمنية تبرر اللجوء إلى وسائل استثنائية، لما في ذلك من آثار على التشاركية والشرعية وبناء الدولة. غير أن بعض أنماط التعامل مع الاختلاف السياسي والتوترات تشير إلى استمرار نهج الأمننة والعسكرة، بدل من بناء مسارات سياسية شاملة تعالج جذور النزاعات، إذ وثّقت تقارير محلية ودولية أن الانتهاكات في السويداء والساحل، اتسمت بكونها واسعة النطاق ومنهجية، استهدفت المدنيين على أسس هوياتية تمييزية، عمّقت الشرخ المجتمعي، وأخرت مسار التعافي، وزادت من إقصاء الفاعلين المدنيين، وقلصت المجال السياسي.
تكشف الركائز الخمس، عند مقارنتها مع الممارسة الفعلية، عن فجوة عميقة بين الإطار المعياري المُعلن، وسلوك السلطة الانتقالية، إذ لم يقتصر الإخلال على حدود الصلاحيات، بل امتد إلى إعادة تعريف وظيفة المرحلة الانتقالية نفسها، من أداة لتيسير الانتقال السياسي إلى آلية لإعادة إنتاج أنماط السيطرة والاستحواذ، كما أن هذا الإخلال بالركائز الخمس ليس عرضيًا، بل يعكس خللًا بنيويًا يضع مسار الانتقال برمّته موضع تساؤل حول مدى التزام السلطة الانتقالية بوظيفتها المحددة، أو سعيها نحو ترسيخ بنية حكم سلطوي يتجاوز غايتها المؤقتة.
Related


