عنب بلدي - 4/26/2026 2:20:09 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – غنى جبر
أُحدث “صندوق التنمية السوري” بموجب المرسوم رقم “112” لعام 2025، بهدف دعم جهود إعادة الإعمار وتحفيز التعافي الاقتصادي، في ظل تحديات تواجه البنية التحتية والقطاعات الحيوية في سوريا.
وبين الطموحات والواقع الاقتصادي، تبرز تساؤلات حول قدرة الصندوق على تحقيق أثر ملموس، ومدى التزامه بمعايير الشفافية في إدارة موارده، لا سيما مع اعتماده بشكل رئيس على التبرعات والهبات كمصدر تمويل.
كما تظهر تحديات تتعلق بحجم التمويل المتاح مقارنة بزيادة الاحتياجات في مختلف القطاعات، إلى جانب أهمية التنسيق المؤسسي، والانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض.
المرسوم رقم “112” لعام 2025أصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في تموز 2025، المرسوم رقم “112” القاضي بإحداث مؤسسة ذات طابع اقتصادي في الجمهورية العربية السورية تسمى “صندوق التنمية” تتمتع بالشخصية الاعتبارية والاستقلال المالي والإداري، مقرها دمشق وترتبط برئاسة الجمهورية.
ويهدف إحداث الصندوق وفق المرسوم إلى تحقيق ما يلي:
- المساهمة في إعادة الإعمار.
- ترميم وتطوير البنية التحتية التي تشمل كل ما يدعم الحياة اليومية للمواطنين من خدمات ومرافق كالطرق والجسور وشبكات المياه والكهرباء والمطارات والمواني وشبكات الاتصالات وغيرها.
- تمويل المشاريع المتعددة من خلال القرض الحسن.
تتنوع مصادر تمويل الصندوق بحسب للمرسوم وفق الآتي:
أ- التبرعات الفردية من المواطنين داخل سوريا وخارجها.
ب- التبرعات الدورية عبر برنامج المتبرع الدائم الذي يتيح اشتراكات شهرية ثابتة.
ج- الإعانات والهبات والتبرعات التي يقبلها وفق القوانين والأنظمة النافذة.
بلغ إجمالي التبرعات منذ الإعلان عن تأسيس صندوق التنمية السوري نحو 83 مليون دولار، وفق الموقع الرسمي للصندوق، توزعت على عدة قطاعات حيوية على النحو التالي:
في قطاع إعادة الإعمار، وصلت التبرعات إلى ما يقارب 44 مليون دولار، وتخصص لإزالة الأنقاض ومخلفات الدمار، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وتأمين مساكن آمنة للأسر المتضررة عبر إنشاء مجمعات سكنية متكاملة، إلى جانب تطوير شبكات نقل حديثة تربط المدن بالمناطق الريفية وتسهّل الحركة التجارية والتنقّل.
أما قطاع الطاقة، فبلغت التبرعات فيه نحو 51 ألف دولار، وتركزت أهداف الصندوق على تعزيز قدرة الشبكات الكهربائية وتحسين جودة الخدمة، وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، وتمكين المجتمعات المحلية عبر تدريب الكوادر وخلق فرص عمل، إضافة إلى تطوير أنظمة النقل والتوزيع.
وفي قطاع المياه، وصلت التبرعات إلى نحو 115 ألف دولار، حيث يعمل الصندوق على ضمان استدامة الموارد المائية وحماية مصادرها، ورفع كفاءة استخدامها وتقليل الهدر في مختلف المجالات، إلى جانب تطوير البنية التحتية من خلال تحديث الشبكات وإنشاء خزانات ومحطات معالجة، وتعزيز التعاون المؤسسي والإقليمي.
أما في قطاع الزراعة، فقد بلغت التبرعات نحو 55 ألف دولار، وتهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي وتعزيز الأمن الغذائي، وتحسين استثمار الموارد الطبيعية، ودعم المجتمعات الريفية، وتشجيع الاستثمار في الصناعات الزراعية.
وفي قطاع الصحة، بلغت التبرعات نحو 160 ألف دولار، وتهدف إلى تعزيز البنية التحتية الصحية، وتطوير الصناعات الدوائية المحلية، وضمان الوصول العادل إلى الخدمات الصحية، إضافة إلى إدخال التقنيات الطبية الحديثة.
وأخيرًا، في قطاع التعليم، وصلت التبرعات إلى نحو 363 ألف دولار، حيث يسعى الصندوق إلى توفير فرص تعليم متكافئة للجميع، ورفع جودة التعليم، ودمج التكنولوجيا في العملية التعليمية، إلى جانب دعم البحث العلمي والابتكار.
وأصدر الصندوق مجموعة من البيانات التي توضح حجم الأضرار، حيث أشار إلى أن 40% من شبكة الكهرباء قد تعطلت، فيما تضرر ما يقارب 3000 كيلومتر من الطرق نتيجة القصف.
كما بلغ حجم الركام في المدن نحو 14 مليون متر مربع، في حين يحتاج 15 مليون سوري إلى خدمات الرعاية الصحية، مع خروج 756 منشأة صحية عن الخدمة، إضافة إلى هجرة أكثر من 70% من الكوادر الطبية خارج البلاد.
اعتماد الشفافيةقال الباحث في شركة “كرم شعار للاستشارات” ملهم الجزماتي، لعنب بلدي، إن تحقيق الصندوق نتائج ملموسة لا يتوقف على امتلاكه صفة قانونية أو خطابًا تنمويًا واسعًا فحسب، بل يتطلب أولًا اعتماد شفافية تشغيلية منتظمة، ويشمل ذلك الإعلان عن الفروقات بين التعهدات المالية والمبالغ التي جُمعت فعليًا، وما تم التعاقد عليه أو إنفاقه، إلى جانب نشر مستجدات المشاريع وحجم المستفيدين منها.
