النبش العشوائي يدمر “جنة الآثاريين” في الجزيرة السورية
عنب بلدي -

عنب بلدي – الحسكة

تواجه التلال الأثرية في محافظة الحسكة، شمال شرقي سوريا، خطرًا متصاعدًا يتمثل في عمليات النبش العشوائي والتنقيب غير الشرعي، التي طالت خلال السنوات الماضية عشرات المواقع ولا تزال مستمرة حتى الآن، خصوصًا في الريف الجنوبي للمحافظة.

وتعد هذه المنطقة واحدة من أغنى مناطق سوريا بالإرث الحضاري، إذ تضم مئات التلال التي توثق مراحل تاريخية متعاقبة، تمتد من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى الفترات الإسلامية.

وبينما تتزايد وتيرة الانتهاكات بحق هذه المواقع، تتقاطع تحذيرات باحثين مختصين مع اعترافات رسمية بضعف القدرة على التقييم والحماية، في ظل واقع أمني معقد وتشتت في السيطرة على الأرض، ما يترك هذا الإرث عرضة للتدمير والنهب.

“جنة الآثاريين” في خطر

الباحث الآثاري سالم العيسى، وصف منطقة الجزيرة السورية، التي تقع الحسكة في قلبها، بأنها “من أقدم المناطق المأهولة في العالم”، مشيرًا إلى أن الاستقرار البشري فيها يعود إلى العصر الحجري الحديث، حيث توفرت مقومات الحياة من مياه وتربة خصبة ومناخ مناسب.

وقال إن محافظة الحسكة تضم أكثر من 1250 موقعًا أثريًا مسجلًا، إلى جانب نحو 750 موقعًا قيد التسجيل، ما يجعلها واحدة من أغنى المناطق الأثرية على مستوى العالم، لافتًا إلى أن هذه المواقع تمثل تسلسلًا حضاريًا متكاملًا يشمل حضارات حلف وحسونة والعبيد، وصولًا إلى السومرية والبابلية والآشورية والبيزنطية والإسلامية.

وشهدت المنطقة، بحسب العيسى، نشاطًا واسعًا للبعثات الأثرية الأجنبية والوطنية منذ أواخر القرن الـ19، حيث عملت بعثات ألمانية وأمريكية ويابانية وفرنسية في مواقع عدة، مثل تل حلف وتل موزان وتل طابان وتل ليلان، وأسفرت هذه الأعمال عن اكتشافات مهمة أسهمت في فهم تاريخ المنطقة.

الريف الجنوبي.. مركز الانتهاكات

تتركز عمليات النبش غير الشرعي في الريف الجنوبي للحسكة، ولا سيما في محيط مدينة الشدادي، حيث تنتشر تلال أثرية بارزة، مثل الشدادي وعجاجة (عربان) وطابان وخنيدج.

وتشير شهادات محلية وصور متداولة إلى تعرض هذه المواقع لحفر عشوائي واسع، باستخدام أدوات بدائية وأحيانًا آليات ثقيلة.

قال محمد العلي من سكان قرية عجاجة، إن التل الأثري في المنطقة “لم يعد كما كان”، مضيفًا لعنب بلدي أن “عمليات الحفر لا تتوقف، خاصة خلال الليل، حيث تأتي مجموعات مجهولة وتحفر في أماكن مختلفة، وتغادر بعد ساعات”.

وأضاف أن الأهالي “يشاهدون الحفر والخنادق يوميًا، لكن لا توجد جهة قادرة على إيقاف هذه الأعمال”، وبعض المنقبين “يستخدمون معدات حديثة، ما يدل على أن العمل ليس فرديًا فقط، بل قد يكون منظمًا”.

وفي مدينة الشدادي، نقل عبد الله أحمد قصة مشابهة، إذ قال إن التلال المحيطة بالمدينة “تعرضت لسرقات متكررة خلال الفترة الماضية”، وإن “بعض القطع التي يتم العثور عليها تُباع بشكل سري، ولا أحد يعرف إلى أين تذهب”.

وأشار إلى أن غياب الرقابة الأمنية “فتح الباب أمام هذه الظاهرة”، لافتًا إلى أن “بعض الناس باتوا يعتبرون التلال مصدر رزق، رغم خطورة ما يحدث”.

تدمير للسياق التاريخي

لا تقتصر خطورة التنقيب غير الشرعي على فقدان القطع الأثرية، بل تمتد إلى تدمير السياق العلمي للمواقع.

وأكد الباحث الآثاري سالم العيسى، أن القيمة الحقيقية للموقع الأثري لا تكمن فقط في القطع المستخرجة، بل في الطبقات الأرضية التي تعكس تسلسل الحضارات.

وقال إن الحفر العشوائي يؤدي إلى “تدمير هذه الطبقات بشكل كامل”، ما يجعل من المستحيل إعادة بناء التسلسل التاريخي للموقع، حتى في حال العثور على قطع أثرية مهمة.

وحذر من أن بعض المواقع، مثل تل عجاجة، تعرضت لتدمير شبه كامل، رغم أنها تحتوي على مدينة آشورية تعود إلى الفترة بين عامي 911 و612 قبل الميلاد، حيث كانت تضم قصورًا ومعابد ومنحوتات بارزة.

