خطيب بدلة
العاطفة الجياشة تجيش صاحبها، وتبهره، وتجعل مقدرته على فهم الأمور محدودة، ينطبق عليه قول “الإمام الشافعي”: وعين الرضا عن كل عيب كليلة، هذا القول يمكن تطويره، ونقله من عالم الحب بين شخصين، إلى حب شخص ما لنظام سياسي معيّن، لتصادف، يوميًا، مَن يقول لك إن إيران دولة متقدمة، بدليل ما لديها من مراكز أبحاث، ومنشآت نووية، ومراكز إنتاج للأسلحة الصاروخية.
أذكر أن صديقي الراحل، عبد القادر عبدللي، ترجم، في سنة 1987، مجموعة قصصية للأديب التركي عزيز نيسين، وأنا ساعدته في صياغتها باللغة العربية، وبعد إنجازها، أرسلنا إحدى قصصها للنشر في مجلة “لوتس”، التي يصدرها اتحاد كتّاب آسيا وإفريقيا، وكان مدير تحريرها الشاعر والروائي السوري، عادل محمود، الذي تحمس لطباعة المجموعة، وكتب رسالة لعزيز نيسين، يستأذنه بنشرها، ويطلب منه كتابة مقدمة للطبعة العربية، فاستجاب، وأرسل المقدمة لعبد القادر، الذي ترجمها، وفيها قرأت عبارة ما زالت تدهشني، وتدفعني للتأمل، حتى الآن.
كتب نيسين: قد يظهر، في دولة ما، عالم فيزياء لامع، وكبير، ولكن هذا لا يعني أن علم الفيزياء متطور في هذه الدولة، وإذا ظهر عالم اجتماع كبير، في دولة أخرى، هذا لا يشير إلى تطور علم الاجتماع في تلك الدولة.
منذ ذلك التاريخ، وحتى اليوم، وأنا أطبق هذا المعيار على ما أسمعه من أخبار، أو أشاهده من فيديوهات، فأحمد زويل، الحائز على جائزة نوبل بالفيزياء، مصري، ودولته متأخرة جدًا في الفيزياء، والعالم المصري الكبير، فاروق باز، الذي اشترك في رحلة “ناسا” إلى القمر، سنة 1971، مصري أيضًا، وهو يذكر، في إحدى مقابلاته المتلفزة، أن وزارة التعليم المصرية، عيّنته، عندما جاء إليها حاملًا شهادة عليا في الجيولوجيا، بصفة مدرس، في مدرسة إعدادية، فلم يقبل، وكاد أن يذهب إلى السجن لهذا السبب، وخلال مشاركته في الرحلة الفضائية، تبين أنه هو الذي اختار للوكالة موقع هبوط المركبة على القمر، وفيما بعد، أطلقت الوكالة على كويكب اكتشفته، اسم “BAZ”، تكريمًا له، وهذا يدل على أن أمريكا متطورة في علوم الفضاء، بينما مصر متخلفة.
الأنظمة السياسية الخليجية، ثرية، ولكنها ليست متطورة، فهي تستورد كل شيء، تقريبًا، وتصديها للصواريخ الإيرانية، بنجاح كبير، لا يعني أن صناعة أنظمة الدفاع الجوي فيها متطورة… وإذا عدنا إلى حديثنا عن إيران، يمكن أن نستعيد مبدأ عزيز نيسين، وهو أن التطور يجب أن يكون شاملًا، متكاملًا، وسنجد أن النظام الإيراني، منذ تأسيسه سنة 1979، وهو يصرف المليارات، في سبيل التوسع، وامتلاك أسلحة الردع، ولكنه، على أرض الواقع، متخلف، يعتمد تشكيلة من الحكام، المرشد الأعلى، بصفة دينية لا تعترف بأي قانون وضعي، ومنظمة عسكرية اسمها “الحرس الثوري”، ومجموعة ميليشيات مسلحة رديفة، مع وجود تركيبة دستورية، برلمانية، رئاسية، هي الأقل تأثيرًا، ونفوذًا.. وهو نظام يعادي المرأة، والحريات العامة، وكل ما صرفه على الأذرع التي بناها في منطقتنا، جرى تدميره، ولقد صدق ابن خلدون عندما قال: الطغاة يجلبون الغزاة.
Related