كما شدد الجزماتي على أهمية وجود تنسيق مؤسسي واضح مع الوزارات والمحافظات والجهات المحلية، لا سيما أن الصندوق نفسه أشار إلى أن حملات التبرعات التي نُفذت في المحافظات كانت مستقلة عنه ولا تدخل ضمن موارده، رغم أن المشاريع المطروحة فيها تندرج ضمن نطاق عمله.
وعن أبرز التحديات التي قد يواجهها الصندوق، أشار الجزماتي أن أول تحدٍّ هو تحويل التعهدات إلى أموال متاحة فعلًا للتنفيذ، لأن رقم 83 مليون دولار أُعلن بوصفه حصيلة من التعهدات والتبرعات معًا، ثم أوضح الصندوق لاحقًا أن جزءًا من هذه المبالغ لم يُحوَّل بالكامل إلى حساباته.
التحدي الثاني مؤسسي، بحسب الجزماتي، فالصندوق يرتبط مباشرة برئاسة الجمهورية، وفي ظل استمرار مسار انتخابات مجلس الشعب، لا تظهر حتى الآن رقابة تشريعية منتظمة عليه، أما التحدي الثالث فهو الانتقال من مرحلة التأسيس وبناء الشراكات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي على الأرض.
وأضاف أن رقم 83 مليون دولار مهم سياسيًا ورمزيًا، لأنه يعكس قدرة أولية على التعبئة وجذب الدعم، لكنه اقتصاديًا يبقى محدودًا قياسًا بحجم احتياجات سوريا.
أولوية المشاريعيرى الجزماتي أن الصندوق وحده لن يصنع تحولًا اقتصاديًا شاملًا، لأنه في النهاية أداة تمويل وتنمية تعتمد أساسًا على التبرعات والهبات، لا على قاعدة مالية سيادية كبيرة أو على إصلاح شامل لبنية الاقتصاد.
لكن يمكنه أن يحقق أثرًا حقيقيًا إذا نجح في تمويل مشاريع خدمية وإنتاجية واضحة، وأثبت أن الأموال تُدار بكفاءة وتُترجم إلى نتائج قابلة للقياس، أي أن دوره الواقعي قد يكون كرافعة للتعافي المحلي وبناء الثقة، لا كمحرّك وحيد لتحول الاقتصاد السوري كله، بحسب الجزماتي.
ويرى الباحث أن أولويات التمويل يجب أن تذهب إلى المشاريع التي تعطي أثرًا سريعًا وواسعًا في حياة الناس، لا إلى المشاريع الضخمة ذات الطابع الرمزي، والاتجاه الأنسب هو البدء بالبنية التحتية والخدمات الأساسية وسبل العيش، وهو ما ينسجم أيضًا مع ما خرجت به الجولة الأخيرة للصندوق في المحافظات الشرقية، حيث جرى التركيز على البنية التحتية وسبل العيش والخدمات الأساسية.
أكبر تعهد ماليأعلن صندوق التنمية السوري، في 20 من نيسان الحالي، تسلم أكبر تعهد مالي بالكامل ضمن قائمة تعهدات صندوق التنمية السوري، البالغ 25 مليون دولار أمريكي، والذي تعهدت به عائلة الخياط لدعم المشاريع التنموية في سوريا.
وفي هذا السياق، قال المدير العام للصندوق، صفوت رسلان، عبر منصة “إكس”، إن الصندوق ملتزم بأعلى معايير الشفافية والحوكمة الرشيدة في إدارة التبرعات وتخصيصها، مشيرًا إلى أنه سيتم الإعلان قريبًا عن أول تخصيص مالي وبدء تمويل أول المشاريع ذات الأولوية.
إطلاق الصندوقشهدت قلعة دمشق، في 4 من أيلول 2025، إطلاق “صندوق التنمية السوري”، بحضور الرئيس السوري، أحمد الشرع، الذي أكد في كلمته أن الصندوق يمثل بداية مرحلة جديدة من البناء والإعمار، بعد سنوات من الدمار والتشتت الذي عانى منه السوريون.
وقال الشرع خلال فعاليات إطلاق الصندوق، إن “النظام البائد دمر الاقتصاد ونهب الأموال وشرد الشعب”، مضيفًا أن مرحلة الصندوق ستكون خطوة نحو “إعادة النازحين والمهجرين إلى أرضهم”، ودعا السوريين في الداخل والخارج إلى المساهمة في تمويل مشروعاته.
وأشار إلى أن الصندوق سيحظى بشفافية عالية، متعهدًا بالإفصاح عن كل ليرة تُنفق ضمن مشاريع استراتيجية، واصفًا التبرع للصندوق بأنه “أمانة في أعناق الأحياء تجاه دماء الضحايا”.
اتفاقيات ومذكرات تفاهموقّع صندوق التنمية السوري اتفاقية إطارية مع مجلس الأعمال السعودي السوري، في 7 من شباط الماضي، لتغطية 45 مبادرة تشمل قطاعات التربية والتعليم العالي والمهني والإسكان والطوارئ وإدارة الكوارث، بالإضافة إلى نقل المعرفة والخبرات.
كما وقّع الصندوق، في 30 من أيلول 2025، مذكرة تفاهم استراتيجية مع منظمة التنمية السورية، بهدف تأسيس منهجية متكاملة للعمل التنموي في سوريا بمعايير تضمن استثمار موارد المجتمعات المحلية بعدالة وشفافية.
Related
إقرأ المزيد


