أحمد عسيلي
شهد المجتمع السوري، يومي الخميس والجمعة الماضيين (23 و24 من نيسان الحالي)، حدثين جللين، لكل منهما ثقله الخاص وصعوبة امتصاصه نفسيًا. حدثان كبيران، لا يجمع بينهما شيء ظاهر، لكن تزامنهما بدا لافتًا، وكأن الثاني جاء ليُكمِل الأول، أو ليُعيد ترتيب أثره، قد تكون مصادفة، وقد تكون لحظة تلاقت فيها الأقدار، أو ربما الضرورات، لكن النتيجة كانت واحدة، انتقال سريع من حالة انقسام حاد إلى لحظة إجماع نادرة.
تمثّل الحدث الأول في احتفال السلطة السورية بنجاح مساعي الرئيس المؤقت، أحمد الشرع، في إخراج القيادي السابق في “جيش الإسلام” عصام بويضاني من السجن في الإمارات، وما رافق ذلك من انتشار صورة تجمع سمير كعكة مع الشرع في مدينة دوما، صورة بدت لكثيرين صادمة أكثر من كونها سياسية، إذ أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر مراحل الثورة السورية قتامة، مرحلة الاقتتال الداخلي في الغوطة الشرقية بين “جيش الإسلام” من جهة، و”فيلق الرحمن” مدعومًا من “جبهة النصرة” من جهة أخرى. لم تُستقبل الصورة كخطوة سياسية قابلة للنقاش، بل كاستفزاز لذاكرة لم تُصفَّ بعد، فاندفع الجدل سريعًا إلى مستويات عالية من التوتر، وظهر انقسام حاد داخل الشارع المعارض، بين من قرأها كبراغماتية ضرورية، ومن رآها استهانة بدماء ما يقارب 700 شاب سقطوا في تلك المواجهات.
ثم، و بعد أقل من 24 ساعة، جاء الحدث الثاني: إعلان اعتقال أمجد يوسف، أحد أكثر الأسماء ارتباطًا بذاكرة العنف في سنوات النظام السابق، والمعروف بما بات يُشار إليه بـ”جزار التضامن”، هذا الاعتقال لم يُستقبل كخبر عادي، بل كحدث جامع، أعاد، ولو مؤقتًا، نوعًا من الوحدة بين شريحة واسعة من السوريين المعارضين لبشار الأسد، إذ نقلهم من حالة انقسام حاد إلى شعور مشترك بالرضا، أو بما يشبه استعادة لحظة أخلاقية متفق عليها، وكأن هذا الحدث جاء ليعيد ترتيب المشهد، لا على مستوى الوقائع فحسب، بل على مستوى الشعور الجماعي ذاته.
إذا نُظر إلى هذين الحدثين من زاوية التحليل النفسي، فإن ما جرى لا يبدو مجرد تتابع إخباري، بل حركة نفسية جماعية ذات منطق خاص، فالحدث الأول، بما حمله من استعادة لذاكرة الاقتتال الداخلي، أعاد فتح جرح لم يُغلق أصلًا، ورفع مستوى التوتر داخل الجماعة إلى حد يهدد تماسكها الظاهري، في مثل هذه اللحظات، تدخل الجماعات في حالة توتر نفسي عالٍ، يخلق طاقة انفعالية ذات شحنة سلبية شديدة، حيث يصبح الخلاف الداخلي غير قابل للاحتمال طويلًا، ويهدد بالتحول إلى تفكك فعلي في الروابط والمعاني المشتركة.
إذا استعرنا صورة “القبو النفسي”، يمكن القول إن ما حدث مع صورة دوما لم يكن سوى فتح مفاجئ لباب ظل مغلقًا لسنوات، فذاكرة الاقتتال الداخلي لم تُمحَ، بل أُزيحت إلى الأسفل، إلى منطقة معتمة من الوعي الجماعي، حيث تبقى الأحداث بلا معالجة، لكنها تحتفظ بشحنتها الانفعالية كاملة، وعندما عادت هذه الصور إلى السطح، لم تظهر كذكرى باردة، بل كتوتر حي، كأن الزمن لم يمضِ أصلًا، هنا لا نتعامل مع ماضٍ، بل مع حاضر مكثف، مع مادة نفسية غير مهضومة، تستعيد قوتها كلما فُتح بابها.
في مثل هذه الحالات، فتح باب القبو يحمل خطورة عالية، وتصبح الحاجة ملحّة لإغلاقه مجددًا، أو على الأقل لتخفيف ما اندفع منه، وهنا تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته “تفريغًا انفعاليًا جماعيًا”، يعيد توزيع هذا التوتر ويمنع تحوّله إلى انقسام فعلي، ولا يتم هذا التفريغ عشوائيًا، بل غالبًا عبر الالتفاف حول موضوع واضح وبسيط وغير خلافي، يُعاد من خلاله توحيد الشعور الجماعي، وهل هناك من موضوع أكثر وضوح وبساطة من إجرام أمجد يوسف!
بهذا المعنى، لم يكن هذا الاعتقال مجرد حدث قضائي، بل أدى وظيفة نفسية أعمق، نقل الجماعة من صراع داخلي إلى توجيه انفعالاتها نحو هدف خارجي متفق عليه، وكأن التوتر الذي كاد ينفجر داخل الجماعة، وجد مخرجًا في لحظة إجماع، أعادت، ولو مؤقتًا، ترميم صورتها عن نفسها.
لكن هذا النوع من التفريغ، على ضرورته، لا يحلّ الصراع بقدر ما يؤجله، فالقبو الذي فُتح لم يُغلق بشكل كامل، بل أُعيد إغلاقه على عجل، دون معالجة ما بداخله، واعتقال أمجد يوسف، رغم ثقله الرمزي، لن يطوي الصفحة، بل على العكس، سيعيد إلى الذاكرة سلسلة طويلة من الجرائم التي لم تُحاسَب، وسيوسّع مساحة ما هو مخزَّن في ذلك القبو.
ومع ذلك، قد يكون هذا الردم المؤقت جزءًا من آلية بقاء، فالمجتمعات، حين تعجز عن مواجهة كل تناقضاتها دفعة واحدة، تلجأ إلى دفن بعضها، إلى تأجيلها، إلى ترك الزمن يقوم بوظيفته في التخفيف والمحو، ليس لأن النسيان حلّ، بل لأنه في لحظات معينة، يصبح ضرورة.
هل تريدون قراءة تجربة مشابهة كان مصيرها الدفن في الأقبية النفسية، اقرؤوا جيدًا ما حدث في إقليم كردستان العراق بين 1996 و1998، وكيف حُلّت الأزمة لاحقًا رغم المجازر المرتكبة بين الحزبين الرئيسين، لكن الردم كان الحل لأن به راحة للجميع، وهذا ما تم، أو على الأقل إلى الآن.
Related