خسارة آثار لا يمكن استعادتها

تشكل عمليات تهريب الآثار إلى خارج البلاد أحد أخطر تداعيات هذا الواقع، إذ تُنقل القطع المنهوبة عبر شبكات تهريب إلى الأسواق العالمية، حيث تُباع دون توثيق لمصدرها.

وقال العيسى، إن استعادة هذه القطع “صعبة للغاية”، خاصة في ظل غياب قواعد بيانات دقيقة، وضعف التنسيق الدولي، مشيرًا إلى أن العديد من القطع الأثرية السورية موجودة اليوم في متاحف عالمية.

وضرب مثالًا بمتحف تل حلف في برلين، الذي يضم مقتنيات أثرية من الجزيرة السورية، مؤكدًا أن هذه الآثار “تدر أرباحًا كبيرة للدول التي تعرضها، في حين تُحرم منها مناطقها الأصلية”.

اعتراف رسمي بصعوبة التقييم

قال مدير التنقيب والدراسات الأثرية في المديرية العامة للآثار والمتاحف، أيمن النابو، إنه “لا يوجد تقييم دقيق لحجم الأضرار التي لحقت بالمواقع الأثرية في الحسكة”، مرجعًا ذلك إلى “الوضع الحالي في المحافظة”.

وأكد أن المواقع الأثرية “تتعرض لتنقيبات عشوائية وتخريب”، مشيرًا إلى أن أبرز التحديات تتمثل في الواقع الأمني وتشتت السيطرة، ما يعوق عمل المديرية.

وأضاف أن المديرية تعمل على التنسيق مع الجهات المحلية لزيادة عدد الحراس، كما تخطط لإرسال وفد إلى المنطقة الشرقية، بما في ذلك الحسكة، بهدف تطبيق إجراءات حماية طارئة.

خطط محدودة وإمكانات ضعيفة

الإجراءات الحالية، بحسب النابو، تتركز على توثيق الانتهاكات، وتعزيز التنسيق الأمني، وتفعيل دور دائرة الآثار المحلية، إلا أن هذه الخطوات تبقى محدودة في ظل التحديات القائمة.

وأشار إلى أن المديرية تسعى مستقبلًا إلى إشراك المجتمع المحلي في حماية المواقع الأثرية، من خلال برامج توعية وجولات ميدانية، إلى جانب العمل على إعادة تفعيل البعثات الأثرية عندما تسمح الظروف.

كما تحدث عن اتفاقيات مع دول الجوار لتشديد الرقابة على الحدود ومنع تهريب الآثار، مؤكدًا أن استرداد القطع المنهوبة يتطلب جهودًا دولية واتفاقيات سياسية معقدة.

تسهم التحولات الميدانية الأخيرة في تفاقم الوضع، إذ شهدت مناطق واسعة من ريف الحسكة الجنوبي تغيرات في السيطرة، مع تراجع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وانسحابها من بعض الأرياف، مقابل تقدم الجيش السوري.

ورغم هذا التحول، لا تزال المناطق الريفية تعاني من ضعف في البنية الأمنية والإدارية، ما يخلق بيئة مناسبة لنشاط مجموعات التنقيب غير الشرعي.

ويحذر مختصون من أن استمرار تدمير التلال الأثرية في الحسكة لا يعني فقط فقدان مواقع تاريخية، بل يهدد الهوية الثقافية للمنطقة، التي تشكلت عبر آلاف السنين.

وقال الباحث الآثاري سالم العيسى، إن “الإرث الثقافي هو عنوان أي بلد”، معتبرًا أن ما يحدث اليوم يمثل “إهمالًا يصل إلى مرحلة التعمد”، متسائلًا عن أسباب هذا التراجع في حماية الآثار.

وأضاف أن الاستثمار في المواقع الأثرية يمكن أن يشكل موردًا اقتصاديًا مهمًا، كما هو الحال في العديد من الدول، إلا أن ذلك يتطلب استقرارًا أمنيًا وإدارة فعالة.

في ظل هذا الواقع، دعا العيسى إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية ما تبقى من المواقع الأثرية في الحسكة، تشمل إنشاء شرطة متخصصة بحماية الآثار، وتشديد الرقابة على المواقع، وتفعيل القوانين المتعلقة بمنع التنقيب غير الشرعي.

كما طالب بتعزيز التعاون مع المنظمات الدولية المعنية بحماية التراث، وتوسيع برامج التوثيق الرقمي للمواقع الأثرية، بهدف الحفاظ على المعلومات العلمية في حال تعرضها للتدمير.

وتعد محافظة الحسكة من أبرز المناطق السورية الغنية بالمواقع الأثرية، نظرًا إلى موقعها ضمن منطقة الجزيرة السورية، التي شهدت استيطانًا بشريًا مبكرًا منذ آلاف السنين. ومنذ بدء الحرب في سوريا عام 2011، تعرضت العديد من المواقع الأثرية في البلاد لعمليات نهب وتخريب، نتيجة تراجع الرقابة الأمنية وتعدد القوى المسيطرة، ما أدى إلى فقدان جزء كبير من التراث الثقافي السوري.

Related



إقرأ المزيد