عنب بلدي - 4/26/2026 4:48:13 PM - GMT (+2 )
عنب بلدي – شعبان شاميه
في كثير من البيوت، لا تبدأ المشكلات بصوت مرتفع أو خلاف واضح، بل بصمت خفيف يكبر مع الوقت حتى يتحول إلى جدار يفصل بين الزوجين.
هذا ما يُطلق عليه في الإرشاد النفسي والأسري “الخرس الزوجي”، وفق ما قالته الاستشارية النفسية الأسرية الدكتورة هبة كمال العرنوس في حديث إلى عنب بلدي، وهو حالة من الانقطاع في التواصل لا تقتصر على الكلام فقط، بل تمتد لتشمل المشاعر والاهتمام والتفاعل اليومي.
قد يبدو الصمت في ظاهره هدوءًا، بحسب الاستشارية، لكنه في العمق قد يخفي مشاعر متراكمة من الإحباط أو التعب أو فقدان الأمان.
وأشارت العرنوس إلى أن هذا النوع من الصمت يتسلل بهدوء دون أن يلفت الانتباه، حتى يصل الطرفان إلى مرحلة من الغربة رغم العيش تحت سقف واحد.
صمت أم انسحاب؟“الخرس الزوجي” ليس مجرد قلة كلام، وفق الاستشارية، بل هو انسحاب نفسي وعاطفي تدريجي من العلاقة.
في هذه الحالة، لا يغيب الصوت فقط، وإنما يغيب الاهتمام والتفاعل والاحتواء، بحسب العرنوس، معتبرة أن الصمت يحمل رسائل غير منطوقة مثل “لم أعد أشعر بالأمان” أو “لم يعد هناك جدوى من الحديث”.
الصمت بدلًا من المواجهةمن منظور نفسي، الصمت غالبًا آلية دفاعية وليس قرارًا واعيًا، بحسب ما قالته العرنوس، إذ يلجأ إليه الفرد عندما يشعر أن صوته غير مسموع، وحين يخاف من التصعيد أو الرفض، ويتعب من تكرار نفس الخلافات دون نتيجة، أو يفقد الأمل في التغيير، مشيرة إلى أن الصمت في هذه الحالة ليس راحة، بل تعب صامت.
ولفتت العرنوس إلى أن “الخرس” لا يحدث فجأة في أغلب الحالات، بل هو نتيجة تراكمات تتمثل بـ: خيبات صغيرة متكررة، مشاعر غير معبّر عنها، تجاهل طويل للاحتياجات العاطفية، حتى يصل أحد الطرفين إلى قناعة داخلية بأن التعبير لم يعد يجدي.
مؤشرات ودلالاتهناك مؤشرات واضحة للزوجين لاكتشاف أنهم دخلوا مرحلة “الخرس الزوجي” الخطير، بحسب الاستشارية، إذ يقتصر الحديث على الأمور الضرورية فقط، وغياب الحوار العاطفي بشكل كامل، وتجنب الجلوس أو النقاش، والشعور بالغربة رغم العيش تحت سقف واحد، مؤكدة أن الأخطر ليس الصمت، بل اللامبالاة التي تأتي بعده.
تبعات نفسية على الزوجين والأبناءيولد “الخرس الزوجي” لدى الزوجين آثارًا نفسية، وفقًا للاستشارية، مثل الشعور العميق بالوحدة داخل العلاقة، وانخفاض تقدير الذات، والتوتر الداخلي المستمر، والاحتقان العاطفي الذي قد يتحول إلى انسحاب كامل، إذ تصبح العلاقة شكلًا بلا روح.
كما ينعكس ذلك على الأبناء، الذين لا يحتاجون إلى سماع الشجار ليتأثروا، بل يكفيهم الشعور بالصمت البارد، وقد يظهر عليهم الشعور بالقلق أو التوتر غير المبرر، والصعوبة في التعبير عن مشاعرهم، وتقليد نفس النمط في علاقاتهم مستقبلًا، بحسب الاستشارية، معتبرة أن البيت الصامت قد يكون أكثر إرباكًا من بيت فيه خلاف صحي.
وقالت العرنوس، إن “الخرس” ليس بالضرورة دائمًا علامة على انتهاء الحب، فقد يكون حبًا متعبًا أو مشاعر لم تجد طريقًا صحيًا للتعبير، في حين أن استمراره لفترة طويلة قد يؤدي إلى تآكل المشاعر.
