يقدم فيلم “The Translator” (المترجم) نموذجًا مختلفًا للسينما السياسية المعاصرة، حيث لا يذهب مباشرة إلى مشاهد الحرب والدمار، بل يختار زاوية أكثر هدوءًا وعمقًا: الإنسان الفرد حين يجد نفسه ممزقًا بين لغتين ووطنين وحقيقتين.
العمل الذي عُرض خلال افتتاح الدورة الثانية من “تظاهرة أفلام الثورة السورية” في دار “الأوبرا” بدمشق، في 19 من نيسان الحالي، من إخراج الزوجين رنا كزكاز وأنس خلف، بينما يتصدر بطولته الممثل زياد بكري.
منذ مشاهده الأولى، يضع الفيلم المتلقي أمام سؤال جوهري: هل يمكن للغة أن تنقذ الإنسان، أم قد تكون سببًا في نفيه؟
بداية خريطة المنفىتبدأ القصة في دمشق خلال ثمانينيات القرن الماضي، حيث يلمح الفيلم إلى جذور القمع السياسي لنظام الأسد من خلال مظاهرة تُقمع بعنف، ويتم خلالها اعتقال والد بطل الفيلم “سامي”.
هذا المشهد التأسيسي لا يمر كحدث عابر، بل يزرع في داخل “سامي” شعورًا مبكرًا بالخوف من السلطة، سيلازمه طوال حياته.
ينتقل السرد إلى عام 2000، حيث يعمل “سامي نجار” مترجمًا من العربية إلى الإنجليزية ضمن الوفد الأولمبي السوري في مدينة سيدني.
وخلال ترجمة سؤال يحمل أبعادًا سياسية حساسة، يقوم بتعديل بسيط في الصياغة، ظنًا منه أنه يحمي نفسه، لكن هذا التعديل يتحول إلى نقطة فاصلة في حياته، تجبره على طلب اللجوء والبقاء في أستراليا.
العودة إلى الجحيم.. الثورة كمنعطف حاسممع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تتغير حياة “سامي” مجددًا، ويتابع من بعيد مقاطع الاحتجاجات الأولى، التي تحمل نفس الشعارات التي سمعها في طفولته: “بدنا حرية.. بدنا كرامة”.
لكن الحدث المفصلي يأتي حين يعلم باعتقال شقيقه “زيد”، هنا، يتحول الصراع من داخلي إلى خارجي، ومن مراقبة عن بعد إلى قرار حاسم وهو العودة.
يسافر “سامي” سرًا عبر لبنان برفقة الصحفي الأسترالي “تشايس”، إذ يتم اغتياله مع المصور، ليجد “سامي” نفسه في قلب واقع لم يعد يشبه ذكرياته.
وجوه متعددة للمعاناةيرتكز الفيلم، الذي أنتج 2020 والمصوَّر في أستراليا والأردن، على أداء زياد بكري، الذي يجسد شخصية “سامي” بتوتر داخلي واضح، بين الخوف والواجب، إلى جانبه، تقدم يمنى مروان شخصية “كارما” التي تمثل الرابط الإنساني والعاطفي داخل الأحداث، وهي زوجة أخيه المعتقل، التي تعمل جاهدة مع “سامي” لإطلاق سراح زوجها.
كما يشارك في العمل عدد من الأسماء البارزة، منها فارس الحلو وسوسن أرشيد وريم علي، وكل شخصية لا تُستخدم كعنصر درامي فقط، بل كتمثيل لزاوية مختلفة من التجربة السورية: المعتقل، المنفي، الناشط، الصامت.
تصاعد الأحداث.. من شاهد إلى فاعلمع تقدم الأحداث، يتخلى “سامي” تدريجيًا عن موقع “المترجم” المحايد، ويتحول إلى مشارك مباشر في الواقع، إذ ينخرط في المظاهرات إلى جانب زوجة شقيقه، ويقوم بتصوير فيديو يطالب فيه بالإفراج عن المعتقلين.
لكن الفيلم لا يمنح هذا الفعل أي بطولة تقليدية، فمحاولاته لا تلقى استجابة، ما يعكس قسوة الواقع وعجز الفرد أمام منظومة القمع.
في النهاية، لا ينتهي الصراع بانتصار واضح، بل بموقف، فيختار “سامي” أن يبقى، وأن يتمسك بالمبدأ، مرددًا الشعار الذي بدأ به الفيلم: “بدنا حرية.. بدنا كرامة”.
Related