سلوكيات غير مدروسةمن أكثر الأخطاء الشائعة التي تزيد “الخرس” سوءًا، بحسب العرنوس، انتظار أن يبدأ الطرف الآخر استخدام الصمت كعقاب، وتفسير الصمت بشكل سلبي دون سؤال، وتراكم المشاعر دون تفريغ، لافتة إلى أن هذه السلوكيات تحوّل الصمت إلى جدار يصعب كسره.
نصائح ومفاتيح لكسر “الخرس”تحدثت الاستشارية النفسية الأسرية عن آلية لكسر هذا الصمت بطريقة ناضجة، وذلك بالابتعاد عن اللوم، والاعتراف بالمشكلة بهدوء، إضافة إلى اختيار وقت مناسب للحوار، والتعبير عن المشاعر دون اتهام، والإصغاء الحقيقي للطرف الآخر، مبينة أن جملة بسيطة أحيانًا مثل “أفتقد لحديثنا” قد تفتح بابًا مغلقًا منذ زمن.
وفي حال كان أحد الطرفين يرفض التواصل تمامًا، نصحت العرنوس بعدم الضغط أو المواجهة الحادة، بل التوجه لاستخدام مبادرات صغيرة ومستمرة وإظهار الأمان بدل المطالبة، موضحة أنه في حال استمرار الانسحاب يصبح التدخل المهني خطوة ضرورية.
ويؤثر التعب النفسي وضغوط الحياة على ظهور “الخرس الزوجي”، بحسب العرنوس، إذ يجعل الضغط النفسي المستمر الإنسان أقل قدرة على التعبير، وقد يدفعه إلى الانسحاب والصمت أو تجنب النقاش.
لكن المشكلة تحدث عندما يتحول هذا الصمت المؤقت إلى أسلوب دائم، ويصبح “الخرس” وسيلة هروب بدلًا من كونه استراحة.
وترى الاستشارية النفسية الأسرية، أن الاعتذار الصادق يعد أقوى المفاتيح لكسر “الخرس الزوجي”، بشرط أن يكون واضحًا دون تبرير زائد، ومصحوبًا بتغيير في السلوك، معتبرة أن هذا لا يعيد الحوار فقط، بل يعيد الشعور بالأمان.
التقدير يلعب دورًا إيجابيًايعتبر غياب التقدير من أهم أسباب الصمت، بحسب العرنوس، عندما يشعر الإنسان أنه غير مرئي داخل العلاقة، ينسحب تدريجيًا، لذلك فإن كلمة شكر أو ملاحظة جهد بسيط، أو التعبير عن الامتنان، قد تعيد الحياة إلى العلاقة وتقلل من احتمالية “الخرس”.
متى نحتاج إلى تدخل مهني؟يصبح التدخل المتخصص ضرورة، بحسب الاستشارية، عندما يستمر “الخرس” لفترة طويلة دون تحسن، وحين تتحول العلاقة إلى تعايش بارد، ويظهر أثر نفسي واضح على الأبناء، أو يفشل الزوجان في إعادة الحوار، محذرة من أن تأخر العلاج في مثل هذه الحالات يزيد الفجوة إلى حد كبير.
وأكدت العرنوس إمكانية استعادة الدفء بعد “الخرس”، مشيرة إلى أن ذلك يقترن بشروط، مثل وجود رغبة حقيقية من الطرفين واستعداد لتغيير أنماط قديمة، إضافة إلى الصبر على إعادة بناء الثقة فالعلاقة لا تصلح بكلمة واحدة، بل بسلوك متكرر.
وشددت الاستشارية على دور الكلمات البسيطة في إعادة الحياة للعلاقة، موضحة أن عبارات مثل “أنا أقدّرك”، “أشتاق لوجودك”، “دعنا نبدأ من جديد”، قد تكون بمثابة علاج نفسي، فالكلمة الصادقة قد تعيد شعورًا فُقد منذ وقت طويل.
وختمت الاستشارية النفسية الأسرية حديثها لعنب بلدي، بأن “الخرس الزوجي” ليس غياب كلام، بل غياب اتصال إنساني عميق، مشددة على أن كل صمت طويل يحمل خلفه قصة لم تُحكَ، فالعلاقات لا تنهار بسبب الخلافات، بل بسبب الصمت الذي يمنع فهمها.
Related
إقرأ المزيد


